
الروائي الإيطالي جانريكو كارلوفيليو (مهرجان إيطاليسيمو)
ملخص
في روايته “بعيون مغمضة”، يسائل الكاتب الإيطالي جانريكو كاروفيليو مجتمعاً يعجز عن مواجهة نسق ذكوري يمارس صوراً عدة من استباحة النساء. يغمض عينيه عن جرائم تحرش واعتداء، ويخفق في حماية امرأة من ملاحقات مهووس سادي، ما يقودها في النهاية إلى مصير مأسوي.
لا يغادر المرء طفولته مهما أبحرت به سفينة العمر، تظل تتبعه سنواته الأولى، فتكون دثاراً يلوذ به في برد أيامه اللاحقة، أو بئراً غائرة تمتص ظلمتها روحه، وتشكله خلقاً جديداً غير الذي كان. هذه الحقيقة التي لا تنفك تثبتها الحياة، وكثيراً ما أكدها مفكرون وعلماء كثر، على رأسهم مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد، تطل برأسها في رواية “بعيون مغمضة” للكاتب الإيطالي جانريكو كاروفيليو (دار بعد البحر- بترجمة روحية عبدالعزيز).
بين الراوي وذاته
يشرع الكاتب رحلته السردية بضمير المخاطب، فيخلق مسافة بين الراوي/ البطل وذاته، مما يمنح السرد طابعاً تأملياً، ويرسخ من عمق الشخصية. هذا الخطاب الذي يوجهه المحامي “غويدو غوربيري” لذاته، أو لآخر افتراضي يشاركه علاقة مرتبكة مع التدخين، يتأرجح فيها بين إقلاع ورغبة في العودة، يعكس طبيعته الإنسانية، وإرادته المتراوحة بين قوة وضعف، ورزيلة وفضيلة. فالإنسان الذي يصارع إدمانه ويقاوم رغباته، هو ذاته الذي يخوض صراعاً مماثلاً مع نفسه ومع تناقضات العدالة. يرتكب الهفوات ويواصل الزلل، لكنه ينأى عما يراه شراً خالصاً يطعن إنسانيته.
تتجلى هذه البوصلة الأخلاقية التي يمتلكها البطل مع انطلاق الأحداث. فالمحامي الذي يقبل الدفاع عن المحتالين، يرفض تماماً التهاون مع من ينتهكون الأطفال، ويستبيحون أجسادهم، ليرسخ هذا الموقف السمات الأخلاقية للشخصية، قبل أن تخوض معاركها اللاحقة، “كنت أريد حقاً لو أحطم رأسه، وأيضاً رؤوس قضاة محكمة إطلاق السراح تلك. كنت أيدت هذا المبدأ أنا شخصياً لموكلين لي: لصوص ومحتالين وسارقين ومفلسين، ولكن ليس أبداً لمغتصبي أطفال” (ص9).
هوس واستباحة
ينتقل الكاتب من ضمير المخاطب إلى سرد ذاتي بضمير المتكلم، ثم ما يلبث أن يقطع صوت البطل، صوت ضحية مجهولة لاعتداء جنسي، يرجئ جانريكو الكشف عن هويتها حتى قبيل النهاية. وبينما تتدفق الأحداث أفقياً إلى الأمام، تستعيد الضحية المجهلة – عبر الارتداد الزمني – مأساة طفولتها المنتهكة، ليمضي السرد في خطين متوازيين، يتقاطع عبرهما مصيران وحكايتان. الأولى بطلتها “مارتينا فوماي”، الفتاة المهددة والمستباحة والملاحقة من قبل أحد المهووسين “جان لوكا شناتيكو”. والثانية بطلتها “أنجيلا”، الفتاة التي اغتصبها أبوها طفلة، ثم قامت بقتله حماية لأختها الأصغر.
