حسام فران- صحفي لبناني.
. موقع درج
عند “حزب الله”، يُجرَّد الفرد داخل البيئة المؤيّدة من استقلاليته الفكرية والسياسية تحت مسمّى “التكليف الشرعي” و”ولاية الفقيه”. الانصياع الأعمى لقرارات القيادة المعصومة في أدبيات الحزب يُقدَّم كأعلى درجات التحرّر الإنساني والروحي والكرامة.
في رواية “1984” الشهيرة لجورج أورويل، كان وينستون سميث يعبّ من قنينة “جين النصر” الرديء ليخدّر وعيه، ويدخّن “سجائر النصر” لينفث مع دخانها بؤس واقعه، بينما كانت عيناه تقعان، أينما التفت في لندن البائسة، على ملصقات “الأخ الأكبر” وشعارات الحزب الثلاثة المكتوبة بحروف بارزة، والتي تتلخّص بـ: “الحرب هي السلام” و”الحرّية هي العبودية” و”الجهل هو القوّة”.
على النحو نفسه، ولكن في جغرافيا أخرى وزمان آخر، وبعد انقشاع دخان القنابل تحت سماء ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان في صيف العام 2006، بدأت ملامح “أورويلية” تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
فجأة، وبفعل هندسة لغوية وأيديولوجية متقنة، استيقظ الشيعة على نحو خاصّ، واللبنانيون على نحو عامّ، ليجدوا أنفسهم محاطين بـ “نصر” من نوع آخر، نصر صالح للاستهلاك اليومي، وبشحنة إلهية شديدة السطوة. بدأت واجهات المحلّات والمقاهي ومطاعم الوجبات السريعة والمتاجر، تحمل أسماء مثل “الوعد الصادق” و”النصر” و”الانتصار”، شيء أشبه بالسلع التي تغرق بها الأسواق في رواية أورويل.
لم تكن هذه التسميات مجرّد طفرة عفوية لابتهاج شعبي، بل كانت، تماماً كـ”جين النصر” الأورويلي، آليّة سيكولوجية لتعليب الهزيمة المادّية وتحويلها إلى انتصار معنوي سائل. لقد أُريدَ للمواطن أن يأكل النصر، ويشربه، ويتبضّع منه، حتى يصبح جزءاً من نسيجه الحيوي، وحتى يغدو أيّ تشكيك في كلفة الحرب بمثابة خروج عن “طبيعة الأشياء”، في عمليّة غسيل دماغ جماعية جعلت المؤيّدين اليوم في العام 2026، ورغم الكارثة الوجودية واحتلال الأرض وتشريد البشر، مبرمجين على ترداد المفاهيم ذاتها تقريباً، أن “الحرب هي السلام”، و”الحرّية هي العبودية” و”الجهل هو القوّة”.
شكّلت حرب تمّوز/ يوليو 2006 نقطة التحوّل المركزية في صياغة مفهوم “النصر” لدى “حزب الله”. في تلك الحرب، ورغم حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية والخسائر البشرية الفادحة، تمكّن الحزب من الصمود العسكري ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها المعلنة المتمثّلة في سحق تنظيمه.
هذا الصمود جرى استثماره سياسياً وإعلامياً عبر آلة البروباغندا الضخمة التابعة له ولإيران، ليعلن كـ”نصر إلهي”، وليصير مع هذا “النصر” زعيم الحزب حسن نصرالله بمثابة إله يمشي على الأرض.
أسّست سردية 2006 لقاعدة معرفية جديدة في وعي جمهور “حزب الله”، فالنصر لا يُقاس بحجم الدمار، ولا بعدد الضحايا، ولا بمستوى معيشة الناس، بل بـ”بقاء المقاومة وسلاحها”. تحوّل هذا المفهوم إلى عقيدة راسخة تُستخدَم لتبرير كل الخيارات اللاحقة، من التدخّل العسكري في سوريا، إلى الهيمنة على مفاصل الدولة اللبنانية، وصولاً إلى قرار فتح جبهة “الإسناد” في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، ثم قرار إسناد إيران انتقاماً لمقتل المرشد علي خامنئي في الثاني من آذار/ مارس الماضي.
هذا الإصرار، بل فعل الإنكار، ليس مجرّد مكابرة سياسية، بل هو أداة حيوية لمنع الانهيار المعنوي والتنظيمي، وهو ما يُعيدنا مباشرة إلى المصنع “الأورويلي” لصناعة المصطلحات.
ففي رواية أورويل الشهيرة تُستخدم الشعارات الثلاثة للحزب الحاكم لإلغاء القدرة على المحاكمة العقلية. عند إسقاط هذه الشعارات على واقع “حزب الله” والبيئة الشيعية المناصرة له، نجد تطابقاً بنيوياً في الآليّات والنتائج.
