عمر كوش.. كاتب. سوري ضفة ثالثة
يحاول سامي مروان مبيض في كتابه “على أطراف الذاكرة: الحياة الاجتماعية في دمشق قبل 1963” (رياض الريس، بيروت، 2025) استعادة جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية في العاصمة السورية، خلال السنوات الخمس عشرة التي سبقت انقلاب حزب البعث واستيلائه على السلطة في عام 1963، مستحضرًا مجتمعًا متنوعًا استمر في نشاطه وفعالياته بالرغم من توترات السياسة وتقلباتها، وذلك من خلال توثيق تفاصيل من الفعاليات الاجتماعية والثقافية في العاصمة السورية خلال تلك الحقبة.
يرغب مبيض في أن يعقد كل من يقرأ الكتاب مقارنة بين سورية الخمسينيات و”سورية البعث”، كي يدرك مدى الانحطاط والتخلف الذي وصلت إليه سورية في عهد “البعث”. فقد كانت تعرف بمفكريها ومسارحها ومنجزاتها الثقافية، فيما باتت تعرف بتجارة الكبتاغون، وبسجن صيدنايا، وسجن المزة، وسجن تدمر، وبقية المعتقلات التي ظهرت في عهد الأسدين. وتدفع هذه المقارنة إلى تأمل المسافة بين تاريخ نظام الحكم وتاريخ المجتمع، والبحث عن مصادر الحيوية التي أتاحت للمدينة مواصلة حياتها، حيث تظهر دمشق عبر أمكنتها ومؤسساتها، وأحيائها الحديثة، والمدارس، والأندية، وصالات العرض وسواها.
يوثق الكتاب تأسيس معرض دمشق الدولي بقرار من أديب الشيشكلي، الذي لم يشهد افتتاحه، بل افتتحه هاشم الأتاسي عام 1954 بمشاركة العديد من الدول، من بينها الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، وبريطانيا، وجمهورية ألمانيا الغربية، وكذلك ألمانيا الشرقية سابقًا. وكان حدثًا ثقافيًا وتجاريًا هامًا، عكس تنوع وتألق العاصمة، حيث شكّل مساحة لتبادل الفنون، والصناعات، والتجارب بين الدول، وحمل رمزية كبيرة بوصفه إحدى الفعاليات الدورية التي تجمع الناس من مختلف الفئات. وارتبط المعرض بحفلات فيروز منذ عام 1960، والتي غنّت “قرأت مجدك” لسعيد عقل عام 1962. كما شكّل المعرض تظاهرة اقتصادية وثقافية وسياحية كبرى جعلت من دمشق ملتقى دوليًا وعربيًا، ساهمت في تنشيط الحراك التجاري والفني عبر استقطاب أجنحة الدول الكبرى والفنانين العرب والعالميين. وكانت أمانة العاصمة وراء نجاح المعرض، ولعبت دورًا هامًا في تنظيم مدارس العاصمة، وشوارعها، وحدائقها، بما يعكس مستوى عاليًا من التمدن وإدارة المرافق العامة، مع التركيز على الجوانب التي تتعلق بتطوير المدينة وتحسين الخدمات. كما بذلت جهودًا للحفاظ على الطابع الثقافي والمعماري للعاصمة، والاهتمام بتاريخ المدينة وهويتها.
في الجانب الفني، يسهب مبيض في وصف العروض المسرحية والسينمائية، التي يعدّها من أبرز الأنشطة التي كانت تعكس الحياة الثقافية في دمشق، إذ إن المسرح والسينما لم يكونا مجرد ترفيه في ذلك الوقت، بل نافذة من أجل فهم المجتمع وتقاليده وأفكاره، وكانت العروض تجذب جمهورًا واسعًا من مختلف الأعمار والفئات. وقد انتشرت في دمشق صالات السينما الحديثة التي عرضت أحدث الإنتاجات العالمية والعربية، مثل سينما دمشق، والأهرام، ودنيا. ويوثق المؤلف عشرات العروض المسرحية، والفرق المحلية والعربية، التي كانت تجد في دمشق مسرحًا متفاعلًا وجمهورًا ذواقًا، ويذكر المهرجان السينمائي الذي أقيم ضمن معرض دمشق الدولي عام 1955، وافتُتح بفيلم “بنات الليل”، بطولة مديحة يسري وهند رستم، واستأثر بالاهتمام على حساب بقية فعاليات المعرض.