وعبر هذه البنية المزدوجة التي يتجاور فيها زمن القانون البطيء، مع الزمن النفسي الدائري، الذي يبقي الصدمة حاضرة في الذاكرة بالحدة والقسوة ذاتها، يتجاوز الكاتب فردية قضية “مارتينا” ومأساة “أنجيلا”، ليخوض مستعيناً بأبطاله، معركة ضارية ضد نسق ذكوري يستبيح النساء، ويلاحقهن بالعنف والقتل والاعتداء، في حين يواصل المجتمع عبر كثير من مؤسساته، ابتداءً من الأسرة والأم، ووصولاً لهيئاته القضائية، إغماض عينيه عن الجناة، وأيضاً عن الضحايا، “ضربها مرتين في الشارع.
وجدت سيارتها مجرحة بالكامل بواسطة مفك. وذات ليلة وجدت دراجتها التي تضعها في مدخل العمارة حيث تسكن والدتها، محطمة إلى أجزاء صغيرة. حياتها أصبحت جحيما. تعيش منغلقة في المنزل كما لو كان سجناً. أما هو فيستطيع أن يتحرك بحرية. طلبت القبض على هذا الحيوان. رفض القاضي الطلب قائلاً إنه ليس هناك داع لإجراءات تحفظية” (ص 25، 26).
تاريخ مهني
يتخذ السرد طابعاً قانونيا تشويقياً، يواصل الكاتب من خلاله توظيف خلفيته المهنية، التي يستند إليها في هذه الرواية كما في عديد من أعماله الأدبية. ويتجلى هذا التوظيف في استخدامه أروقة وقاعات المحاكم كفضاء مكاني يدور فيه القسم الأكبر من الأحداث، وفي نقله التفاصيل الدقيقة لإجراءات التقاضي، والجلسات التحضيرية، وتقديم الأدلة، وتفاصيل المرافعات، والمناورات المشوقة بين الادعاء والدفاع، ويعتمد لغة قانونية، تتيح لأبطاله من المحامين قدرة على استغلال الثغرات، والمساحات الرمادية في النصوص القانونية، على نحو يسهم في تصاعد الأحداث، ويخدم تطور الحبكة، تلك التي يصوغها في صورة ملف قضائي، يتشكل عبر أساليب التحقيق، ويكتمل عبر تجميع الخطوط، وتفنيد الأدلة. كذلك يتجلى تأثر كاروفيليو بعمله بالسلك القضائي في نزوعه لنقد المؤسسة القضائية من الداخل، وكشفه من خلال شخصية “القاضي آرنستو شانتيكو”، فساد بعض القضاة، واستغلالهم نفوذهم لطمس الحقائق والإفلات من العقاب.
يظهر تأثير التاريخ المهني للكاتب مرة أخرى في تجسيده الملامح النفسية لشخصية بطله، إذ ينأى عن تقديمه في إطار من المثالية الزائفة، منحازاً إلى خبرة واقعية وصدق فني، يدفعه لإبراز طبيعته الإنسانية التي تراوح ما بين نوازع طيبة وأخرى رديئة. فبينما يقدم “غويدو غوربيري” وحيداً على الدفاع عن “مارتينا”، على رغم نفوذ وسطوة خصمها، وما يمكن أن يجره عليه توليه لقضيتها من تبعات ومتاعب، فإنه في جانب آخر من سلوكه، يعلي المصلحة المادية، التي تتطلب قيامه بالدفاع عن اللصوص والمحتالين.
هذه التناقضات في طبائع الشخصية تبرر الحضور الكثيف للمونولوغات والصراعات الداخلية، التي تتحول إلى مرايا تعكس مأزومية البطل، ومخاوفه، وانقساماته بين ما يؤمن به وما يفعله، ما يدور في خلده وما ينطلق على لسانه، ما يحثه عليه عقله وما تدفعه نحوه عاطفته، “قلت في سري إنه مثل كثيرين آخرين، احترف اللصوصية والاحتيال لأنه لم تتح له فرص أخرى، ثم فكرت أنني أصبحت غبياً بسرعة وأنزلق بلا رجعة إلى المبالغة في العواطف” (ص17).
