في 13 أيلول (سبتمبر) الماضي، رفعت الحكومة السورية سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة جديدة. وبعد أربعة أيام أعلنت سعراً قدره 115 ليرة للتدفئة والزراعة وبعض الفئات المستحقة، و150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية، مع إبقاء المازوت بالمواصفات القياسية عند 175 ليرة. وبين القرارين شهدت مناطق عدة احتجاجات، وظهرت اضطرابات في النقل والنشاط الاقتصادي. تُقدِّمُ تلك الأيام الأربعة حالة مفيدة لفهم طريقة صنع السياسة الاقتصادية في سوريا اليوم، فالزراعة والنقل والتدفئة لم تُصبح فجأة أكثر اعتماداً على المازوت، والفقر لم يظهر بعد رفع السعر، وعَمرة مصفاة بانياس التي استندت إليها الحكومة في تفسير رفع الأسعار كانت صيانة مقررة. يبدو إذن أن ثمة اعتبارات لم تأخذ وزناً كافياً في تصميم القرار الأول، لكنها عادت وفرضت نفسها على القرار الثاني.

لذلك فإن السؤال لا يتعلق أساساً بما إذا كان سعر المازوت، البالغ 175 ليرة، مرتفعاً أو منخفضاً، ولا بما إذا كان ينبغي دعم المازوت إلى أجل غير محدود. السؤال هو: لماذا بدأت معالجة المشكلة من السعر، ثم أُدخلت آثار السعر على الإنتاج والمجتمع بعد فرضه؟

الإجابة تقود إلى ما هو أبعد من المازوت، فهي تكشف تَفاعُلَ أربعة عوامل في المرحلة الانتقالية: هشاشةٌ بنيوية في قطاع الطاقة، وضيقٌ مالي شديد، وفهمٌ مُبسَّطٌ نسبياً للتحوُّل نحو اقتصاد السوق، وضعفٌ في المؤسسات التي تعمل على تحويل المعلومات الاقتصادية والاجتماعية إلى سياسة عامة قبل اتخاذ القرارات.

صدمة حقيقية في اقتصاد طاقته هشّة

لم تكن المبررات التي قدمتها وزارة الطاقة مصطنعة. فقد ارتفعت تكلفة تأمين المشتقات النفطية، ودخلت مصفاة بانياس في عَمرة شاملة لنحو شهرين، ما زاد الحاجة المؤقتة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة. وقالت الوزارة إن تعديلَ الأسعار إجراءٌ مؤقت يهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات.  لكن هذه الصدمة وقعت فوق مشكلةٍ أقدمَ منها: هشاشةُ أمنِ الطاقة السوري. الأمن الطاقي لا يعني أن تُنتِجَ الدولة كل ما تستهلكه، وإنما أن تستطيع تأمين حاجتها من الطاقة بصورة مستقرة وبأسعار يمكن للاقتصاد تَحمُّلها، وأن تمتلك من تنويع المصادر والمخزون والقدرة التكريرية والبدائل ما يسمح لها بامتصاص الصدمات.

من هذه الزاوية، لم تصنع عَمرة بانياس المشكلة البنيوية؛ لقد كشفتها. فتوقفُ قدرةٍ تكريرية محلية بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الاستيراد تَحوَّلَ سريعاً إلى مشكلة في تمويل الإمدادات المحلية. لكن هشاشة الطاقة تُفسِّر لماذا واجهت الحكومة مشكلة، ولا تُفسِّر لماذا اختارت هذه الطريقة تحديداً لمعالجتها.  فالصدمة تُحدِّدُ مقدار التكلفة الإضافية، أمّا توزيع هذه التكلفة فهو قرارٌ اقتصادي. كان من الممكن نظرياً توزيعها بنسب مختلفة بين الموازنة والمؤسسة النفطية والمستهلكين والقطاعات الإنتاجية، أو تمريرها تدريجياً، أو التمييز بين الاستخدامات منذ البداية. ولكل خيارٍ كلفةٌ مالية واقتصادية واجتماعية مختلفة.

