دمشق – يشير المسار الأخير للاتفاق بين الحكومة السورية والأكراد إلى إمكانية أن يصبح نموذجاً يمكن توسيعه ليشمل بقية الأقليات في البلاد، بما فيها الدروز والأرمن والتركمان، وغيرها من المجتمعات الصغيرة التي طالما شعرت بهامش محدود في المشاركة السياسية والإدارية.
ودعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الحكومة السورية إلى إبرام اتفاقيات مماثلة لتلك التي أبرمتها مع الأكراد، مؤكداً رضا واشنطن عن المسار الذي تسلكه دمشق بهذا الصدد.
وتبدو هذه الدعوة بمثابة إشارة إلى أن تجربة الأكراد قد تشكل بوابة لإشراك باقي المكونات السورية بطريقة منظمة ومستدامة.
ولم يكن الاتفاق مع الأكراد مجرد تسوية إدارية أو سياسية محدودة، بل تضمن إشراك المجتمعات الكردية في الحكم المحلي، ومنحهم القدرة على إدارة شؤون مناطقهم ضمن إطار الدولة السورية الموحدة، مع الحفاظ على وحدة السيادة الوطنية.
ويعكس هذا الأسلوب محاولة للحفاظ على التوازن بين الحكومة المركزية والمكونات المحلية، وقد أثبت إلى حد ما فعاليته في تقليل الاحتكاكات في المناطق الكردية، ما يجعل منه نموذجًا يمكن دراسته وتكييفه مع باقي الأقليات، مع مراعاة خصوصيات كل مجموعة.
ويرى محللون أن توسيع تجربة الأكراد لتشمل الأقليات الأخرى يحتاج إلى التعامل بعناية مع الخصوصيات التاريخية والثقافية والسياسية لكل مجموعة. فالدروز، على سبيل المثال، لديهم تنظيم مجتمعي وسياسي متين يمتد لعقود، ما يمنحهم قدرة على إدارة شؤونهم المحلية ضمن نموذج ديمقراطي داخلي.
وأما الأرمن، فلديهم مؤسسات تعليمية ودينية قوية يمكن أن تشكل قاعدة لمشاركة أكثر فاعلية في الحكم المحلي.
وبهذا المعنى، فإن الاتفاقيات المستقبلية يجب أن تراعي هذه الاختلافات لضمان قبولها ونجاحها، وأن توفر لكل أقلية إطاراً قانونياً وإدارياً واضحاً يحدد حقوقها ومسؤولياتها داخل الدولة الموحدة.
ويرى الجانب الأميركي في هذه الدعوة أداة لتعزيز الاستقرار الداخلي في سوريا، والحد من احتمالات الصراعات المحلية التي قد تتوسع لتصبح نزاعات إقليمية.
وتهدف واشنطن من هذا التوجه إلى تشجيع مشاركة الأقليات في الدولة بطريقة إيجابية، بما يعزز شرعية الحكومة السورية داخلياً ويتيح فرصاً لإعادة الإعمار والتنمية في مناطقها، ويحد من النفوذ الخارجي الذي قد يسعى لاستغلال هذه المكونات لتحقيق مصالحه الخاصة.
إلا أن نجاح هذه المبادرة مرتبط بعدة تحديات رئيسية. فلكل أقلية خصوصياتها التاريخية والثقافية والسياسية، وقد تتطلب تفاهمات منفصلة تختلف عن الاتفاق الكردي.
كما أن أي محاولة لتطبيق النموذج نفسه بشكل موحد على جميع الأقليات دون مراعاة هذه الفروق قد تثير ردود فعل سلبية، أو عزوفاً عن التعاون، ما يقلل من فعالية الاتفاق ويضعف شرعية الحكومة. إضافة إلى ذلك، يشكل الوضع الأمني العام في سوريا والوجود العسكري لبعض الجماعات المسلحة تحدياً إضافياً أمام توسيع نطاق هذه الاتفاقيات.
الاتفاق مع الأكراد ساهم في تقليل الاحتكاكات في المناطق الكردية، ما يجعل منه نموذجًا يمكن دراسته وتكييفه مع باقي الأقليات، مع مراعاة خصوصيات كل مجموعة.
ويشير المحللون إلى أن الخطوة الأولى لضمان نجاح توسيع النموذج الكردي هي وضع إطار قانوني وإداري واضح لكل أقلية، يتيح لها إدارة شؤونها المحلية ضمن الدولة الموحدة، ويضمن حقوقها في التعليم، الثقافة، والتمثيل السياسي.
كما أن الشفافية ومشاركة المجتمع المدني المحلي ستعزز الثقة بين الحكومة والأقليات، وتحد من أي شعور بالإقصاء، خصوصاً في ظل تاريخ طويل من التهميش أو الاحتكاكات بين الدولة والأقليات.
ومن ناحية أخرى، يعتبر الاتفاق مع الأكراد بمثابة اختبار لقدرة دمشق على إدارة التوازن بين المركز والمناطق المحلية، وضبط النفوذ الداخلي والخارجي. فإذا نجحت الحكومة في تطبيق هذا النموذج على باقي الأقليات، فإنها ستعزز الوحدة الوطنية، وتحد من الاحتكاكات الطائفية والعرقية، وتفتح الطريق نحو عملية سياسية أكثر شمولية واستدامة.
وأما في حال فشلها، فقد يؤدي هذا التوسع إلى مزيد من الانقسامات، ويضعف فرص الاستقرار على المدى الطويل، ويزيد من هشاشة الدولة أمام التدخلات الإقليمية والدولية.
كما أن نجاح التجربة الموسعة قد يتيح فرصة لإعادة بناء الثقة بين الحكومة والمجتمعات المحلية، ويضع البلاد على مسار أكثر استقراراً نحو المصالحة الوطنية. فالمفتاح يكمن في موازنة الحقوق المحلية للأقليات مع مصالح الدولة ككل، وتوفير الضمانات القانونية والإدارية التي تمنع أي استغلال سياسي أو اقتصادي للنظام الجديد، ما يعزز فرص الاستقرار والتنمية في مناطق كانت تعاني سابقاً من العزلة أو التهميش.
ويمثل الاتفاق مع الأكراد نموذجاً عملياً يمكن أن يفتح الباب أمام إشراك باقي الأقليات في سوريا بطريقة منهجية ومستدامة، إذا ترافق مع إرادة سياسية حقيقية من الحكومة، وفهم دقيق للخصوصيات الثقافية والسياسية لكل مجموعة، وتطبيق آليات واضحة للحوكمة المحلية ضمن إطار الدولة الموحدة.
وقد يحول النجاح في هذا المسعى التجربة من مجرد اتفاق مرحلي إلى نموذج لإدارة التنوع السوري بطريقة شاملة، ويضع البلاد على مسار أكثر استقراراً سياسياً واجتماعياً، ويعزز مشاركة جميع المكونات السورية في صنع القرار، بما يضمن وحدة الدولة واستدامتها على المدى الطويل.
العرب اللندنية