أبعاد سيكولوجية
إضافة إلى ما يصطبغ به النص من صبغة قانونية تشويقية تتجلى عبر ملاحقة الأدلة وتتبع الحقائق، تتكشف بالتوازي صبغة نفسية، يجلوها ما يعمد إليه الكاتب من ملاحقة الانفعالات والدوافع الباطنية التي تحكم سلوك شخصياته وعلاقاتها، ليضيء حجم ما يعتريها من عطب. فبينما يكشف خجل “مارتينا” من الاعتراف بعنف شريكها، يرصد سادية هذا الشريك “جان لوكا شناتيكو”، وهوسه، وحاجته القهرية للسيطرة، ويجعل من جرائمه مدخلاً لفهم العنف وميكانيزماته، ليحول النفس البشرية إلى ساحة أخرى للمواجهة تناظر قاعة المحكمة، ويحقق عبر كل منهما غاياته في الفهم والكشف.
هذا التشريح السيكولوجي للشخوص يعكس في جانب منه ما يتبناه جانريكو كارفيليو من رؤية فرويدية، تعزو كل المشكلات النفسية إلى عقد ورواسب تسللت من الطفولة، على نحو يثبت أن الإنسان يظل أسيراً لغرفته الأولى. فيربط بين هوس “شناتيكو” بمطاردة ضحيته وبين ألم عاشه في طفولته، “المطاردون يعانون عادةً عدم الاتزان العاطفي الذي يعكس مواقف في طفولتهم سببت لهم اضطراباً فيما يتعلق بالعلاقات مع الآخرين” (ص47). ويستدعي تجربة خاضها “غويدو” صغيراً، مفسراً من خلالها إرثه من الخوف المرضي من القفز.
ويدفع بطله للتخلي عن ضمير المتكلم، واستخدام ضمير الغائب في سرد تجربته الطفولية التي أورثته تلك العقدة النفسية، ليجرده من ذاتيته، ويحوله إلى حال عامة، معززاً رؤيته حول مسؤولية الطفولة عن كل عطب يصيب النفس الإنسانية. وتتأكد هذه الرؤية مرة أخرى عبر شخصية “كلاوديا”، إذ يستبق بإبراز صلابتها القاسية وتماسكها الظاهري المفرط، ثم يكشف في واحدة من مفاجآت السرد، أن تلك المرأة الخشنة هي ذاتها الطفلة التي اغتصبها أبوها، ولم تكترث أمها فانتهى بها الحال قاتلة.
شحنات عاطفية
فضلاً عما يعمد إليه الكاتب من تغليف السرد بمناخ من الغموض والتشويق، يدفع بطيف واسع من المشاعر إلى النسيج، فيمضي في شحن الشخصيات باستجابات عاطفية، تتنوع بين خوف، وألم، وغضب، وحزن، وفقد، وحنين، وخيبة وإحباط، مما يعزز البعد السيكولوجي للسرد، ويثبت عمق التجربة الإنسانية. ويمرر في الوقت ذاته رؤية فلسفية مفادها أن الإنسان في حقيقته مجموعة من الخيبات والانكسارات المتراكمة. ومن جهة أخرى تسهم الشحنات العاطفية في دعم الصراع، ودفع وتحريك الأحداث. فالخوف يدفع مارتينا لمواجهة “شناتيكو” قضائياً.
والفقد والحزن يدفعان “إميليو رانبيري” للانتحار. في حين تدفع مشاعر الغضب، والإحباط، والخيبة الناجمة عن شعور “أنجيلا” بالخذلان إلى انفجارها مرتين، تقتل في المرة الأولى، وفي الثانية تقترب من القتل، “تجثو فوق شناتيكو وتشل حركته بساقيها. تقبض على حلقه بإحدى يديها وتخترق أصابعها عنقه كالخناجر. أعرف وأنا أشاهدها أنها بصدد قتله. يتسع الكادر إلى أن يشمل مارتينا ملقاة على الأرض. تبدو مثل الدمية المكسورة” (ص195). ويخلق تواتر هذه الشحنات وكثافتها حالاً من التماهي مع النص، تساعد القارئ على الانغماس في الحالة الشعورية للشخوص، فيشاركها وطأة الترقب، ولوعة الفقد، ومرارة الخذلان.