هادي عزيز علي.. جريدة المدى
توقف تصديرالنفط من الموانيء العراقية عند نشوب الحرب العراقية الايرانية 1980. نهضت فكرة مد انبوب بعيدا عن سوح المعارك. فكانت الكويت المكان المقترح الاقرب والاقل كلفة الا ان الكويت شعرت بالحرج لان الموافقة تعني وقوفها الى الجانب العراقي ضد ايران فضلا عن اشكالية مضيق هرمز تبقى قائمة. هنا كانت الانعطافة نحو السعودية. لكن الامور ليست على ما يرام حينئذ بين السيد تايه عبد الكريم وزير النفط العراقي والسيد احمد زكي يماني وزير البترول والثرة المعدنية السعودي بسبب أسعار النفط، الامر الذي دفع السلطات العراقية الى تعيين السيد قاسم احمد تقي وزيرا للنفط 1982 وبوجوده جرت المحادثات باجواء ودية ومشجعة بين الطرفين وصار التوجه ان يمد الانبوب عبر الاراضي السعودية الى موقع (المعجز) شمال ينبع على البحر الاحمر كميناء للتحميل وتعهد العراق بتحمل كلفة المشروع كاملة يقابله موقف ايجابي عن الجانب السعودي وهو توفير ممر ومسار للانبوب من دون أجر وتحديد ميناء للتحميل وعدم تقاضي المملكة اية رسوم من الجانب العراقي وانجز العمل بمرحلتيه بكلفة (7, 2) مليار دولار وبوشر بالعمل والتحميل بسهولة ويسر.
لكن النوائب المسترخية عثرت على من يستفزها وانتهى شهر العسل بغزو الكويت اذ وقف العالم مذهولا من هول المفاجئة وتمكنت الولايات المتحدة الامريكية ان تشد احزمة مجلس الامن لقادم الايام اذ باشر ومن دون تاخير الى اصدار قراره المرقم 660 في 2 آب 1990 المتضمن ادانة الغزو المطالبة بسحب القوات العراقية من الكويت فورا. رغم صدور هذا القرار الا ان الضخ في الانبوب العراقي استمر وبالطريقة ذاتها ومن دون اشكالات او عوائق. لكن في 6 آب 1990 صدر قرار مجلس الامن (661) ونصت الفقرة (3) العاملة منه على: (تقرر ان تمنع جميع الدول من: أ – استيراد أي من السلع والمنتجات التي يكون مصدرها العراق أو الكويت وتكون مصدرة منهما بعد تاريخ هذا القرار..). بعد هذا القرار أعلمت شركة نفط الجنوب السيد عصام الجلبي وزير النفط حينئذ بأن الضخ في الانبوب عبر السعودية قد توقف. وتاكد توقف الضخ بعد ذلك من خلال الاتصال الهاتفي من قبل الوزير السعودي الذي اكد التزام السعودية بقرار مجلس الامن الصادر 6 آب 1990. عند هذا المفصل توقفت الاتصالات بالكامل بين الجانبين. لم تكتف السعودية بأيقاف الضخ بل بادرت ببيع المخزون النفطي العراقي في(المعجز) وارسلت بدل المبيع الى الامم المتحدة وكان امرا مقضيا.
بتاريخ 3 نيسان 1991 صدر قرا ر مجلس الامن الدولي المرقم 687 وهو القرار الذي يعد الاطول في تاريخ مجلس الامن منذ تأسيس الامم المتحدة اذ تناهز صفحاته على العشر وكان الاكثر قسوة ومعاناة على الشعب العراقي في فترة الحصار فقد نصت الفقرة العاملة منه رقم 16 منه: (العراق… وبموجب القانون الدولي مسؤول عن اي خسارة مباشرة او ضرر مباشر.. او اي ضرر وقع على الحكومات الاجنبية او رعاياها او شركاتها نتيجة لغزوه واحتلاله غير المشروعين للكويت). تبنى الجانب السعودي هذه الفقرة واستنادا اليها فقد أمر بتاريخ 10 / 6 / 2000 بوضع اليد على خط الانابيب العراقي بكافة ملحقاته لسببين ذكرهما الامر الاول: توقف العراق عن تنفيذ التزاماته. والثاني خرقه للاعراف والمواثيق. لم يكتف الجانب السعودي بوضع اليد بل قرر: (الأيلولة الكاملة لمشروع خط الانابيب الواقع ضمن المملكة ومحطات الضخ والخزانات ونظام الاتصالات ومرافق مناوبة الشحن الى حكومة المملكة العربية السعودية) مستندين للفقرة (16) من قرار مجلس الامن الدولي اعلاه.
