ملخص
أعادت إيران الاحتلال الإسرائيلي إلى الجنوب اللبناني في ذكرى مرور ربع قرن على الاحتفال بزواله.
لم يحصل أن انسحبت إسرائيل من أراض عربية احتلتها من دون تفاوض أو أثمان. وحده التوازن الدولي والموقفان الأميركي والسوفياتي أجبراها، هي وبريطانيا وفرنسا على الانسحاب في حرب 1956 من مصر. في الحروب اللاحقة لم تُخلِ إسرائيل سيناء، بعد احتلال طويل منذ عام 1967، إلا إثر مفاوضات شاقة مع مصر رعتها الولايات المتحدة الأميركية وانتهت إلى اتفاقات كامب ديفيد. بعد مصر تفاوضت إسرائيل مع المملكة الأردنية الهاشمية وعقدت معها اتفاقات سلام لا تزال راسخة ومتينة. وفي الآونة نفسها تقريباً، توصلت “منظمة التحرير” الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية إلى عقد اتفاقات أوسلو التي كان تطبيقها يفترض أن يقود إلى قيام الدولة الفلسطينية على معظم أراضي الضفة الغربية الفلسطينية وقطاع غزة.في كل تلك الحالات نتجت التسوية عن عقد مفاوضات مباشرة، بين إسرائيل ومصر أولاً وبينها وبين الأردن ثانياً، ثم بينها وبين “منظمة التحرير” الفلسطينية ثالثاً. على أن هذا التفاوض لم يُطرَح في الحالة اللبنانية، وببساطة لافتة للنظر اتخذت الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود باراك قرارها بالانسحاب من لبنان بعد 22 عاماً من الاحتلال، الذي بدأت مرحلته الأولى في مارس (آذار) 1978 وبلغ ذروته في اجتياح صيف 1982 الذي أسفر عن احتلال بيروت، العاصمة العربية الثانية بعد القدس، التي يدخلها جيش الاحتلال في حروبه ضد العرب.
لم تفاوض إسرائيل بشأن انسحابها مع الحكومة اللبنانية. واكتفى إيهود باراك رئيس حكومتها بتنفيذ وعده الانتخابي بالانسحاب من لبنان قبل يوليو (تموز) 2000. وهو فعل ذلك يومي 24 و25 مايو (أيار) من ذلك العام، باعتبار أنه ينفذ قرار مجلس الأمن الدولي 425 الصادر عام 1978 في أعقاب الاجتياح الأول، والقاضي بخروج إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي احتلتها.
كان انتهاء أعوام طويلة من الاحتلال الإسرائيلي مثار فخر للبنانيين، خصوصاً أن كثيرين قاوموا هذا الاحتلال على مدى عقدين على الأقل، لكن الانسحاب المفاجئ أحرج أصحاب المشاريع الإقليمية العابرة للحدود في سوريا وإيران، الذين لم يروا في استعادة لبنان سيادته، سوى خسارتهم لورقة “المقاومة” التي يجب أن تبقى سيفاً مسلولاً في خدمة مشروع النظام السوري، الذي يقول بوحدة المسار والمصير بين دمشق وبيروت، وكذلك في خدمة تعزيز المشروع الإيراني ونشر نفوذه في “غرب آسيا” تعزيزاً لمساومات مفترضة قادمة في المستقبل.
هكذا، وبدل أن يكون انسحاب الجيش الإسرائيلي في ربيع 2000 فرصة تاريخية أتيحت للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود ليستعيد لبنان طريقه المستقل نحو النمو والسلام، جرت إضاعة تلك الفرصة بقرار من النظام السوري وحليفه الإيراني ومعهما قوى سياسية لبنانية محلية مرتهنة بَنَت وجودها استناداً إلى دعم ورعاية سلطة الوصاية والاحتلال السورية.
تبنى هؤلاء جميعاً نظرية أطلقها النظام السوري خلال الساعات الأخيرة عشية الانسحاب، مفادها بأن إسرائيل لم تكمل انسحابها ولا تزال تحتل مناطق لبنانية في مزارع شبعا وكفرشوبا، وهما منطقتان احتلتهما إسرائيل في حرب 1967 باعتبارهما جزءاً من هضبة الجولان السورية.
