ملخص
يجادل الكاتب بأن انتقاد عنف المستوطنين في الضفة الغربية وفرض عقوبات على المستوطنات لا يساوي معاداة اليهود، مستشهداً بمواقف رؤساء وزراء وقادة أمنيين وقضاة إسرائيليين سابقين حذروا من تصاعد ما وصفوه بـ”الإرهاب اليهودي”. ويرى أن التوسع الاستيطاني المتسارع يهدد عملياً حل الدولتين، منتقداً السياسيين والمعلقين الذين يعلنون تأييدهم لهذا الحل فيما يرفضون الإجراءات الرامية إلى حماية فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
أواخر العام الماضي، تجولت بالسيارة في قسم من الأراضي الفلسطينية المحتلة، تلك المنطقة التي تشعل الكثير من الآراء الحادة، رغم أن قلة قليلة فقط تكبدت عناء زيارتها فعلياً.
حتى معظم الإسرائيليين لا يملكون أدنى فكرة عما يحدث في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، نظراً إلى أن وسائل الإعلام المحلية تغض الطرف عن معظم الأحداث. أما المراسلون الدوليون فيتعرضون لهجمات متكررة، فيما يقف الجنود الإسرائيليون أو ضباط الشرطة مكتوفي الأيدي.
كان دليلي الشخصي في هذه البلاد المليئة باللصوص هو جدعون ليفي، كاتب العمود في صحيفة “هآرتس” البالغ من العمر 72 عاماً، الذي أخذ على عاتقه منذ 40 عاماً أن يقوم برحلة أسبوعية إلى الضفة الغربية لإطلاع قرائه المخلصين على ما يجري فيها، ويحمل عموده عنوان “منطقة الشفق”.
قدنا السيارة لمدة ساعة تقريباً خارج تل أبيب، عبر “الخط الأخضر” الذي يمثل الحدود الفعلية بين إسرائيل والأراضي المحتلة.
وبينما كنا نتجه نحو مدينة نابلس الفلسطينية، أشار ليفي إلى العدد الكبير من الأعلام الإسرائيلية الزرقاء والبيضاء التي نُصبت بشكل غير قانوني في جميع أنحاء المنطقة. وقال، وهو يشير بيده إلى واحد منها لا يبعد سوى بضعة أمتار عن الطريق: “ترى هذه الأعلام في كل مكان. لقد أدرك المستوطنون أن الحرب في غزة تمثل فرصة لهم، لذا أنشأوا العشرات والعشرات والعشرات من البؤر الاستيطانية الجديدة غير القانونية. ستراها على كل تلة”.
وأوضح ليفي طريقة إنشاء مستوطنة جديدة. “في البداية ينصبون خيمة أو اثنتين. ويحضرون بضع أبقار أو أغنام، ثم يصادرون كل الأراضي المحيطة بهم”. والمستوطنون “يستولون على الأراضي ببساطة، ولا يجدون من يصدهم، بل إن الجيش يتعاون معهم”.
استخدم ليفي تعبير “بوغروم” Pogrom [مصطلح روسي الأصل يستخدم لوصف أعمال عنف جماعية تستهدف جماعة عرقية أو دينية بعينها، غالباً ما تتسم بالقتل والنهب وتدمير الممتلكات، وتاريخياً ارتبط المصطلح خصوصاً بالاعتداءات المنظمة على اليهود في أوروبا الشرقية] لوصف حجم وعنف هجمات المستوطنين في المنطقة. وقال “لا يكاد يمر يوم واحد دون أن يعمد (المستوطنون) إلى حرق سيارة أو حقول أو أشجار الزيتون أو منازل، كما أنهم يقتلون الرعاة وأشخاصاً آخرين من حين لآخر. لقد نشرنا أخيراً العديد من التقارير عن أشخاص تعرضوا للضرب. في كل مرة نسمع فيها خبراً عن ’بوغروم‘، نسمع كذلك عن وجود جنود في المكان قاموا بحماية المستوطنين. وقد شاركوا حتى، في حالات قليلة، في المذابح نفسها. أصبحت الضفة الغربية الآن مكاناً يسوده الانفلات الأمني، إنه أمر لا يُصدق، وما من إسرائيلي يعرف شيئاً عما يجري هنا”.
