قالها معراج أورال، المعروف بعلي الكيالي، بالفم الملآن، وأمام عين الكاميرا، وبين حشد من الجنود والضباط القتلة، في مايو/ أيار 2013، قبيل مجازر البيضا وبانياس: “علينا تطويق بانياس”. فقاطعه أحدهم قائلًا: “تطهيرها”، ثم أردف معراج أورال: “تطويقها وتطهيرها”.
تكرّرت مثل هذه الخطابات لدى ضباط وإعلاميين مؤيدين لعصابات التنظيم الأسدي، وجاءت على تعبيرات مماثلة، عن التطهير والتهجير، “تطهير داريا” و”تطهير حلب” و”تطهير حمص والغوطة”. وتوعّد العميد عصام زهر الدين السوريين اللاجئين في الخارج، محذّراً إياهم من العودة بقوله: “إذا الدولة سامحتك، نحن عهداً لن ننسى ولن نسامح”. وهذا غيض من فيض التصريحات التي كانت تُضخ عبر وسائل الإعلام الموالية، وما رُصد منها لا يمثّل إلا جزءاً ضئيلاً مما قيل، وما خفي كان أعظم بكثير. وهذا يدلّ على أن هذه التصريحات كانت تٌساق ضمن نهج قائم على القتل والتعذيب والاغتصاب والتهجير والتطهير والإبادة الجماعية. ومن هذا المشروع الجهنمي الممنهج، انطلقت الطائرات والمدافع والرشّاشات والبراميل والسكاكين، لتحيله إلى واقع على الأرض السورية. وكانت تُعَدّ لمثل هذه العمليات البرامج والخطط المسبقة، وتُحدَّد فيها الخرائط والعناوين المستهدفة.
وبالتأكيد، من كانوا يضعون المخططات ويديرونها وينفذونها يدركون، بوعيهم الباطني، أنهم قوة احتلالية أقلية. وحلمهم كحلم أي محتل، التخلص من أكبر عدد من أبناء تلك الأكثرية التي يحتلون فضاءها، ليتناقص عددُهم ولا يعودوا أكثرية تنبئ بزوالهم. وكانت تُعَدّ لمثل هذه العمليات البرامج والخطط المسبقة، وتُحدَّد فيها الخرائط والعناوين المستهدفة بعينها.
وربما من هذه الرغبة، ومن يقينهم أنهم محتلون ومرفوضون في ضمائر السوريين، ارتكبوا عشرات الآلاف من المجازر وعمليات التطهير والتهجير والإبادة، على مرأى ومسمع من العالم، من دون أن ترفّ لهم عين، ولا للعالم، وعليها راحت تتتالى الفظائع والمجازر. وحدث أنه بعد سقوط هؤلاء المحتلين واندحارهم مع سيدهم بشار، وقعت جريمتان مروّعتان في اللاذقية والسويداء، حبستا أنفاس السوريين جميعاً؛ لوقوعهما في ظل سلطة سورية جديدة، وفي وقت ظنّ فيه السوريون أنهم ودّعوا زمن الجرائم والمجازر إلى غير رجعة، لكن ما جرى خيّب ظنّهم.
لا، ليست المسألة هنا مقاربة أو مقارنة، أو تفضيل جريمة أو مجزرة على أخرى، أو تبرير إحداهما وإدانة الأخرى؛ فما من جريمة تبرر، كبيرة كانت أم صغيرة، وجميعها مدانة، ويجرّمها القانون.
لكن طرح هذا الأمر قد يفيد في فهم واقع الحال السوري، والذي لو تمحّصنا فيه، لما أمكننا الجزم بأن هناك سياسة منهجية كان يخطط لها لارتكاب هاتين المجزرتين؛ بل قد يبدو الأمر عكس هذا تماماً، وأن ما كان مخطّطاً له عمليّاً وعلى أرض الواقع مع تسلم السلطة الجديدة، هو سياسة التهدئة والتسامح.