ولم يساعد النظام السوري في توضيح الوقائع وترسيم خرائط المنطقة، فالهدف كان الحفاظ على وجود تنظيم مسلح من خارج مؤسسات الدولة بحجة مواصلة “المقاومة” حتى تحرير المزارع المذكورة، وفي وقت لاحق استعادة الجليل الفلسطيني ومدينة القدس.
أضاع لبنان الفرصة تماماً عندما تسلمت ميليشيات “حزب الله” المناطق التي أخلتها إسرائيل. قيل يومها إن اتفاقاً ضمنياً رتبته الاستخبارات الألمانية بين إسرائيل وإيران قضى بتسليم تلك الميليشيات المناطق الحدودية، لكن لا دليل على ذلك سوى ذلك النشاط الألماني البارز في تنسيق عمليات تبادل المحتجزين والأسرى لدى الطرفين خلال تلك الفترة من مطلع الألفية.
في الخلاصة، حل النفوذ الإيراني شيئاً فشيئاً محل الاحتلال الإسرائيلي، ومع اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005، وقد اتهم بارتكابه “حزب الله” وراعيه الإيراني – السوري، ثم خروج الجيش السوري من لبنان في أبريل (نيسان) من العام نفسه، خلت الساحة لـ”حزب الله” وما يمثله أيديولوجياً وإقليمياً. وتحول لبنان شيئاً فشيئاً من ساحة تتقاسمها إسرائيل وسوريا إلى ملعب للسياسات الإيرانية التي جعلت من إنجاز ” التحرير” في عام 2000 مناسبة فارغة تماماً من أي قيمة أو دلالة وطنية.
كان يفترض بـ”التحرير” الذي تحقق في عام 2000 كنتيجة لتراكم جهود مقاومين لبنانيين طوال أعوام، ولتضافر ظروف عربية ودولية أعقبت حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد للسلام، أن يؤسس لانتهاء مرحلة طويلة من النزاعات، ويتيح الانخراط في عملية بناء الدولة اللبنانية الحديثة. لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق. فإبقاء الحزب المدعوم من إيران في كامل جهوزيته المسلحة كان الهدف منه إحكام السيطرة على لبنان أرضاً وسلطة، وإعداد الحزب نفسه لأدوار لاحقة على مستوى الإقليم، ليست مناوشة إسرائيل بين الحين والآخر سوى بعض معالمها. لقد جرى تحويل “حزب الله” خلال ربع القرن اللاحق إلى ذراع إيرانية هي الأبرز في مشاريع طهران الإقليمية، وجرى إلحاق لبنان تماماً بالسياسات الإيرانية، مما أثار غضباً عربياً وجعل البلاد تغرق شيئاً فشيئاً في سلسلة أزمات متلاحقة.
جعلت إيران من بلاد الأرز رأس خنجر ضد دول الخليج، ومنبراً لتنظيماتها المذهبية على امتداد الإقليم، ومنطلقاً لحشد ميليشياتها “اللبنانية”، ودفعها للقتال في سوريا والعراق واليمن، دفاعاً عن مصالحها الإمبراطورية وطموحها الحلول محل الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى في الإقليم. وفي لحظة بلوغ المشروع الإيراني ذروة أوهامه وطموحاته، متجسداً بوحدة الساحات ووحدانية المحور “المقاوم” وقائده المرشد، اندلع “طوفان الأقصى” من غزة ليلتحق به الحزب اللبناني في حروب إسناد متتالية، جعلت التحرير اللبناني الذي تحقق قبل ربع قرن يستعيد احتلالاً كان اللبنانيون اعتقدوا أنه رحل إلى غير رجعة.
واقعياً، أعادت إيران الاحتلال الإسرائيلي إلى الجنوب اللبناني في ذكرى مرور ربع قرن على الاحتفال بزواله، ومثلما منعت اللبنانيين في السابق من تحويل التحرير إلى فرصة فرح وثقة بمستقبل الدولة الديمقراطية السيدة، جعلت تذكّرهم لهذه المناسبة البعيدة ممزوجاً بطعم الخسارة التي يصعب تصوّر كيفية التعويض عنها في يوم من الأيام. فالأرض لم تصبح محتلة فقط، بل مدمرة تماماً. وهي أُفرغت من أهلها وهذا ما لم يحصل طوال الاحتلالات السابقة، وهو ما لا يمكن تصور مخارج له ومنه من دون الانتهاء مرة واحدة واخيرة من أوهام الميليشيات المذهبية الإقليمية ومغامرات أولياء أمرها.