سألته عما إذا كان يتفاعل كثيراً مع المستوطنين الذين يجوبون هذه المنطقة. فأجاب “أحاول تجنب ذلك قدر الإمكان. إنهم جميعاً مسلحون وعنيفون للغاية – وبعضهم أشخاص غير متّزنين عقلياً. أنا أخاف منهم كثيراً”.
هل تعتقدون أن ليفي بالغ في استخدام عباراته عندما تحدث عن “بوغروم” (أعمال عنف جماعية)؟ أرجو أن تقرأوا رسالة مؤرخة في يونيو (حزيران) 2026، وقّعها أكثر من 200 عضو سابق في السلطة الإسرائيلية، ومن بينهم رئيسا الوزراء السابقان إيهود باراك وإيهود أولمرت، ورؤساء سابقون (لأجهزة الاستخبارات) الموساد والشين بيت، وقادة سابقون في جيش الدفاع الإسرائيلي، وقضاة، وجنرالات وأكاديميون، أصدروا ما سموه “التحذير الأخير” بشأن عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وقد اتهموا حكومة بنيامين نتنياهو بالتقاعس عن التصدي لـ”الإرهاب اليهودي” وأعلنوا أن العنف يخدم أيديولوجية “التطهير العرقي” التي تهدف إلى طرد الفلسطينيين من مجتمعاتهم بغية إتاحة المجال لضم الأراضي في نهاية المطاف. ووصف أولمرت لاحقاً ما يجري بأنه “حملة منظمة ومنهجية وممولة من الدولة للتطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية”. هذه ليست كلمات أشخاص من خارج الدائرة السياسية. إنها كلمات أشخاص كانوا ذات يوم يديرون الدولة الإسرائيلية.
وانضم إليهم يوم الجمعة في رسالة إلى صحيفة “ذا تايمز” سفيران إسرائيليان سابقان، ومدعي عام سابق، ورئيس سابق للكنيست. أبدى هؤلاء ترحيبهم بالعقوبات البريطانية المفروضة على الضفة الغربية المحتلة، قائلين إن “التمييز بين إسرائيل والمستوطنات التي شُيدت بشكل مخالف للقانون الدولي ليس عملاً عدائياً تجاه إسرائيل. بل هو دفاع عن حل الدولتين، وعن أمن الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء”.
ومع ذلك، عندما استخدم وزير الخارجية إد ميليباند تعابير مشابهة إلى حد كبير هذا الأسبوع (إلى جانب 11 دولة أخرى) عند إعلان فرض حصار تجاري ومالي على هذه الأراضي المنكوبة، قد يفاجئكم عدد الأشخاص الذين سارعوا للإعراب عن استنكارهم. فقد وُصف بأنه (إليكم بعض الخيارات) معادٍ لليهود، أو معادٍ لإسرائيل، أو متملق لمسلمي شمال لندن المهووسين بقطاع غزة، أو أنه يثير معاداة السامية في المملكة المتحدة بشكل استعراضي.
إن ما يقلق الدول الاثنتي عشرة التي أقدمت على هذه الخطوة ليس فقط المستوطنين الخارجين عن القانون، بل أيضاً مشروع الاستيطان المعجل في منطقة “إي 1” E1، شرق القدس، الذي من شأنه أن يشق الضفة الغربية إلى نصفين. وقد صرح الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بأن الهدف من هذا المشروع هو “دفن فكرة إقامة دولة فلسطينية”.
ومع ذلك، فإن معظم الذين انتقدوا ميليباند هذا الأسبوع قد يعطون، إذا سُئلوا، رداً تقليدياً من نوع “نؤيد حل الدولتين، لكن…”
ولا تزال صحيفة “ذا تايمز”، أقلّه كما يُعرف عنها، تؤيد حل الدولتين هذا. وكذلك الحال بالنسبة لتوم توغندهات، المتحدث باسم حزب المحافظين لشؤون الخارجية في حكومة الظل. ومن المفترض أن كيمي بادينوك تتبنى الموقف نفسه. أما كبير الحاخامات، الذي سارع إلى توجيه انتقاد لاذع لميليباند (وقال إنه “يوم مظلم لليهود البريطانيين”)، فيتحدث عن إيمانه بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
ولكن، كيف يمكن تحقيق أي من هذا في ظل سعي الحكومة الإسرائيلية المتطرفة الحالية، وبوتيرة متسارعة، للقضاء عليه؟ وفي أي مرحلة يصبح تأييد حل الدولتين مجرد تصريحات فارغة إذا كان المرء يعارض عملياً كل إجراء متاح يهدف إلى الحيلولة دون زوال الظروف الميدانية اللازمة لهذا الحل؟
ومن بين الشخصيات التي أجريت معها مقابلات مؤدبة جداً حول العقوبات التي فُرضت هذا الأسبوع سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي. وصف هاكابي هذه الخطوة بأنها “غير عقلانية” و”تمييز ضد الشعب اليهودي”. وكتب قائلاً “لقد فقد البريطانيون صوابهم. إن كراهية حكومتهم لليهود لا حدود لها ولا تراعي الحقائق”.
