لا يبدو الجدل حول الإخوان المسلمين في سوريا الجديدة مجرد نقاش بشأن مستقبل جماعة سياسية، بل يفتح سؤالاً أوسع حول موقع الإسلام السياسي في الدولة الناشئة. فمع استمرار النشاط التنظيمي للجماعة، تبرز أسئلة التحول إلى حزب مدني، وحدود العلاقة بين الدعوة والعمل السياسي، واختبار التجارب العربية السابقة.
دمشق ــ بعد عقود من العمل في المنفى وتحت ضغط نظام بشار الأسد، يجد الإخوان المسلمون في سوريا أنفسهم أمام وضع لم يكن متاحاً لهم منذ سنوات طويلة: مساحة سياسية مفتوحة نسبياً تسمح بإعادة ترتيب التنظيم، ومخاطبة الدولة والمجتمع، ومحاولة تحديد موقعهم في سوريا الجديدة مع حكومة تظهر إلى حد الآن تسامحا مع الجماعة.
لكن هذه الفرصة تطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتجاوز حق الجماعة في النشاط السياسي إلى طبيعة الكيان الذي تريد أن تكونه: هل تبقى جماعة دينية ذات بنية تنظيمية مستقلة، أم تتحول إلى حزب سياسي يخضع لقواعد العمل المدني والقانوني، أم تحاول الجمع بين التنظيم الدعوي والسياسي بما يحافظ على بنيتها التاريخية ويفتح أمامها طريق المشاركة السياسية ويرفع من منسوب المخاوف من سيطرتها على المؤسسات وتنفيذ استراتيجية الاختراق التي كانت وراء نهاية تجربة حكم الإسلاميين في تونس ومصر؟
وجاء انعقاد الدورة الخامسة لمجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في سبتمبر ليعيد السؤال إلى الواجهة. فقد أكد المجلس استمرار الجماعة، ووصفها بأنها «جماعة وطنية مستقلة القرار»، وأعلن تمسكها بما سمّاه النهج الإسلامي الوسطي، ودعا إلى التعددية السياسية وتنظيم العمل الحزبي، كما رحب بانطلاق مجلس الشعب ودعا إلى دستور دائم يطرح للاستفتاء الشعبي.
لا تكمن المشكلة مع الإخوان المسلمين في النوايا والتصريحات التي تتمسك بالديمقراطية والمدنية، ولكن في سيطرة أفكار وقناعات عن الحاكمية و”الإسلام هو الحل” بشكل تحول الديمقراطية إلى أداة للهيمنة وفرض الأمر الواقع على الخصوم. وهذه مخاوف مشروعة لقدرة الإخوان على الحشد بسبب الشعارات الدينية التي تجد ميلا وتصديقا من الشارع.
ولا تكمن دلالة هذه المواقف في مضمونها الديمقراطي المعلن فقط، وإنما في كونها تأتي بعد نقاش سوري واسع حول مستقبل الجماعة نفسها. ففي سبتمبر 2025، قال المراقب العام للجماعة عامر البو سلامة إن حل التنظيم «غير وارد»، رافضاً دعوة كان قد طرحها المستشار الإعلامي للرئيس أحمد موفق زيدان لحل الجماعة، ومؤكداً أن الإخوان يعتبرون أنفسهم جزءاً من المرحلة الانتقالية.
وهكذا يبدو أن دمشق أمام خيار سياسي حساس: كيف تتعامل مع تنظيم تاريخي يحمل خطاباً سياسياً ودينياً في آن، من دون أن تتحول عملية السماح له بالنشاط إلى اعتراف ضمني به كقوة سياسية منظمة خارج إطار قانون الأحزاب؟
من السهل على أي تيار سياسي أن يعلن التزامه بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة. وهذه ليست مشكلة خاصة بالإخوان المسلمين، بل هي قاعدة عامة في الانتقال من العمل الحركي أو المعارض إلى العمل السياسي المؤسساتي.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات، عندما يصبح الحزب جزءاً من مؤسسات الدولة، وعندما يتعين عليه التعامل مع الجيش والقضاء والإدارة والأمن والاقتصاد والتعليم والإعلام باعتبارها مؤسسات وطنية لا ساحات اختراق وسيطرة لتغليب هوية تنظيمية أو أيديولوجية.