وهنا تبدأ السياسة الاقتصادية.

عندما تتحوّل مشكلة اقتصادية إلى مسألة استرداد تكلفة

يبدو أن نقطة الانطلاق في القرار الأول كانت واضحة: ارتفعت تكلفة الحصول على المازوت، وأصبح استمرار بيعه بالسعر السابق يُرتِّبُ خسارة لا تستطيع المؤسسات العامة أو الحكومة تحمُّلها من دون تهديد قدرتها على تمويل الإمدادات اللاحقة. ضمن هذا الحساب يُصبح رفع السعر منطقياً.  لكن هذا حساب مالي لوزارة أو شركة، وليس بَعدُ حساباً كاملاً للاقتصاد.

فالمازوت مَدخلُ إنتاجٍ واسعُ الانتشار، يدخل في نقل البضائع والأشخاص، والري والآلات الزراعية، والصناعة، والتدفئة، وتشغيل المولدات والمعدات. ولذلك لا تنتهي زيادة سعره عند مشتري اللتر؛ تنتقل عبر تكاليف الإنتاج والنقل إلى أسعار سلع وخدمات أخرى، وتضغط في الوقت نفسه على دخول الأسر. ومن هنا يوجد فرق جوهري بين تكلفة المازوت على الدولة وتكلفة رفعِ سعر المازوت على الاقتصاد.  قد يؤدي رفع السعر إلى تقليل خسارة المؤسسة التي توفر الوقود، لكنه يستطيع في الوقت نفسه رفعَ تكلفة نقل الخضار والقمح، أو خفض هامش منشأة صغيرة، أو زيادة تكلفة الزراعة، أو اقتطاع جزء أكبر من دخل الأسرة للتدفئة والنقل. لذلك فإن استرداد التكلفة هدفٌ مالي مفهوم، لكنه ليس سياسةَ طاقةٍ مكتملة.

والقرار الثاني الذي اتخذته الحكومة بعد أربعة أيام يؤكد هذه النقطة أكثر مما يؤكدها أيُّ نقد خارجي. فقد أصبح للزراعة والتدفئة وبعض الفئات سعر قدره 115 ليرة، ولعدد من الاستخدامات الإنتاجية والخدمية سعر 150 ليرة، بينما بقي السعر القياسي 175 ليرة. أي أن السياسة نفسها انتقلت خلال أيام من النظر إلى المازوت بوصفه مُنتَجاً له تكلفة إلى التمييز بين الوظائف الاقتصادية والاجتماعية المختلفة لاستخدامه.

وهنا يُصبِح السؤال: لماذا حدثَ هذا التعلُّم بعد القرار؟

السوق كما تفهمه الحكومة الجديدة

جزء من الإجابة، في تقديري، يرتبط بطريقة فهم التحوّل الاقتصادي نفسه. فهناك تَوجُّهٌ مُعلن لدى الحكومة نحو اقتصاد السوق وتوسيع دور القطاع الخاص. وقد تحدَّثَ وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار أخيراً عن الانتقال من اقتصاد تُهيمِن عليه التراخيص والموافقات الحكومية إلى سوق حرة وتنافسية، يقود فيها القطاع الخاص الاستثمار والتوظيف والابتكار والإنتاج.

هذا التوجه لا يُمكن فصله عن التجربة التي سبقت سقوط النظام السابق. فقد ارتبط النموذج الاقتصادي السوري لعقود بتدخل حكومي كثيف، وقطاع عام واسع، وتسعير إداري ودعم وبيروقراطية وفساد. ومن الطبيعي أن تحمل المرحلة الجديدة رغبة في الابتعاد عن هذا الإرث. لكن هنا يوجد خطر معروف في التحولات الاقتصادية: أن يُبنى النموذج الجديد باعتباره ردَّ فعل على النموذج السابق قبل أن يكتمل تعريفه بوظائفه ومؤسساته الخاصة، فيصبح تحريرُ السعر دليلاً على السوق لأن النظام السابق كان يُسعِّر إدارياً، ويصبحُ تقليصُ الدعم إصلاحاً لأن النظام السابق تَوسَّعَ فيه، ويصبح القطاعُ الخاص بديلاً مرغوباً لأنه يقابل القطاع العام السابق. هذه العناصر قد تكون جزءاً من الإصلاح، لكنها لا تُكوِّنُ اقتصاد السوق بمفردها.