تبرز حيوية دمشق الفنية عبر استضافتها كبار نجوم الطرب والموسيقى في العالم العربي، وكان من بينهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز ووديع الصافي وسواهم. وشهدت دمشق إحياء حفلات غنائية ضخمة في الملاعب، والمطاعم الكبرى، والمسارح، والتي كانت تعكس مكانتها في صناعة الفن والثقافة في منطقة الشرق الأوسط في تلك المرحلة، حيث مثلت حفلات المطربين مناسبات اجتماعية مهمة تعكس الروح الفنية والغنائية التي تميزت بها دمشق. وكان الجمهور يتفاعل بشكل كبير معها، لأنها كانت تقدم مزيجًا من الأغاني التراثية والحديثة، الأمر الذي جعلها جزءًا هامًا من الحياة الثقافية في العاصمة. ونظمت كذلك حفلات موسيقى كلاسيكية أيضًا، كان من بينها حفل لعازفة البيانو اللبنانية ديانا تقي الدين في فندق “الأورينت بالاس” بتاريخ 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1954، وحفل للعازفة سامية حداد في نادي الضباط عام 1956 برعاية الرئيس شكري القوتلي. كما أسهم فنانون وموسيقيون، من بينهم فخري البارودي، في دعم التعليم الموسيقي والحفاظ على التراث الغنائي. لكن مظاهر الحداثة الفنية لم تكن محل إجماع اجتماعي، إذ واجه بعضها اعتراضات من أوساط محافظة رأت فيها خروجًا على القيم والتقاليد السائدة.
تحتل الفنون مساحة واضحة في توثيق نشاطات دمشق المستعادة. فالسينما والموسيقى والمسرح تكشف عن جمهور يتعرف إلى تجارب وأساليب تعبير متعددة. ومن بين المبادرات الفنية، يجري ذكر تجربة نزيه الشهبندر في إنشاء استوديو سينمائي بباب توما، بمشاركة فنانين من بينهم رفيق شكري وأنور البابا. أما الإذاعة والتلفزيون والصحافة والروابط الأدبية، فتتيح تتبع تشكل جمهور ثقافي أوسع. وتبرز في هذا المجال العلاقة المعقدة بين الثقافة والسياسة، بما شهدته من نشاط وتفاعل، ومن رقابة وملاحقات أيضًا.
وشكلت الصحافة أحد أهم مظاهر الحيوية الثقافية في دمشق قبل عام انقلاب البعث، حيث عرفت صدور عدد كبير من الصحف والمجلات التي عبّرت عن اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، وتناولت قضايا الاستقلال والوحدة العربية والعدالة الاجتماعية، فضلًا عن الشؤون الأدبية والفنية.
غير أن حرية الصحافة لم تكن مصانة طوال تلك المرحلة، فقد تعرضت الصحف للإغلاق والمصادرة خلال بعض الانقلابات العسكرية، بل وجرت مصادرة الحياة الحزبية والإعلامية خلال فترة الوحدة مع مصر. أما حركة النشر، فشملت كتبًا أدبية وفكرية وترجمات، وبرزت أسماء أسهمت في تطوير المشهد الأدبي السوري الحديث، من بينها نزار قباني وزكريا تامر وسعيد حورانية وشوقي بغدادي وحنا مينة. وقد أسهم كل ذلك في ربط دمشق بالمشهد الثقافي العربي، ولا سيما في بيروت والقاهرة وبغداد.
أخيرًا، يوجه الكتاب النظر إلى دمشق المدينة بوصفها مجتمعًا أنتج ثقافته وعلاقاته، وفق منهج يوثق ما تستعيده الذاكرة من تاريخ فئات اجتماعية نخبوية ولديها المال والوقت، لكن كتابة تاريخ دمشق الاجتماعي لا تعني كتابة تاريخ النخب، ليس لأنها لا تمثل كل المجتمع فقط، بل لأنه يغيب عنها التطرق إلى أحوال عامة الناس، وخاصة العمال والحرفيين والنساء والفقراء وسكان الضواحي والأطراف. ولم تكن دمشق بالصورة المثالية التي تستعيدها ذاكرة المؤلف اعتمادًا على الأرشيف، بل كانت تعاني تفاوتًا طبقيًا، وهيمنة اجتماعية للنخب الغنية، وقيودًا على مشاركة النساء، وصراعات سياسية وفكرية حادة. ومع ذلك فإن دمشق خلال سنوات الخمسينيات لم تكن مدينة بلا تناقضات، لكنها كانت مدينة تتسع، بدرجات متفاوتة، للتنوع، والتنافس، والتجريب الثقافي، وسوى ذلك.