وهنا تصبح التجربة المصرية بعد 2011 حاضرة في النقاش، ليس باعتبارها نموذجاً مطابقاً للحالة السورية، وإنما باعتبارها تجربة تكشف صعوبة الانتقال السريع من تنظيم ذي بنية دعوية واجتماعية قوية إلى حزب يمارس السلطة. فقد فاز حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان في مصر آنذاك، بنحو نصف مقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2012، بينما حصل الإسلاميون على أغلبية كبيرة في مجلس الشورى. لكن وصول الإخوان إلى السلطة تزامن مع صدامات حادة مع القضاء والمؤسسة العسكرية وقوى سياسية أخرى.
لا تكمن المشكلة مع الإخوان المسلمين في النوايا والتصريحات التي تتمسك بالديمقراطية والمدنية، ولكن في سيطرة أفكار وقناعات عن الحاكمية و”الإسلام هو الحل” بشكل تحول الديمقراطية إلى أداة للهيمنة وفرض الأمر الواقع
ولا يصح اختزال التجربة المصرية في القول إن الانتخابات أدت تلقائياً إلى «اختراق الدولة» أو «أسلمة المجتمع»، فذلك استنتاج سياسي محل خلاف. لكن التجربة أظهرت بوضوح أن الفوز الانتخابي لا يكفي وحده لإدارة دولة شديدة التعقيد، وأن العلاقة بين الحزب الفائز ومؤسسات الدولة والقوى السياسية الأخرى تحتاج إلى قواعد دستورية ومؤسساتية واضحة.
أما تونس فتقدم حالة أكثر تعقيداً، لأن حركة النهضة فازت بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011، وحكمت في ائتلاف مع حزبين علمانيين قبل أن تخسر المرتبة الأولى في انتخابات 2014 وتشارك لاحقاً في حكومة يقودها خصومها.
لذلك فإن استحضار التجربتين المصرية والتونسية لا ينبغي أن يقود إلى نتيجة مسبقة بأن دخول الإخوان إلى السياسة سينتهي بالطريقة نفسها. ما تكشفه التجربتان هو أن المشكلة الأساسية لا تكمن في خوض الانتخابات، وإنما في العلاقة بين المرجعية الفكرية والتنظيم الحزبي ومؤسسات الدولة.
وهذا تحديداً هو الاختبار السوري.
تقول جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إنها مستقلة القرار، وإنها جماعة وطنية، وإنها تؤيد التعددية والمواطنة المتساوية والحوار بين القوى السورية. لكن هذه المواقف تفتح بدورها سؤالاً أكبر: ما الشكل القانوني والسياسي الذي يمكن أن تتحول إليه الجماعة إذا أرادت المشاركة في انتخابات مستقبلية؟
فالاستمرار كجماعة دينية منظمة يختلف عن تأسيس حزب سياسي. وفي الأنظمة الديمقراطية، لا تكفي الانتخابات وحدها لإضفاء الطابع المدني على التنظيم؛ إذ يفترض الحزب أن يخضع للقانون، وأن تكون عضويته مفتوحة على أساس المواطنة، وأن يلتزم بقواعد المنافسة السياسية، وأن يقبل تداول السلطة حتى إذا خسر الانتخابات.
وتصبح هذه النقطة أكثر حساسية في حالة الإخوان بسبب الطبيعة العابرة للحدود التي ارتبطت تاريخياً باسم الجماعة. فالإخوان المسلمون نشأوا كحركة ذات امتدادات عربية وإسلامية، وظهرت فروع وتنظيمات مرتبطة بالفكرة نفسها في دول عديدة.
ولا يعني ذلك تلقائياً أن فرع سوريا يتلقى اليوم توجيهات سياسية من تنظيم خارجي. لكن مجرد وجود هذا التاريخ التنظيمي العابر للحدود يجعل سؤال العلاقة بين الجماعة السورية والجماعة الأم جزءاً من النقاش حول مستقبلها السياسي، خصوصاً إذا تحولت من جماعة إلى حزب يشارك في مؤسسات الدولة.
ولا تستطيع سوريا الجديدة فصل هذا الملف عن محيطها الإقليمي. فالدول العربية تنظر بدرجات مختلفة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتتباين سياساتها تجاهها، فيما تمثل مصر والإمارات والسعودية أطرافاً مهمة في البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها دمشق.
ولهذا فإن السماح للجماعة بممارسة نشاط سياسي منظم، إذا تحول إلى سياسة رسمية، قد يفرض على دمشق إدارة حساسة للعلاقة بين الداخل والخارج. فدمشق تحتاج إلى بناء علاقات وثيقة مع العواصم العربية ودعمها السياسي والاقتصادي في مرحلة إعادة الإعمار، ولا تريد في الوقت نفسه أن يتحول ملف الإسلام السياسي إلى مصدر توتر مع شركائها.