السوق ليس سعراً فقط. السعر يعمل داخل منظومة من حقوق الملكية والعقود والمنافسة والتمويل والمعلومات والتنظيم والقضاء والبنية التحتية. والأهم أن استجابة الناس للسعر تفترض امتلاكهم قدرة على التكيُّف. المُزارع الذي لا يملك بديلاً عن المازوت لتشغيل معداته لا يستطيع الاستجابة للزيادة كما يستجيب مستهلك يستطيع الانتقال إلى سلعة بديلة. والمنشأة الصغيرة التي لا تستطيع الاقتراض لا تواجه زيادة تكلفة الطاقة بالطريقة نفسها التي تواجهها شركة لديها تمويل ورأس مال. والأسرةُ محدودة الدخل لا تستطيع التعامل مع التدفئة والنقل باعتبارهما إنفاقاً يمكن تخفيضه بلا حدود. عندما تكون البدائل والتمويل والدخول محدودة، يظل السعر مؤثراً، لكن جزءاً كبيراً من تأثيره يمر عبر انكماش الاستهلاك والإنتاج بدلاً من الانتقال السلس إلى بدائل أكثر كفاءة.

ولهذا لا يكفي تحرير السعر لبناء السوق. ينبغي أن تنمو بالتوازي معه المؤسسات التي تسمح للأفراد والمنشآت بالاستجابة له.

المشكلة ليست صندوق النقد

من المفيد هنا التمييز بين هذا الفهم المُبسَّط للسوق وبين ما تقوله المؤسسات المالية الدولية اليوم. صندوق النقد الدولي يدعم الانضباط المالي، ويشير صراحة في تقييمه الأخير لسوريا إلى رفع أسعار بعض الخدمات العامة من أجل استرداد التكلفة وتقليل الأعباء شبه المالية. كما يُشيد بضبط الإنفاق وعدم تمويل الموازنة من المصرف المركزي. لكن هذا ليس كل برنامجه. في التقرير نفسه يضع الصندوق إعادة تأهيل النظام المصرفي، وتحسين إدارة المالية العامة، وتطوير الأسواق المالية، وتحسين البيانات، وتقوية المؤسسات الاقتصادية ضمن أولويات الإصلاح. ويُطالب بتوسيع الحيّز المالي للإنفاق التنموي، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر هشاشة. وهذا يعكس درساً تراكمَ عبر عقود من تجارب الانتقال إلى اقتصاد السوق: تحرير الأسعار لا يستطيع أن يحل محل بناء المؤسسات.

لذلك قد يكون من الخطأ تفسير ما يجري في سوريا باعتباره ببساطة تطبيقاً لوصفة صندوق النقد. الاحتمال الذي يستحق الفحص هو أن النسخة المحلية من التَحوُّل إلى السوق أكثر اختزالاً: أَخذُ العناصر الأسرع والأوضح، مثل السعر واسترداد التكلفة والقطاع الخاص والانضباط المالي، بينما يحتاج بناء المؤسسات التي تجعل هذه العناصر تعمل إلى وقت وخبرة ودولة أكثر قدرة.

وهذا ينقلنا إلى قلب المشكلة.

أين مطبخ السياسة الاقتصادية؟

لو كانت المسألة مجرد نقص في المعلومات، لكان من السهل تفسير القرار. لكن معظم المعلومات الأساسية كانت معروفة قبل رفع السعر. كان معروفاً أن عَمرة بانياس ستُخفِّض القدرة المحلية على التكرير. وكان معروفاً أن الزراعة والنقل يعتمدان على المازوت. وكان معروفاً أن القدرة الشرائية للسكان ضعيفة وأن المنشآت تعمل في بيئة تمويلية صعبة. لذلك فالمشكلة ليست فقط توافر المعلومات، وإنما وجود مؤسسة تستطيع جمعها وتحويلها إلى قرار. وهذه وظيفة المطبخ الاقتصادي للدولة.

