هناك تجربة قاسية يمكن لأي صحفي أن يجريها من دون مختبر أو ميزانية أو موافقة أخلاقية: اكتب مقالاً جاداً عن قضية عامة، اقضِ ساعات في جمع المعلومات ومراجعة المصادر، احذف ما لا تستطيع إثباته، قاوم إغراء العنوان المثير، ثم انشره على لينكدإن وفيسبوك وإكس وإنستغرام. انتظر قليلاً، وستكتشف أن بضعة مئات من الأشخاص قرأوه، وأن عشرات أعجبوا به، وأن عدد من شاركوه لا يحتاج إلى آلة حاسبة. ثم، بدافع الفضول أو الرغبة في تعذيب النفس، افتح المنصة نفسها. ستجد شخصاً لم يجد في قاموسه ما يكفي من الكلمات المهذبة، فقرر أن يعوض ذلك بالشتائم، أو شخصاً يصور نفسه وهو يفعل شيئاً لا معنى له، أو صاحب رأي لا يملك من الأدلة سوى ثقته المفرطة بنفسه. ستجد هؤلاء وقد حصدوا عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف من المشاهدات والتعليقات والمشاركات.
هنا يبدأ السؤال الذي يزعج الصحفي أكثر من انخفاض عدد قراء مقاله: هل أصبح العالم أكثر تفاهة، أم أننا بنينا نظاماً إعلامياً يكافئ التفاهة؟ ليس السؤال جديداً تماماً، لكن الإجابة أصبحت أكثر إزعاجاً.
التفاهة لم تولد مع فيسبوك، ولم يخترعها إكس، ولم يكن الإنسان قبل الهاتف الذكي كائناً أفلاطونياً يبحث طوال اليوم عن الحقيقة والمعرفة. الصحافة نفسها عرفت صحافة الفضائح والإثارة، وعرفت العناوين الصارخة التي تبيع أكثر مما تشرح، وعرفت جمهوراً يفضل أحياناً الخبر الغريب على التحقيق المهم. لكن شيئاً تغير جذرياً. لقد تحولت التفاهة من مجرد سلوك بشري عابر إلى جزء من اقتصاد كامل يقوم على بيع شيء واحد: الانتباه.
وفي هذا الاقتصاد لم يعد السؤال الوحيد هو: هل المحتوى جيد؟ أصبح السؤال الأكثر حضوراً: هل سيجعل الناس يتوقفون؟ هل سيغضبون؟ هل سيتشاجرون؟ هل سيشاركونه؟ هل سيعودون إلى المنصة بعد خمس دقائق بحثاً عن رد جديد؟ وهكذا حدث التحول الأخطر في تاريخ الإعلام الحديث: لم يعد الانتباه نتيجة جانبية للمحتوى، بل أصبح هدفاً قائماً بذاته.
المشكلة أن الحقيقة لا تبدو مصممة لهذا الاقتصاد. الحقيقة بطيئة ومزعجة ومكلفة. تحتاج إلى وثيقة، ومصدر، وتدقيق، وسياق، ومقارنة، وأحياناً إلى اعتراف صريح بأننا لا نعرف كل شيء. أما الكذبة فلا تحتاج إلى كل ذلك. تستطيع أن تولد مكتملة في رأس شخص واحد، وأن تصل إلى مليون شخص قبل أن يجد أحدهم الوقت الكافي للتحقق منها. الحقيقة تقول: “انتظر، هناك تفاصيل “، بينما التفاهة تقول: “شاهد هذا الآن”. الحقيقة تقول: “الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو”، أما المحتوى الذي يعيش على الاستفزاز فيقول: “كل شيء واضح، وهؤلاء هم الأشرار”.
ولهذا أصبح الصحفي أمام معادلة لم تكن بهذه القسوة من قبل. فكلما حاول أن يكون أكثر مهنية، احتاج إلى وقت أطول، وكلما احتاج إلى وقت أطول أصبح أقل قدرة على منافسة المحتوى الذي يمكن إنتاجه في عشرين ثانية.
الإعلام يعيش اليوم تحت ضغط اقتصاد الانتباه، حيث تتحول التفاهة إلى سلعة مربحة بينما الحقيقة البطيئة والمكلفة تجد نفسها عاجزة عن المنافسة
التحقيق يحتاج إلى أيام، والمقطع المبتذل يحتاج إلى هاتف؛ التحليل يحتاج إلى قراءة، والتعليق الغاضب يحتاج إلى إصبع؛ والخبر الموثق يحتاج إلى مصدر، أما الإشاعة فتحتاج فقط إلى شخص مستعد للضغط على زر “نشر”.