لكنني لم أقرأ أو أسمع أي محاور يقدم أي معلومات عن خلفية هاكابي، الذي يصف نفسه بأنه صهيوني مسيحي متشدد، ويدعم شخصياً ضم إسرائيل للضفة الغربية. خلال حملته الانتخابية الرئاسية عام 2008، قال هاكابي “ليس ثمة من هو فلسطيني”. وخلال زيارة قام بها عام 2017 إلى الضفة الغربية المحتلة، رفض مفهوم الاحتلال الإسرائيلي رفضاً قاطعاً.
وقال حاكم أركنساس السابق “أعتقد أن إسرائيل تمتلك صك ملكية يهودا والسامرة. أنا أرفض استخدام كلمات معينة. لا وجود لشيء اسمه الضفة الغربية. إنها يهودا والسامرة. ولا شيء اسمه مستوطنة. إنها مجتمعات، وأحياء، ومدن. لا شيء اسمه احتلال”.
هذا جانب مهم من الصورة، أليس كذلك؟ فهذا الرجل ليس سفيراً عادياً.
لذا، إليكم خمسة أسئلة أعتقد أنه ينبغي على الصحافيين طرحها على كل من يعبّر عن معارضته لفرض عقوبات على السلع والخدمات الواردة من الأراضي المحتلة، ومع ذلك يتبنّى شكلياً الحلول التقليدية:
هل سبق لك أن عبّرت علناً عن معارضتك لأعمال العنف الجارية حالياً في الضفة الغربية، وللخطط الرامية إلى التوسع السريع للمستوطنات فيها؟ إذا لم تفعل، فلم لا؟
هل تعتقد أنه يجب في نهاية المطاف إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة؟
إذا أجبت بنعم، فأين سيكون موقعها تقريباً، إذا استمر توسع المستوطنات بالوتيرة الحالية؟
إذا أصبحت إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً، فهل ينبغي أن يمنح الفلسطينيون الذين يعيشون تحت السيادة الإسرائيلية الدائمة الجنسية الإسرائيلية وحق التصويت بالتساوي؟
إذا لم يكن الأمر كذلك، فما هي الحقوق السياسية التي تعتقد أنه ينبغي أن يتمتعوا بها بشكل دائم؟
السؤال الرابع هو الشائك.
إذا أجاب المتحدث بـ”نعم”، فقد وصل فعلياً إلى حل الدولة الواحدة، سواء وصفه بهذا الاسم أم لا. وإذا كانت إجابته هي “لا”، فإن المسألة لم تعد قضية تقسيم الأراضي بشكل أساسي. بل تصبح مسألة عدم مساواة سياسية دائمة. أو، كما قد يسميها البعض، شكلاً من أشكال الفصل العنصري “الأبارتهايد”.
وإذا كانت الإجابة “سيتمتعون بالحكم الذاتي”، فإن السؤال التالي البديهي هو: “من يتحكم في حدودهم، ومجالهم الجوي، وأمنهم، والهجرة، والعلاقات الخارجية، والموارد الطبيعية، والسلطة التشريعية النهائية؟”
وإذا كانت الإجابة على تلك الأسئلة هي “إسرائيل”، فإن “الحكم الذاتي” لا يحل مسألة السيادة فعلياً.
هل سمعت أي صحافي يطرح مثل هذه الأسئلة على منتقدي ميليباند هذا الأسبوع؟ أنا لم أسمع ذلك. أود أن أقترح عليكم قضاء يوم في التجول بالسيارة في الضفة الغربية برفقة جدعون ليفي. فهو يفعل ذلك منذ 40 عاماً. أيها السياسيون والمحللون، أرجوكم أن تتعرفوا على الحقائق المزعجة على أرض الواقع.
© The Independent
