عمار داود…
إذا اتخذت تجربة حزب “يكيتي” الكردستاني في سوريا حالة للتحليل، تبرز إشكالية بنيوية جوهرية: اتساع المسافة بين القيادة وقاعدتها، وهي مسافة لا تلبث أن تتحول من فجوة تواصلية عابرة إلى صدع في الشرعية ذاتها. وهنا يجدر التمييز بين نوعين من الشرعية: شرعية إجرائية تُستمد من النصوص واللوائح والانتخابات الداخلية، وشرعية فعلية تُكتسب يوميا عبر الأداء والإنجاز والقدرة على تمثيل إرادة القاعدة. وتحدث الأزمة تحديدا حين تفقد القيادة شرعيتها الفعلية فتحتمي بالشرعية الإجرائية، متذرعة بالنصوص بعد أن عجزت عن إقناع قاعدتها بجدواها.
وحين تعجز هذه القيادة عن ترجمة خطابها ورؤاها إلى ممارسة سياسية وتنظيمية حية، فإنها غالبا ما تلجأ إلى تفسير إخفاقها بعلل إجرائية أو بقصور النظام الداخلي، متجنبة بذلك المساءلة الحقيقية: مساءلة الوعي الذي يدير البنية، لا البنية بذاتها. وهنا يصبح النقد الذاتي، حين يغيب، أزمة وجودية لا شكلية؛ فهو ليس ترفا أخلاقيا أو طقسا احتفاليا يُمارس في المؤتمرات، بل آلية بقاء يفقد التنظيم بغيابها قدرته على التعرف على ذاته ومساءلتها. وغيابه لا يعني تراكم الأخطاء فحسب، بل فقدان المرآة التي يرى بها التنظيم نفسه.
ومن منظور فلسفة التنظيم، لا تُختزل الأزمة في نص أو لائحة، لأن القانون الداخلي ليس إلا هيكلا صامتا ينتظر من يُحركه. أما الفاعل الحقيقي فهو الإرادة القيادية بما تحمله من كفاءة ورؤية، وبمقدار قدرتها على تحويل الاختلاف من تهديد للوحدة إلى طاقة للتجدد المؤسسي. وهذا يقودنا إلى جدلية أعمق يعيشها كل تنظيم حي: التوتر بين غريزة المحافظة على الذات، وبخاصة المحافظة على مواقع النفوذ والقرار، وبين الحاجة الدائمة إلى التجديد. فحين تطغى غريزة المحافظة على حساب التجدد، يتحول التنظيم من كيان نابض بالحياة إلى بنية متحجرة تكرر أزماتها بدل أن تتجاوزها.
وحين تُختصر السياسة إلى فن الاحتفاظ بالمواقع، ويحل منطق التبرير محل الحوار، ويُقصى الرأي المخالف بدل استيعابه، ينشأ ما يمكن تسميته بـ”الاغتراب التنظيمي”: شعور العضو الحزبي بأن الكيان الذي أسسه أو انتمى إليه بات غريبا عنه، يُدار بمنطق لا يعكس إرادته ولا يستجيب لتطلعاته. وهذا الاغتراب لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيا إلى وجدان القاعدة قبل أن يتحول إلى انشقاق فعلي، فيكون بذلك العرض الخفي الذي يسبق الأزمة المعلنة بزمن طويل.
وهنا تبرز فكرة الزمن السياسي وكلفة التأجيل: فتأجيل معالجة الاختلالات لا يُلغيها، بل يراكمها ويضاعف كلفتها. والانشطار حين يقع لا يكون إلا “فاتورة” هذا الزمن المهدور في التبرير بدل المواجهة، وفي المحافظة على الشكل بدل معالجة الجوهر. وهكذا تنتقل الأزمة من عثرة إدارية طارئة إلى أزمة وجودية تمسّ الهوية الجامعة للحزب ذاتها.
وفي نهاية المطاف، لا يعد الانشطار حدثا مفاجئا أو نتاج ظرف عابر، بل هو التعبير الطبيعي عن تراكم اختلالات قيادية وتنظيمية لم تجد من يعالجها في أوانها. وهكذا لا يكون الانقسام سبب الأزمة، بل تجلّيها الأخير ولحظة اعترافها بذاتها؛ فهو الشاهد الأبلغ على عجز القيادة عن إنتاج توافق داخلي يصون وحدة التنظيم ويجدد شرعيته.
غير أن السؤال الذي يبقى مفتوحا بعد كل انشطار هو: هل يمثل الانقسام نهاية لتاريخ التنظيم، أم فرصة كامنة لإعادة تعريف هويته على أسس أكثر توافقا وأصدق تمثيلا لإرادة قاعدته؟ فربما لا تكمن المأساة الحقيقية في الانشطار ذاته، بل في تكراره دون أن يُستخلص منه الدرس، ودون أن تتحول لحظة الانكسار إلى بداية وعي جديد بشروط الوحدة وأسس الشرعية.