لكن المشكلة لا تتوقف عند المنصات، فالصحافة نفسها بدأت تتغير تحت ضغطها. في البداية يتغير العنوان، ثم الصورة، ثم تصبح المقدمة أكثر إثارة، ثم تبدأ الأسئلة الاستفزازية بالتسلل إلى النصوص، ثم يصير الصحفي يراقب عدد المشاهدات أكثر مما يراقب أثر ما كتب، ثم يحدث الشيء الذي يجب أن يقلقنا فعلاً: يبدأ بعض الإعلاميين في السؤال قبل كتابة القصة: “هل ستنتشر؟” بدلاً من أن يسألوا أولاً: “هل تستحق أن تُروى؟”
وهذا هو الوجه الأكثر قسوة في اقتصاد الانتباه: أنه لا يجبرك على التخلي عن مهنتك دفعة واحدة. لا يأتي أحد ليقول لك: ابتذل مقالك. يحدث الأمر بهدوء. عدّل العنوان قليلاً، اجعله أكثر إثارة، اختصر الفكرة، ضع صورة صادمة، أضف جملة ستثير الغضب، اسأل سؤالاً لا علاقة له بجوهر الموضوع لكنه سيدفع الناس إلى التعليق.
والمفارقة أن الصحفي قد يصبح ضحية للأداة التي يستخدمها؛ يكتب عن مخاطر الإدمان الرقمي، ثم يفتح هاتفه بعد ثلاث دقائق من نشر مقاله ليرى عدد المشاهدات، ثم بعد خمس دقائق، ثم بعد عشر، ويقول لنفسه إنه يفعل ذلك لأسباب مهنية، لمتابعة “أداء المحتوى”. لكن الحقيقة أكثر بساطة وأقل مهنية: إنه يريد أن يعرف هل أعجب الناس بما كتب. ولا عيب في ذلك.
من العبث أن نتظاهر بأننا نكتب في فراغ ولا يهمنا إن وصل كلامنا إلى أحد. لكن هناك فرقاً بين أن تريد أن تصل رسالتك إلى الناس، وبين أن تجعل عدد الذين وصلتهم الرسالة هو معيار قيمتها. وهذا الفرق قد يكون هو المعركة الحقيقية للإعلام في السنوات المقبلة.
فالمشاهدة ليست قيمة، والإعجاب ليس حقيقة، والمشاركة ليست دليلاً على الأهمية. قد يحصد منشور تافه مليون مشاهدة ثم يختفي من ذاكرة أصحابه قبل نهاية اليوم، وقد يقرأ تحقيق صحفي ألف شخص فقط، لكنه يدفع واحداً منهم إلى اتخاذ قرار، أو مراجعة موقف، أو كشف خطأ، أو فتح ملف، أو طرح سؤال لم يكن يجرؤ على طرحه.
المشكلة أن المنصات تستطيع قياس المشاهدة بسهولة، لكنها لا تستطيع قياس الأثر الحقيقي بالسهولة نفسها. إنها تعرف كم شخصاً ضغط، لكنها لا تعرف دائماً كم شخصاً فكر؛ تعرف كم شخصاً شارك، لكنها لا تعرف ماذا بقي في رأسه بعد المشاركة؛ تعرف كم ثانية بقي أمام الشاشة، لكنها لا تعرف ماذا تغيّر داخله خلال تلك الثواني. وهنا تقع واحدة من أخطر الخدع في عصرنا: الخلط بين الانتشار والأهمية.
ليس كل ما ينتشر مهماً، وليس كل ما هو مهم قابلاً للانتشار، وقد يكون أكثر المحتويات انتشاراً هو الأقل قدرة على البقاء. في المقابل، قد تعيش فكرة كتبها صحفي قبل عشر سنوات في رأس قارئ واحد أكثر مما تعيش ملايين المنشورات في ذاكرة الملايين.
لكن هل يعني ذلك أن الصحافة الجادة ينبغي أن تدير ظهرها للمنصات؟ بالتأكيد لا. الانسحاب ليس حلاً، واحتقار الجمهور ليس موقفاً فكرياً، والشكوى المستمرة من “زمن التفاهة” قد تكون أحياناً طريقة مريحة لإخفاء عجزنا نحن عن الوصول.