العامل الحاسم سيكون طبيعة الدور الذي ستختاره الجماعة، والقواعد التي ستضعها الدولة للعمل السياسي، ومدى قبولها بأن تكون المنافسة على أساس البرامج والانتخابات لا على أساس الانتماء الديني أو التنظيمي.
أمام الجماعة نفسها خيار آخر: أن تنهي شكلها التنظيمي الحالي وتنتقل إلى حزب سياسي مدني. لكن هذا الخيار لا يخلو من أسئلة.
سيكون الاختبار الحقيقي للجماعة هو سؤال هل يحق لنا أن نعمل؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: بأي قواعد نعمل، وماذا سنفعل إذا وصلنا إلى السلطة
إذا كان التحول مجرد تغيير للاسم وإعادة توزيع للهياكل، فقد لا يتغير جوهر العلاقة بين التنظيم والسياسة. أما إذا كان التحول حقيقياً، فسيحتاج إلى مراجعة أعمق للمرجعية التنظيمية، ومصادر التمويل، وعلاقة القيادة بالأعضاء، وطبيعة البرنامج السياسي، وموقع الشريعة والدين في العمل العام، وعلاقة التنظيم بالدولة.
وهنا تصبح التجربة التونسية مفيدة، لأنها أظهرت أن الفصل بين النشاط الديني والعمل الحزبي يمكن أن يكون قراراً تنظيمياً وسياسياً، لكنه يحتاج إلى إعادة تعريف للهوية وليس مجرد تغيير في المصطلحات. وفي المقابل، تظهر التجربة المصرية أن الانتقال من التنظيم إلى الحزب لا يحل تلقائياً مشكلات العلاقة مع مؤسسات الدولة والقوى السياسية.
بالنسبة إلى سوريا، قد يكون السؤال أكثر إلحاحاً لأن الدولة نفسها لا تزال في مرحلة تأسيس قواعد النظام السياسي. فالبرلمان الانتقالي بدأ عمله في 2026، فيما لا يزال الدستور الدائم والانتخابات الوطنية الكاملة جزءاً من المسار الانتقالي. ويمنح النظام الانتقالي مجلس الشعب صلاحيات محدودة إلى حين اعتماد دستور دائم وتنظيم انتخابات.
وهذا يعني أن قواعد اللعبة السياسية لم تستقر بعد، وأن دخول الإخوان أو أي تيار سياسي آخر إلى المشهد سيجري في ظل نظام لا يزال قيد التشكيل.
من هنا، لا تبدو القضية في ما إذا كانت سوريا ستسمح للإخوان بالديمقراطية أو تمنعهم منها، بل في كيفية بناء نظام سياسي يسمح بالتعددية من دون تحويل الدولة إلى ساحة لتغليب التنظيمات والأيديولوجيات.
وإذا اختارت الجماعة الاستمرار كتنظيم مستقل، فستظل الأسئلة المتعلقة ببنيتها وعلاقاتها الخارجية ومرجعيتها الفكرية حاضرة. وإذا اختارت التحول إلى حزب، فسيكون عليها إثبات أن التحول ليس تغييراً في الاسم فقط، وإنما انتقال فعلي من منطق الجماعة إلى منطق الحزب.
لهذا فإن سوريا لا تحتاج إلى إعادة إنتاج التجربتين المصرية أو التونسية، كما لا تستطيع تجاهلهما. الدرس الأهم من التجارب السابقة ليس أن وصول الإسلاميين إلى الانتخابات يقود حتماً إلى النتيجة نفسها، وإنما أن الديمقراطية لا تختبر عند صندوق الاقتراع فقط؛ بل تختبر في قبول قواعد الدولة، والتعددية، وتداول السلطة، واستقلال المؤسسات، وحق المنافسين في الوصول إلى الحكم.
وبالنسبة إلى الإخوان المسلمين في سوريا، سيكون الاختبار الحقيقي هو قدرتهم على الانتقال من سؤال «هل يحق لنا أن نعمل؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: بأي قواعد نعمل، وماذا سنفعل إذا وصلنا إلى السلطة، وماذا سنفعل إذا خسرناها؟
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن التحدي هو أن تضع قواعد واحدة للجميع، بحيث لا تتحول قضية الإخوان إلى معركة إقصاء، ولا تتحول التعددية إلى بوابة لعودة التنظيمات الموازية للدولة. وفي الحالتين، تبدو سوريا أمام فرصة لبناء تجربة سياسية مختلفة، بشرط ألا تختصر الديمقراطية في السماح بالانتخاب، وألا تختصر الدولة في منع التنظيم.