دعونا نأخذ مثلاً شعار “الحرب هي السلام”. في عالم أورويل، تُبقي السلطة الدولة في حالة حرب دائمة للحفاظ على استقرار النظام الداخلي، وتوجيه غضب الجماهير نحو عدوّ خارجي.
في حالة “حزب الله” تتحوّل الحروب المستمرّة والاستنفار الدائم إلى شرط وجودي للحزب وللهويّة الشيعية التي أعاد صياغتها. يتمّ إقناع الجمهور بأن الأمن والاستقرار لا يتحقّقان عبر بناء الدولة أو المؤسّسات أو الالتزام بالقوانين الدولية (مثل القرار 1701)، بل عبر البقاء في حالة استنفار حربي دائم. شعار “حماية لبنان” يُستخدَم لتبرير زجّ البلد في صراعات إقليمية تابعة للمشروع الإيراني، ليصبح الموت والدمار هما الوسيلة الوحيدة المتاحة لتأمين “السلم الأهلي” و”الردع”.
ماذا عن “الحرّية هي العبودية”؟ في الرواية، يُعرَّف الفرد المستقلّ بأنه ضعيف ومحكوم عليه بالفشل، بينما تأتي الحرّية الحقيقية من الذوبان الكامل في كيان الحزب الجمعي.
عند “حزب الله”، يُجرَّد الفرد داخل البيئة المؤيّدة من استقلاليته الفكرية والسياسية تحت مسمّى “التكليف الشرعي” و”ولاية الفقيه”. الانصياع الأعمى لقرارات القيادة المعصومة في أدبيات الحزب يُقدَّم كأعلى درجات التحرّر الإنساني والروحي والكرامة. وفي المقابل، فإن أيّ محاولة للتحرّر من هذه الهيمنة، أو انتقاد الخيارات العسكرية، أو المطالبة بسيادة الدولة اللبنانية، تُصنف فوراً كـ”عبودية للسفارات” أو “عمالة وتخوين”.
أما شعار “الجهل هو القوّة”، فيعتمده الحزب الحاكم في الرواية، لتغييب الوعي التاريخي والمنطقي للمواطنين، لأن الشعب الجاهل تسهل قيادته ولا يملك أدوات المساءلة.
عند “حزب الله”، يمارس الحزب عمليّة عزل معرفي ممنهجة لجمهوره عبر منظومته الإعلامية ومنظّريه ووعّاظه. يتمّ تزييف الحقائق التاريخية والجغرافية على الأرض بشكل مستمرّ. فعندما تحتلّ إسرائيل قرى في الجنوب، يجري التركيز الإعلامي على كمين عسكري أو استهداف دبّابة بطائرة مسيّرة، لإعطاء انطباع بالسيطرة والتقدّم، ممّا يخلق وعياً زائفاً يفصل المتابع عن الواقع الجغرافي.
الجهل هنا ليس أمّية أبجدية، بل هو إنكار الحقائق الصلبة (مثل حجم الخسائر البشرية والاقتصادية الكارثية على الطائفة والبلد) واستبدالها بالغيبيات والوعود بالنصر الإلهي، مجدّداً ودائماً، فضلاً عن ادّعاء الحزب امتلاك الحقيقة المطلقة، ودعوة جمهوره إلى تكذيب عقولهم وتصديقه وحده.
لا يمكن فهم نجاح هذه الآليّة الأورويلية في البيئة الشيعية دون النظر إلى الترابط العضوي والمؤسّساتي بإيران. لم يقتصر المشروع الإيراني في لبنان على الدعم العسكري، بل أنشأ شبكة أمان اجتماعية واقتصادية ودينية موازية للدولة.
هذا الاندماج جعل مصالح فئات واسعة من الطائفة مرتبطة وجودياً باستمرار الحزب، ممّا يسهّل تقبّل البروباغندا، فالاعتراف بالهزيمة يعني انهيار المنظومة التي تؤمّن لهم الهويّة والمعاش والأمان الرمزي، كما أن الخوف يشكّل محرّكاً أساسياً للجماعات، فحينما يُصار إلى تداول تهديدات بترحيل الشيعة إلى العراق، أو تكليف الرئيس السوري أحمد الشرع وقوّاته بالهجوم على شيعة لبنان، بعد ارتكابات هذه الجماعات في سوريا مع الدروز والعلويين، لا يبقى أمام الشيعة إلا الخوف والتمسّك بالوهم، وبوعود “الأخ الأكبر” بالحماية والنجاة.