المعركة المقبلة ليست ضد التفاهة فقط بل ضد تعريف النجاح نفسه: هل يقاس بالانتشار الرقمي أم بالأثر الحقيقي الذي يتركه المحتوى الجاد؟
الجمهور ليس مذنباً بالكامل؛ فالإنسان يستطيع أن يضحك على فيديو تافه في الصباح ويقرأ كتاباً عميقاً في المساء، ويستطيع أن يشارك نكتة سخيفة ثم يبحث بعد دقائق عن معلومة طبية أو اقتصادية تؤثر مباشرة في حياته. المشكلة ليست في أن الإنسان يحب الترفيه، وإنما عندما تصبح منظومة توزيع المعلومات نفسها منحازة بصورة تجعل الأكثر إثارة يتغلب باستمرار على الأكثر أهمية.
ولهذا فإن المعركة المقبلة للصحافة ليست مع التفاهة وحدها، وإنما مع الطريقة التي يتم بها تعريف النجاح. هل النجاح هو أن تصل إلى مليون شخص، أم أن تجعل ألف شخص يفهمون شيئاً لم يكونوا يفهمونه؟ هل قيمة التحقيق بعدد النقرات، أم بما كشفه؟ هل المقال الجيد هو المقال الذي تصدر قائمة الأكثر تداولاً، أم المقال الذي غيّر، ولو قليلاً، طريقة نظر القارئ إلى قضية ما؟ هذه الأسئلة ليست فلسفية فقط، بل هي أسئلة مهنية ستحدد شكل الصحافة نفسها.
فالصحافة التي تستسلم تماماً لمنطق المنصات قد تنجح في الحصول على الجمهور، لكنها تخاطر بفقدان السبب الذي جعلها جديرة بالثقة في المقام الأول. وفي المقابل، الصحافة التي تتجاهل لغة العصر تماماً قد تحافظ على نقائها المهني، لكنها قد تجد نفسها تتحدث إلى غرف فارغة.
الحل ليس في أحد الطرفين. لا ينبغي للصحافة أن تصبح تافهة حتى تصل إلى الناس، كما لا ينبغي أن تصبح نخبوية إلى درجة أن تعجز عن الوصول إليهم. المطلوب أن تتعلم كيف تجعل الحقيقة جذابة من دون أن تجعلها مبتذلة، وكيف تبسط المعقد من دون أن تسطحه، وكيف تستخدم أدوات المنصات من دون أن تسمح للمنصات بإعادة تعريف مهنتها. هناك فرق بين تبسيط الحقيقة وتسطيحها؛ الأول صحافة جيدة، والثاني قتل بطيء للصحافة.
إذا تحول الصحفي إلى شخص يقيس قيمة أفكاره بعدد الذين صفقوا لها، فقد يجد نفسه بعد سنوات يملك جمهوراً أكبر، لكنه لم يعد يملك شيئاً مهماً يقوله لهذا الجمهور. الحقيقة ليست دائماً جماهيرية، والعمل المهني لا يحصل دائماً على مكافأته في الوقت الذي يستحقها فيه. وهذه ربما هي الكلفة التي يجب أن يقبل بها من اختار الإعلام مهنة.
قد نكتب مقالاً جيداً ولا يقرأه إلا ألف شخص، وقد نقضي أسبوعاً في تحقيق ثم نكتشف أن فيديو مدته ثلاثون ثانية هزمه في عدد المشاهدات، وقد نقول شيئاً ضرورياً فلا يصفق لنا أحد، وقد يقول شخص آخر شيئاً فارغاً فيملأ به الشاشة. لكن الخطر الحقيقي ليس أن يخسر الصحفي معركة الأرقام، وإنما أن يقرر، بسبب هذه الخسارة، أن يتخلى عن المعنى. لأننا إذا فعلنا ذلك، فلن نكون قد خسرنا أمام التفاهة في عدد المشاهدات فقط؛ سنكون قد سمحنا لها بأن تنتصر في تعريف معنى الإعلام.
لسنا مطالبين بأن نهزم التفاهة في ملعبها، لأننا إذا قبلنا قواعد ملعبها منذ البداية فلن نعرف في النهاية ماذا بقي من مهنتنا. نحن مطالبون بشيء أصعب: أن نستخدم أدوات العصر من دون أن نتحول إلى أسرى لها، وأن ننافس على الانتباه من دون أن نبيع الحقيقة، وأن نجعل الصحافة أكثر قدرة على الوصول من دون أن نجعلها أقل قدرة على التفكير.