الامر السعودي يستند الى سببين – كما مذكور اعلاه – عن السبب الثاني – المتضمن (خرقه للاعراف والمواثيق الدولية) ويفهم من هذا الخرق هو غزو الجيش العراقي للكويت. استجاب الجانب السعودى لما اصدره مجلس الامن وامر: 1 – وقف ضخ النفط في الانبوب. 2 – وضع اليد على الانبوب. 3 – مصادرة الانبوب وأيلولته ملكا للحكومة السعودية وبالارادة المنفردة حصرا لحكومة السعودية. وعند مراجعة لقرارات مجلس الامن الدولي التي بدأت بالقرار رقم (660) المؤرخ في 2 آب 1990 والقرارات اللاحقة الصادرة عنه طيلة فترة الحصار والتي تجاوزت الستين وصولا الى قرار مجلس الامن المرقم 1483 لسنة 2003 الذي صدر بعد احتلال العراق. لم ترد في تلك القرارات لا تصريحا ولا تلميحا اي نص يبيح الجانب السعودي وضع اليد على الانبوب او يسمح بمصادرته او ان تؤول ملكيته كلا او جزءا. ان الفقرة (16) من قرار مجلس الامن اعلاه التي يستند اليها االجانب السعودي انصرفت الى التعويض في حالة حدوث ضرر مباشر جراء الغزو أي (جبر الضرر). جبر الضرر لا يتحقق الا بعد ثبوته على وفق الاليات التي رسمتها نصوص مجلس الامن ومن قبل الجهات المعنية بالتطبيق كلجنة التعويضات ومقرها جنيف وهذا يعني عدم جواز فرض التعويض بالارادة المنفردة للدول اذ لا يصح ان تكون تلك الدول مدعيا وقاضيا في الوقت نفسه ولما كانت قرارات مجلس الامن لا تسمح بفرض التعويض بالارادة المنفردة للدول وقبل ثبوت الضرر فيكون من باب اولى عدم سماحه لأجراءات المصادرة والايلولة لكونهما من غير غطاء تشريعي أممي يجيز ذلك.
السبب الاول – عدم تنفيذ العراق لألتزاماته يعني ان مد الانبوب داخل الاراضي السعودية استند الى رابطة قانونية ملزمة لجانبين وان العراق اخل باحكام تلك الرابطة حسب الامر السعودي. ولكن ما هو نوع الرابطة القانونية التي الزمت الجانبين؟ وما هو المركز القانوني لكل من الجانبين السعودي والعراقي من هذه الرابطة؟ فمشروع بهذه الاهمية وبهذه الكلفة لا بد انه يستند الى اتفاقية دولية يوضح فيها ما لطرفيها من حقوق والتزامات وتتعززالقناعة للمتتبع بوجود اتفاقية من خلال مستندات عدة منها: رسالة الوزير السعودي السيد هشام ناظر الى الوزير العراقي السيد عصام الجلبي المرقمة (368 / هـ) في 28 / 10 / 1989 تفصح عن وجود اتفاقية بين الطرفين اذ جاء فيها النص التالي: (الاتفاقية الخاصة بانشاء خط انابيب الزيت العراقي). اما الجانب العراقي فهو يقر ايضا بوجود اتفاقية بين الدولتين وهذا ما هو ظاهر في كتاب وزارة النفط الموجه الى ديوان الرئاسة المذيل بتوقيع السيد عصام الجلبي المرقم (6063) في 19 / 11 / 1989 معنون بالعبارة التالية (الاتفاقية الحكومية بين العراق والسعودية حول خط انبوب النفط الخام عبر السعودية). فالكتاب يشير صراحة الى وجود اتفاقية. اضافة الى قرار مجلس قيادة الثورة المرقم (23) في 21 / 1 / 1991 الذي الغى كافة المواثيق والاتفاقيات المعقودة بين البلدين. صراحة النصوص الرسمية الصادرة من اعلى المستويات في البلدين تقر بوجود اتفاقية تخص انبوب النفط عبر السعودية.
