
على وقع الحرب المشتعلة وما تخلّفه من ضغوط متراكمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، لا تكفّ السلطات الإيرانية عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقليها السياسيين. وبينما تتصاعد المطالبات الدولية بوقف هذه الأحكام، تمضي طهران في مسارها بعزم لافت، متجاهلةً نداءات منظمات حقوق الإنسان والهيئات الأممية، ومستعيضةً عن الحوار بخطاب الردع والقمع. ولا يبدو هذا المسار عشوائياً أو انفعالياً، بل يستند في عمقه إلى منطق سياسي مدروس يجعل من الإعدامات أداةً مزدوجة، لإخماد الاعتراض الداخلي من جهة، وللمناورة في الفضاء الدبلوماسي الدولي من جهة أخرى.
وفق المعطيات الموثّقة التي رصدتها منظمات حقوق الإنسان الإيرانية وطابقتها منظمة العفو الدولية، نفّذت السلطات الإيرانية ما يزيد على ثمانين حكماً بالإعدام خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، غالبيتهم من المعتقلين على خلفية احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي. وتُضاف إلى هذا الرقم عشرات الحالات غير المرتبطة بالملف السياسي، مما يجعل المشهد الإجمالي أكثر قتامة مما تُقرّ به الأرقام الرسمية الشحيحة.
ولا تقتصر خطورة الأمر على الأرقام وحدها، بل تمتد إلى الأسلوب الذي تُنفَّذ به هذه الأحكام. فوفق ما رصده مركز حقوق الإنسان في إيران، جرى تنفيذ اثنين وعشرين حكماً بالإعدام بين السابع عشر من مارس/آذار والسابع والعشرين من أبريل/نيسان في سرية تامة، دون إخطار أسر المحكوم عليهم أو محاميهم. وخضع هؤلاء لمحاكمات خاطفة لم تتجاوز بعضها الأسبوع الواحد، استند فيها القضاة إلى تقارير أجهزة الأمن واعترافات انتُزعت تحت وطأة الإكراه والتعذيب، في غياب شبه تام لأي ضمانات قضائية.
رمز الأزمة
تتمحور أشد المعطيات خطورةً حول سجن “قزل حصار” في مدينة كرج شمال البلاد، الذي بات مرآةً صادقة لما يجري خلف جدران المنظومة العقابية الإيرانية. أعلن سجناء الوحدة الثانية دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام منذ أواسط يوليو/تموز، احتجاجاً على نقل عدد من زملائهم إلى الحبس الانفرادي دون أي مبرر مُعلن. ولم يرَ هؤلاء السجناء في هذه الخطوة إلا تمهيداً لتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم، في إجراء تعتمده السلطات عادةً قُبيل تنفيذ الأحكام بعيداً عن أعين الشهود.
وفي شيراز جنوب البلاد، أصدرت الدائرة الأولى للمحكمة الثورية حكماً بالإعدام على مجتبى دهيندي، البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً، وكيانوش كازروني البالغ سبعة وعشرين عاماً، وذلك بتهمة “العداء لله”. في حين يؤكد الناشطون الحقوقيون أن جريمة الشابين لم تتخطَّ فتح منشآتهما التجارية ملجأً للمتظاهرين خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني. ولم تُفصح المحكمة عن أي دليل مادي يُثبت التهم الموجهة إليهما، مما يعكس النمط الأشمل لمحاكمات تفتقر إلى أدنى معايير الشفافية والعدالة.
وتتكرر الصورة ذاتها في مدينة أصفهان، حيث صدر حكم بالإعدام على مهنام نواب صفوي، المحتجز في سجن دستجرد، وهو واحد من خمسة عشر شخصاً اعتُقلوا على خلفية أحداث “ساحة علي خان”. وأفادت المنظمات الحقوقية بأن خمسة منهم على الأقل نُفّذ فيهم حكم الإعدام داخل السجن المركزي بالمدينة.
قانون التجسس
في الحادي والعشرين من يوليو/تموز، أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق مهدي خانكي بتهمة “الانتماء إلى جماعة إرهابية والتعاون مع النظام الصهيوني”. واللافت أن السلطات وظّفت في هذه القضية قانون “تشديد عقوبات التجسس والتعاون مع الدول المعادية” الصادر حديثاً، دون الإفصاح عن وثائق أو أدلة تُثبت الاتهامات. ويرى الناشطون أن هذا القانون بات سلاحاً قانونياً مرناً تستخدمه السلطات لملاحقة الناشطين والمعارضين تحت غطاء خطاب الأمن القومي، مستغلةً في ذلك أجواء الحرب التي تُضفي مشروعية ظاهرية على الاتهامات الأمنية.