ولو كان هناك مخطط معاكس لذلك، لظهر أول ما ظهر حين سار جنود الأسد وضبّاطه في الطرقات، وقد خلعوا ثيابهم العسكرية وألقوا أسلحتهم. غير أني لم أسمع، شخصياً على الأقل، أن أحداً تعرّض لهم بأي أذى خارج أرض المعارك، ولم يسألهم أحد عن أصولهم أو إلى أي طائفةٍ ينتمون.
كان السوريون في تلك الأيام، بجميع طوائفهم ومكوناتهم، باستثناء المنتمين إلى العصابات الأسدية، يريدون التلاحم والتماسك والتعاون للخروج من الجحيم الذي وجدوا أنفسهم فيه، ولم يكن أحدٌ منهم يريد تصفية أحد أو إبادة أحد أو إيقاع أي أذى به. ولكن، للأسف، وقع ما كان محظوراً.
ومن منطلق محاولة تفكيك الاحتقان بين السوريين، وتطمين بعضهم بعضاً، يمكن القول إن من غير المناسب، حين نتناول ما حدث من جرائم في اللاذقية والسويداء، مقارنتها بجرائم العصابات الأسدية، أو وضعها في الميزان والسياق والمعيار نفسه. إنما يمكن النظر إليهما، بعد وصفهما بالفادحتين والمهولتين وبكل النعوت، على أنهما ليستا وليدتي سياسة ممنهجة ومخطّط لها مسبقاً، بل ناجمتان عن ردّة فعل عنيفة وإجرامية، أقدم عليها بعض ممن سبق أن وقعت بحقهم وبحق ذويهم عشرات الآلاف من الجرائم والمجازر وعمليات التطهير والإبادة الجماعية.
وربما كان عديدون منهم، قبل بضعة أشهر، منفيين ومهجّرين إلى إدلب، هم وآباؤهم وأمهاتهم وأطفالهم وزوجاتهم، يعيشون في الخيام وتحت الصفيح. وقبيل وقوع المجزرة، وبعد ارتكاب مجازر بحق عناصر الأمن عبر كمائن أُعدّت لهذا الغرض، جاءت الأخبار من وسط القرداحة، قرية الأسد السفّاح، لتفيد بأن ماهر الأسد قد عاد مجدداً، مدعوماً بالجنود والسلاح، لإطاحتهم والسلطة الجديدة واستعادة الحكم. وبالتأكيد، جال في مخيّلة بعضهم ما سبق أن حلّ بهم وبأهلهم من مجازر.
ولنسأل: كيف سيكون شعور من تعرّضوا لكل تلك المجازر والمذابح وعمليات الإبادة الجماعية على يد ماهر وبشار ومعراج أورال وغيرهم، وهم يسمعون مثل هذا الخبر؟ كيف لعقولهم أن تستوعب ما يحدث، وكيف لهم أن يهدؤوا والدم لا يزال يغلي في عروقهم من جراح الماضي؟ وكيف كان لهم أن يتركوا ماهر وجنوده ورجاله ومؤيديه يتمكّنون منهم؟
إنها مجرّد تخيّلات للمشاعر والهواجس والأحاسيس والأفكار التي ربما جالت في رؤوس العديد منهم، وهي أمور أسهمت بالتأكيد في اندفاعهم إلى ارتكاب تلك الجريمة الشنيعة، التي أدّت في النهاية إلى طعن اللحمة الوطنية بين السوريين مجدداً. وقبل ذلك، كان قد وصلهم خبر من السويداء يقول لهم: “لن تدخلوها، عودوا من حيث أتيتم”. متى حدث هذا؟ في اللحظة التي أمكنهم فيها التحرر من سلطة قاتلهم ومشرّدهم على مدار أربعة عشر عاماً. فانتابتهم الصدمة، واستبدّ بهم هاجس أن يأتي أحد ويعيدهم إلى ما كانوا عليه. ومع ذلك، حاول بعضهم جاهدين التفاوض وتهدئة الأمور، عسى أن يقبل من في السويداء الترحيب بهم. غير أن التخوين والرفض والوعيد والتهديد كانت لغة الخطاب السائد.