فأذا كان هناك رابطة قانونية بين العراق والسعودية بمستوى الاتفاقية الدولية فيفترض عراقيا انها ابرمت استنادا لقانون عقد المعاهدات العراقي رقم 111 لسنة 1979 الذي كان ساري المفعول حينئذ ومنسجمة مع القواعد القانونية الدولية الآمرة لأتفاقية فيينا للمعاهدات لسنة 1969 واذا كانت هذه الافتراضات صحيحة فلا بد ان نسخة منها مودعة لدى الامم المتحدة استنادا للمادة 102 من ميثاقها. لكن – المستغرب – لوحظ في حفل الافتتاح وما ورد في خطابي الوزيرين السعودي والعراقي هو النأي عن ذكر مفردة (اتفاقية). فضلا عن ان الراحل عصام الجلبي وفي كتابه الثر (50 عاما في عالم النفط) تضمن تعابير مثل: (تم الاتفاق بتوفير ممر ومسار بدون اجر، حسن نوايا المملكة باكمال المشروع، تمت الموافقة، التعاون الكبير من قبل المملكة، الحصول على موافقات، تقديم تسهيلات، المشروع) اي لم ترد في الكتاب المذكور اشارة الى وجود اتفاقية معقودة بين البلدين. وترد المفاجئة عن الوزير السعودي قوله: (يكتفي بأبرام اتفاق فيما بين شركة “ارامكو” السعودية وشركة نفط الجنوب فقط).(ص 148 من الكتاب) اي اتفاق بين شركتين وليس اتفاقية بين دولتين. ويؤكد الخبير النفطي المثابر احمد موسى جياد عدم وجود اتفاقية بين البلدين بل كل ما موجود هو عقد اتفاق تنفيذي بيت شركة ارامكو وشركة نفط الجنوب.
اذن مشروع بهذا الحجم وبكلفة ثقيلة مقدرة بـ (7،2) مليار دولار مدفوع بالكامل من اموال الشعب العراقي ملقى في عرض الصحراء من دون غطاء تشريعي ولا اتفاقية دولية تحميه او اية وسيلة تحافظ على المال العام، ويترك اموالنا عرضة للهدر. اجراء تعسفي يحرم العراق من مركزه القانوني ويجرده من حق المطالبة باجر المثل جراء استخدام الجانب السعودي للانبوب طيلة العقود المنصرمة لغياب الغطاء التشريعي. ويحرمنا من الجوء الى التقاضي الدولي او غرف التحكيم الدولية لغياب الاتفاقية الدولية التي تكون محلا للنزاع امام الجهات تلك. وعلى فرص ان مصادرة المشروع وملحقاته من الجانب السعودي تخرج مخرج الاستملاك فان المطالبة ببدل الاستملاك يوجب وجود نص في اتفاقية يعالج ذلك وعدم وجود الاتفاقية يجعل المطالبة من دون سند قانوني. انه موقف شديد الوجع. مؤلم بقسوته. خيبة مضافة. المرض المستوطن المقترن بمتلازمة المال المهدور. ذلك المال الذي لم ندركه في يوم من الايام. حتى صرنا كالعيس في البيداء يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول. نبقى نتطلع الى عراقي اكبرمن حجم الفواجع.