قبل رفع سعرِ مدخلٍ أساسي مثل المازوت، يُفترَض امتلاك قدرةٍ على بناء عدة سيناريوهات: ماذا يحدث للنقل إذا ارتفع السعر بهذه النسبة؟ ما أثر ذلك على تكلفة الزراعة؟ ما مقدار انتقال الزيادة إلى أسعار الغذاء؟ ما القطاعات التي تستطيع التكيف؟ ما الفئات التي تحتاج إلى حماية؟ ما تكلفة التعويض؟ وما الفرق بين رفع السعر دفعة واحدة وتَدرُّجه؟

وزارة الطاقة لا تستطيع الإجابة وحدها عن هذه الأسئلة. وظيفتها الأساسية تتعلق بالإمداد والطاقة والتكلفة. أما تقديرُ الآثار الكلية فيحتاجُ إلى المالية والاقتصاد والزراعة والنقل والمصرف المركزي وأجهزة الإحصاء، وإلى معرفة موجودة خارج الدولة لدى الخبراء والأكاديميين والمنتجين والناقلين وغرف الصناعة والتجارة والسلطات المحلية والمجتمع. وهنا تظهر أهمية المشاركة من زاوية اقتصادية خالصة. فهي ليست مجرد إضفاء شرعية على قرار اتُّخذَ سلفاً، بل وسيلة للحصول على معلومات لا تملكها الإدارة المركزية.

يعرف المُزارع عند أي مستوى من التكلفة سيُخفِّضُ استخدام المضخة أو المساحة المزروعة. ويعرف الناقل عند أي سعر تصبح الرحلة خاسرة. وتعرف المنشأة مقدار الزيادة التي تستطيع امتصاصها أو تمريرها إلى المستهلك. إذا لم تصل هذه المعلومات إلى صانع السياسة قبل القرار، فإنها ستصل إليه بعده في صورة ارتفاع أسعار أو توقف نقل أو تراجع إنتاج أو احتجاج. ومن هذه الزاوية يُمكن قراءة الأيام الأربعة بين القرارين باعتبارها دورة تَعلُّم مكلفة كان ينبغي أن تحدث، قدر الإمكان، داخل عملية صنع القرار لا في المجتمع بعد تطبيقه.

وليس من المصادفة أن برنامج صندوق النقد للمساعدة الفنية لسوريا يركز إلى حدٍّ بعيد على بناء هذه القدرة: إدارة الموازنة والسيولة والدين، النظام المصرفي، السياسة الضريبية، الإحصاءات الاقتصادية والإطار النقدي. كما يشير الصندوق صراحة إلى أن فجوات البيانات وضعف جودتها أمورٌ ما تزال تُعيق التقييم التفصيلي للاقتصاد السوري.

لماذا تميل الكفة إلى السعر؟

يبقى السؤال عن سبب مَيلِ الحكومة إلى الحل المالي السريع رغم هذه التعقيدات. هنا يجتمع القيد الاقتصادي مع الاقتصاد السياسي للمرحلة الانتقالية. الدولة تُعاني ندرة شديدةً في الموارد. وفي الوقت نفسه تحاول إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، وجذب الاستثمار والتمويل، وبناء الثقة مع المؤسسات الدولية. ومن الطبيعي في هذه البيئة أن تحظى المؤشرات التي يُمكن إظهارها وقياسها بسرعة بأهمية كبيرة: ضبط الموازنة، وقف التمويل النقدي للعجز، تقليل خسائر المؤسسات العامة، استرداد التكلفة، وتوسيع دور القطاع الخاص.

