مفهوم «التنمية المستدامة» حديث الظهور في أدبيات التنمية واقتصاداتها. وكان استخدامه -حتى وقت قريب- محدوداً في دراسات البيئة. ويبدو لي أن بروزه الأولي جاء رداً على ما يُعتقد أنه تغول للقطاع الصناعي، أدى، بين نتائج أخرى، إلى تقليص القطاع الزراعي، لا سيما الزراعة التقليدية والغابات ومصائد الأسماك، وأضر بالبيئة ونمط العيش في المجتمعات التقليدية. ولذا؛ ركز معظم الداعين للتنمية المستدامة، في تعريفاتهم الأولية لها، على صيانة الموارد الطبيعية والنظام البيئي.
وخلال الثلاثين عاماً الماضية، انضم «المناخ العالمي» إلى قائمة الأهداف التي تحظى باهتمام دعاة التنمية المستدامة. ولعل أكثر التعريفات شيوعاً في الوقت الراهن هو الذي اختارته «اللجنة العالمية للبيئة والتنمية» في تقريرها التأسيسي «مستقبلنا المشترك»، وفحواه أن التنمية المستدامة هي تلك التي تلaبي حاجات أهل الحاضر، من دون الإضرار بالموارد الطبيعية التي تحتاج إليها الأجيال المقبلة. وينطوي هذا التعريف على مفهومين أساسيين: مفهوم الحاجات، لا سيما «الحاجات الأساسية لفقراء العالم، والتي ينبغي أن تعطى الأولوية». ومفهوم القيود التي تفرضها العلاقة الحرجة بين الاستعمال المكثف للتكنولوجـيـا ومتطلبات التجارة، من جهة، وبين الموارد المتوفرة فعلياً في البيئة الطبيعية، من جهة ثانية.
لا تخلو التعريفات السابقة من نقاط ضعف، خصوصاً فيما يتعلق بالقيود على التقنية ودور الإنسان في تحقيق الاستدامة. ولذا؛ سأقترح تعريفاً يتلافى نقاط الضعف المذكورة، حيث يصف النظام المستدام بأنه ذلك النظام القادر على إعادة إنتاج مقوماته الأساسية، والاستمرار إلى أجلٍ غير مسمى. إذن، فالنظام المستدام ينبغي أن يتسم بالتوازن، وذلك بالجمع بين:
1- رعاية حاجات البيئة (أي الموارد الطبيعية، بتقييد التصرفات المفسدة).
2- السوق (أي توليد فائض قيمة مناسب للارتقاء بالمعيشة) لتلافي تحويل المحافظة على الموارد الطبيعية سبباً لإفقار السكان.
3- الجماعة (أي كونه منسجماً مع القيم المجتمعية الخاصة بالرفاه والحياة الفاضلة). و
4- توسيع الموارد (أي المراهنة على البحث العلمي في استنباط موارد جديدة وزيادة إنتاجية الموارد الحالية. وهذا يجعل التقنية عنصراً حيوياً في منظومة الاستدامة، لكن ليس في تحديد معاييرها وأغراضها النهائية).
وبناءً عليه؛ فإن التنمية المستدامة هي المشروع الذي يستهدف إقامة نظام اقتصادي – معيشي مستدام، من خلال تحقيق غايتين متعاضدتين:
الأولى: علاج العوامل التي تعيق أو تبطئ التطور الاقتصادي والاجتماعي.
الأخرى: إنشاء نظام اقتصادي – اجتماعي قادر على تجديد مقوماته والعناصر الضرورية لحياته. وهذا ما نسميه على وجه التحديد «التقدم». إن التنمية الشاملة تستهدف بالتأكيد إنشاء المحرك الاجتماعي للتقدم في مجالاته المختلفة.
أعتقد أن العامل الأشد إعاقة للتطور الاجتماعي والاقتصادي، هو «توهم» العجز عن التقدم. وأقول إنه توهم لأننا ننظر إلى الحالات والأفعال والمعارف كمسائل مقارنة. إننا نتساءل أولاً: هل هذا الفعل ممكن أم مستحيل؟ ثم ننظر: هل فعله أحد في العالم أم لا؟ وبناءً عليه نقرر أنه ممكن أو غير ممكن. حينما نتحدث عن التقدم، فإننا نستحضر في أذهاننا النماذج المتعارفة في العالم القديم والحديث. فنقول إن مجتمعنا قادر على أن يفعل أي شيء قدر عليه الآخرون، بما فيه أرقى الصناعات وأدقها وأعمق العلوم وأوسعها. هذا الإيمان تمهيد ضروري للسؤال التالي: إذا كان إنسان مثلنا، في أميركا مثلاً، استطاع أن يصنع الطائرة، فما هو الذي توفر له ولم يتوفر عندنا كي نفعل ما فعل؟
بعبارة أخرى، فإن سؤال التنمية يجب أن يبدأ من ثلاث فرضيات: أولاها: أننا نستطيع أن نتقدم؛ لأن غيرنا استطاع. الثانية: أن هناك معوقات أعاقتنا أو أبطأت حركتنا، وأن واجبنا يتلخص في تشخيصها ثم إزالتها. الثالثة: أن هذا السؤال لا يتعلق بالهوية أو الإيمان، فلا نبحث له عن جواب ميتافيزيقي، بل يتعلق بالإنسان والبيئة والثقافة (القيم الاجتماعية) فيجب أن نبحث عن علاجه في هذه الحقول.