ولنا أن نسأل هنا، على سبيل التخيل أيضاً: كيف ستكون ردّة فعل من ظل قابعاً في الجحيم على مدار كل تلك السنين، وبالكاد خرج منه وتحرّر، فإذا به يجد أن هناك من يحاول إفشال تحرّره وإعادته إلى ما كان عليه؟ بالتأكيد، قد يفقد عقله ويندفع للدفاع عن وجوده، مفتقراً إلى أي تخطيط أو استراتيجية أو تعقّل.
وهكذا اندفع بعض الخارجين لتوّهم من الجحيم للنيل ممن خُيّل إليهم، على الأقل، أنهم يسعون إلى إعادتهم إليه. وربما كان هذا بعض ما دار في رؤوسهم وهم يندفعون إلى السويداء بذلك الاندفاع القطعي والهمجي، الذي أسفر عن جرائم فظيعة حلّت بين السوريين كالطاعون، وأصابت التلاحم الوطني بينهم في الصميم هذه المرة أيضاً. لكن ما أنا على يقين منه أنه بعد سقوط العصابة الأسدية، لم يعد هناك أي حامل لإرادة الإجرام والتطهير والتهجير والإبادة، ولا لأدواتها؛ فقد تفتّتت تلك الأدوات والسياسات وتكسّرت. ولم يعد أحد من السوريين يريد إبادة أحد؛ فلا السنّة يريدون تطهير الدروز أو العلويين، ولا العلويون أو الدروز يريدون تطهير السنّة وإبادتهم. إنما يريد الجميع لملمة جراح سورية والاعتراف بوجود الجميع فيها.
ومن هنا، يمكن القول إن وضع ما حدث في مجزرتَي السويداء واللاذقية في ميزان ما ارتكبته الطائرات والبراميل والصواريخ والسواطير والمعتقلات من عشرات الآلاف من المجازر بحق بقية السوريين يُخلّ بالميزان، وقد يسهم في فتح فوهة نار تحرّض الجميع على الجميع، وتتنكّر لحقيقة ما جرى لجميع الضحايا، الذين لا يُنصفهم إلا معاقبة كل من أجرم بحقهم، أيّاً يكن.
نعم، ما حدث في اللاذقية والسويداء كان جرماً فظيعاً ومجزرة رهيبة، وعلى الأرجح، هناك من دبّر لهما، من جهات وأطراف أرادت إحياء جريمة بعينها، في محاولة لطمس عشرات آلاف الجرائم والمجازر الأخرى. ويُستبعد أن يكون الذين كانوا ضحاياها على مدار تلك السنين هم من خططوا لطمسها ومحوها. ولا بد من التمييز بين التخطيط للجريمة وتنفيذها؛ فقد يندفع أشخاصٌ إلى ارتكاب جرائم في لحظة خوف أو غضب، تحت وطأة الهواجس واستحضار مآسي الماضي، من دون أن يعني ذلك أنهم أعدّوا لها وخططوا لتنفيذها بالمعنى الاستراتيجي. وفي المقابل، قد تستغل أطراف أخرى هذه المخاوف والانفعالات وتوظّفها لتحقيق أهدافها السلطوية، كأن تتنصّل من مسؤوليتها عن الجرائم السابقة لتلعب دور الضحية.
ولنا أن نتخيّل السيناريوهات الإجرامية التي ربما كان يعدّها معراج أورال وغيره من المجرمين في تلك الفترة لاستعادة السلطة التي فقدوها. ولكن حين تبدّدت أدوات القتل والإجرام لديهم، لم يجدوا أمامهم سوى الفرار. غير أن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم، في نهاية المطاف، خلف القضبان الحديدية، ومعهم سجلّ إجرامهم ومجازرهم وصيحاتهم التطهيرية، وقد عادت الأنفاس إلى بانياس ومنطقة البيضا تحتفيان بالقبض على معراج أورال، أحد عرّابي التطهير والتهجير والجرائم والمجازر.