وقد سجل صندوق النقد الدولي (إيجابياً) أن موازنة 2025 انتهت بفائض صغير بعد حصر الإنفاق ضمن الموارد المتاحة والامتناع عن تمويل العجز من المصرف المركزي. لكن هناك فرقاً بين تقليل تكلفة تتحملها الدولة وتقليل تكلفة يتحملها الاقتصاد. عندما تتوقف الدولة عن تحمل جزء من تكلفة الطاقة وتنتقل هذه التكلفة إلى المُزارع والناقل والمنشأة والأسرة، فإن التكلفة لا تختفي. إنما يتغيّر فقط الطرف الذي يحملها.

وهذا السؤال، أي من يتحمل المخاطر والتكاليف أثناء الانتقال؟ يجب أن يكون جزءاً من تصميم الإصلاح نفسه. لأن المجتمع السوري يدخل هذه المرحلة بقدرة محدودة جداً على امتصاص الصدمات، بينما تدخلها الحكومة أيضاً برصيد سياسي نتج جزئياً عن سقوط النظام السابق. ومن المعقول أن يمنح هذا الرصيد أي سلطة جديدة مساحة أوسع لاتخاذ قرارات صعبة. لكن هذا الرصيد لا يتجدد تلقائياً.

مع مرور الوقت، تنتقل شرعية أي حكومة من مصدرها إلى أدائها. ويتحول السؤال من موقعها في التغيير السياسي إلى قدرتها على إدارة الأسعار والدخل والعمل والخدمات والحقوق. ولذلك فإن قدرة المجتمع على تحمل الإصلاح ليست مورداً مجانياً. إنها أحد القيود التي ينبغي أن تدخل في حساب الإصلاح نفسه.

ما الذي كشفته الأيام الأربعة؟

يمكن الآن العودة إلى نقطة البداية وفهم ما حدث بصورة أبسط. وقعت صدمةٌ حقيقيةٌ في تكلفة الطاقة فوق قطاع طاقة هشٍّ. وصلت الصدمة إلى دولة تعاني ضيقاً مالياً شديداً وتتبنى انتقالاً سريعاً نحو اقتصاد السوق واسترداد التكلفة. وفي المقابل، ما تزال المؤسسات التي تسمح للسوق بامتصاص الصدمات ضعيفة، كما أن الجهاز الذي ينبغي أن يجمع الآثار المالية والإنتاجية والاجتماعية إلى قرار واحد ما يزال في طور البناء. لذلك كان السعر هو الأداة الأسرع.

وعندما وصل القرار إلى الاقتصاد الحقيقي، ظهرت حدود هذا الحل. فعادت الزراعة والتدفئة والإنتاج والفئات محدودة القدرة إلى معادلة التسعير، وأُعيد تصميم القرار. المشكلة إذن ليست أن الحكومة أخطأت ثم صححت. المشكلة أن عملية التصحيح كشفت ما كان ناقصاً في عملية صنع القرار قبل الخطأ. وهذا يتجاوز قطاع الطاقة.

سوريا تحتاج إلى معالجة دعم الطاقة، وإلى مالية عامة قابلة للاستمرار، وإلى قطاع خاص قادر على الاستثمار، وإلى أسعار تعكس الندرة الحقيقية بدلاً من إخفائها. لكن نجاح هذا التحول يتوقف على ترتيب خطواته. فالانتقال إلى اقتصاد السوق ليس عملية إزالة للدولة القديمة ثم انتظار السوق كي يملأ الفراغ. إنه عملية بناء مؤسسات جديدة تُغيّر وظيفة الدولة وطريقة عمل السوق معاً.

إذا تحررت الأسعار قبل أن تعمل المصارف، وتقوى المنافسة، وتتحسن الحماية الاجتماعية، ويصبح أمن الطاقة أكثر متانة، وتتطور قدرة الدولة على تحليل السياسات والتشاور بشأنها، فإننا نكون قد حررنا المخاطر أسرع مما بنينا قدرة الاقتصاد والمجتمع على إدارتها.

وهذا هو الدرس الأهم الذي أراه في أزمة المازوت: السعر أداة في اقتصاد السوق، لكنه لا يستطيع أن يقوم بالعمل الذي لم تنجزه المؤسسات بعد.