خارج أسوار السجون، خلّفت عملية اغتيال الناشط الثقافي الكردي مهدي توكلي موجةً واسعة من الغضب في المناطق الكردية غرب البلاد. أطلقت الأجهزة الأمنية النار مباشرةً على سيارته في الطريق بين مريوان وسنندج، فأردته قتيلاً مع والدته وشقيقته اللتين كانتا برفقته، وذلك دون أي إنذار مسبق أو إجراء قانوني. كان توكلي ناشطاً في مجال تدريب الشباب على التصوير وتوثيق الأحداث المحلية، واعتُقل مرات عدة على يد مخابرات “الحرس الثوري”، غير أنه لم يتوقف عن نشاطه قط. ويرى المراقبون أن استهدافه على هذا النحو يعكس قلق السلطة من دور التوثيق المرئي في تضخيم صدى الاحتجاجات وإيصاله إلى الرأي العام العالمي.
أ.ف.بحشود تنعى “المرشد الأعلى” الإيراني آية الله علي خامنئي خلال مراسم التشييع في مصلى طهران الكبير، 5 يوليو 2026.
تبقى المخاوف من توسّع دائرة الإعدامات مشروعةً في ضوء الأرقام المتراكمة: نحو أربعة آلاف معتقل من احتجاجات يناير لم يمثل أي منهم أمام محكمة مدنية وفق إجراءات شفافة
أصوات داخلية وإدانات دولية
لم تصمت الأصوات الداخلية رغم ما تفرضه البيئة المقيّدة من قيود. أصدر المجلس التنسيقي للجمعيات النقابية الإيرانية بياناً أدان فيه استسهال السلطات تنفيذ الإعدامات، مطالباً بمحاكمات عادلة وإنهاء حملات القمع. وذهب المجلس التنسيقي للمعلمين أبعد من ذلك حين شدّد على أن “الحق في الحياة حق أصيل لا يقبل المساومة، وإن عقوبة الإعدام- بغض النظر عن التهم- تتعارض مع الكرامة الإنسانية والمعايير الدولية الراسخة”. وتكتسب هذه الأصوات أهمية استثنائية لأنها تصدر عن مؤسسات نقابية ومهنية داخل إيران، لا عن المعارضة في المنفى.
على الصعيد الدولي، طالبت بعثة تقصي الحقائق المعنية بإيران في الثالث والعشرين من يوليو/تموز بـ”الوقف الفوري لجميع عمليات الإعدام المرتبطة باحتجاجات يناير”، معربةً عن قلق بالغ إزاء وتيرتها المتسارعة. ودعا مركز حقوق الإنسان في إيران المجتمع الدولي إلى ربط أي تعامل دبلوماسي مع طهران بمعايير ملموسة لحقوق الإنسان، تشمل وقف الإعدامات والإفراج عن السجناء السياسيين، والعمل على جمع الأدلة تمهيداً لملاحقات مستقبلية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية. في السياق ذاته، أدان مساعد وزير الخارجية الأميركي رايلي بارنز هذه الممارسات، مؤكداً وقوف واشنطن إلى جانب “الشباب الإيراني الشجاع الذي يُستهدف لمجرد رفع أصواته”.
منطق الرعب كسياسة
في تشخيص لدوافع السلطة الإيرانية، ترى الناشطة الحقوقية حبيبة رجب حسيني في حديثها مع “المجلة” أن ما يجري ليس عبثاً، بل يستند إلى معادلة سياسية محسوبة: “تستشعر السلطات أن ظرف الحرب قد يُفضي إلى تدهور في الخدمات والاقتصاد، وهو ما قد يُشجّع المجتمع على المجاهرة بالاعتراض. تجربة انتفاضة يناير/كانون الثاني التي جاءت عقب الحرب كانت دليلاً ملموساً على ذلك. فاستباقاً لأية هبّة جماهيرية، تضخّ السلطة مزيداً من الرعب في الفضاء العام لتُظهر نفسها قوةً متماسكة رغم ضغوط الحرب والشقاق الداخلي”.
وتكشف حسيني بُعداً آخر لا يقل أهمية في فهم هذه السياسة: “تُوظّف طهران ملف الإعدامات ورقةَ ضغط على المؤسسات الدولية أيضاً. فاستمرار هذه الأحكام بهذه الوتيرة يدفع الجهات الدولية، ولا سيما الأوروبية التي تتساهل تاريخياً مع إيران، إلى طلب الحوار والتوافق. مما يُتيح للسلطة انتزاع تنازلات في مقابل تعليق بعض الحالات، لا سيما تلك المتعلقة بمزدوجي الجنسية”.
وتبقى المخاوف من توسّع دائرة الإعدامات مشروعةً في ضوء الأرقام المتراكمة: نحو أربعة آلاف معتقل من احتجاجات يناير/كانون الثاني لم يمثل أي منهم أمام محكمة مدنية وفق إجراءات شفافة، فيما تتعالى التحذيرات من احتمال امتداد موجة الإعدامات لتطال النساء والقاصرين المعتقلين على الخلفية ذاتها. في مشهد يُجسّد بجلاء كيف تحوّل الدولة أجهزتها القضائية والأمنية إلى أدوات إخماد، لا إلى مؤسسات عدالة.