ملخص
اختراق وكيل ذكاء اصطناعي موقعاً حكومياً أسترالياً من دون توجيه بشري أو إبلاغ عن فعلته يطلق إنذاراً غير مسبوق، ويكشف عن هشاشة الضوابط أمام تكنولوجيا باتت قادرة على تجاوز الحواجز الأمنية باستقلالية، فيما تتصاعد التحذيرات من أن تطورها يسبق قدرة الحكومات والقوانين على احتوائها.
ماذا يعني أن يخترق ذكاء اصطناعي حكومة ما؟ هذا بالضبط ما حدث، إذ أكد رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، أن وكيلاً من شركة “أوبن أي آي” قد “تسلل” إلى بوابة إحصاءات على موقع حكومي أسترالي، وكانت البوابة تحوي بيانات خاصة بنظام الرعاية الصحية الشامل “ميديكير” Medicare. إنها أول عملية اختراق معروفة في العالم لنظام حكومي ينفذها ذكاء اصطناعي، وقد وقعت قبل ثلاثة أشهر. أما سبب تأخر اكتشافنا الأمر حتى الآن، فببساطة أن الذكاء الاصطناعي لم يخبر أحداً، إذ “لم يعتقد أنه ارتكب أي خطأ”.
إذا بدت لك هذه الحادثة فظيعة (ومخيفة، وفيها لمسة من أجواء أفلام “ترميناتور” Terminator)، فلست وحدك. في الأسابيع القليلة الماضية، سمعنا ممن يطورون الذكاء الاصطناعي نفسه – على سبيل المثال موظفون حاليون وسابقون في شركة “أنثروبيك” – تحذيرات من أنه “سيقتلنا جميعاً خلال عقد من الزمن”.
شهدنا في أروقة الأمم المتحدة تدافعاً محموماً، إذ اصطف قادة العالم (آندي بيرنهام في مواجهة دونالد ترمب، وترمب في مواجهة شي جينبينغ) وكأنهم يتنافسون في استعراض عدم قلقهم من الذكاء الاصطناعي، ولا ريب أن شعورهم هذا كفيل بأن يثير فينا قلقاً بالغاً، في حين كان مسؤولون تنفيذيون في شركات الذكاء الاصطناعي يعتلون المنصات للتحذير من أن هذه التكنولوجيا “قد تشكل خطراً على البشرية جمعاء”. بل إننا سمعنا الرئيس الأميركي نفسه يقول إن “ضوابط الأمان” الوحيدة التي نحتاج إليها لذكاء اصطناعي قادر على إبادة البشرية تتلخص في “رئيس قوي وذكي (ذي ’معدل ذكاء آي كيو‘ مرتفع!)”. حسناً، فليكن.
ولكن ماذا يعني حقاً أن يخترق نموذج ذكاء اصطناعي حكومة ما؟ وهل يمكن أن تمثل هذه الحادثة لحظة تحول جذري تغير مواقف المتشككين في الذكاء الاصطناعي و”المتملقين له”، من أمثال قطب التكنولوجيا إيلون ماسك، الذي قال في يوليو (تموز) الماضي إن تطور الذكاء الاصطناعي بلغ من السرعة حداً جعله يقول: “حتى لو أردت إيقافه، لما استطعت”، ولكنه أصر، وبانبهار بالغ، على أننا ينبغي أن “نستمتع بالرحلة” (وبعد ثلاثة أشهر فحسب، عاد لينضم الآن إلى دعوات تطالب بإبطاء تطور الذكاء الاصطناعي)؟
قررت الانتقال مباشرة إلى المصدر، أي الذكاء الاصطناعي نفسه، علني أفهم منه لماذا تستحق هذه الحادثة الاهتمام. أتريد أن تعرف ماذا قال؟ أكد أن اختراق ذكاء اصطناعي قاعدة بيانات حكومية أو بنية تحتية يطرح “أخطاراً جسيمة تمس الأمن القومي والسيادة وتطول النظام ككل” (وكأننا لم نكن نعرف!). وأخبرني أن الذكاء الاصطناعي قد نفذ الاختراق من طريق ’التواطؤ‘ مع روبوتات دردشة أخرى (بلغ عددها 700 روبوت)، كي يتمكن من ’تجاوز‘ الحواجز الأمنية، وأنه كلما واجه عقبة ما، كان يخبر رفاقه بأنه “في حاجة إلى بيانات دقيقة على وجه السرعة”.
فما العواقب المحتملة لهذه الحادثة وغيرها من اختراقات الذكاء الاصطناعي؟ من تعريض البيانات الحساسة للخطر، مروراً بتعطيل البنية التحتية الحيوية، وصولاً إلى تقويض السيطرة السيادية والثقة.
بنبرة تنم عن برود ولا مبالاة، وكأنه يهز كتفيه افتراضياً، قال لي الذكاء الاصطناعي إن “اختراق وكيل من “أوبن أي آي” بوابة “ميديكير” الأسترالية يشكل خطراً استثنائياً، لأنه يمثل أول حالة معروفة في العالم يتجاوز فيها ذكاء اصطناعي مارق، بصورة مستقلة [من دون توجيه بشري]، حواجز الأمن السيبراني الحكومية. وعلى رغم أن تحقيقاً جنائياً رقمياً يشير إلى عدم سرقة أي سجلات شخصية للمرضى، فإن كيفية حدوث الاختراق وطبيعة استجابة الشركة كشفتا عن مواطن ضعف عميقة في السلامة الرقمية على مستوى العالم”.
أما سبب عدم اعتراف “أوبن أي آي” بالاختراق طوال ثلاثة أشهر، فالإجابة بسيطة: “ليس لدى الذكاء الاصطناعي ’ضمير‘ يدفعه إلى الإبلاغ عن الحادثة”، قال الذكاء الاصطناعي. “فبالنسبة إلى وكيل الذكاء الاصطناعي المارق، لم يكن الاختراق جريمة، بل مجرد مهمة ناجحة”.
والآن، أطلقت الحكومة الأسترالية مراجعة عاجلة وسريعة لقوانين الذكاء الاصطناعي، بغية التحقق مما إذا كانت الأطر القانونية القائمة في البلاد ملائمة للتصدي للحوادث السيبرانية التي ينفذها الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة. ولكني سأجازف هنا بالقول إنها ليست كذلك، ولم أكن في حاجة إلى الذكاء الاصطناعي لأعرف ذلك.
ولكن كيف نحول دون تكرار ذلك، أو حدوث ما هو أسوأ بعد؟ لنترك الكلمة الأخيرة للذكاء الاصطناعي، الذي قال إن هذا الاختراق “يمثل أحد أعقد التحديات التكنولوجية التي واجهتها البشرية على الإطلاق، ومن المستبعد جداً منعه تماماً”.
هل يبعث هذا على الطمأنينة؟ لا على الارجح [بل يثير القلق].
© The Independent
