يتعزّز هذا الموقع الفريد للمنطقة بوجود أربعة أهمّ مضائق استراتيجيّة بالعالم فيها:
1 ـ مضيق هرمز الذي يتحكّم بمرور نحو خُمس إمدادات النفط العالميّة، وهو اليوم مقفل لأوّل مرّة في التاريخ بسبب الحرب بين إيران والولايات المتّحدة، لكنّ القيادة الوسطى الأميركيّة تؤكّد أنّها تؤمّن مرور السفن من خلاله وإيران تؤكّد استهداف السفن التي لا تمتثل للبحريّة الإيرانيّة.
2 ـ مضيق باب المندب الذي يشكّل البوّابة الجنوبيّة للبحر الأحمر وشريان التجارة بين آسيا وأوروبا، وهو مهدّد بالإقفال بسبب حرب اليمن المستجدّة.
3 ـ مضيق البوسفور.
4 ـ مضيق الدردنيل الذي يربط مع مضيق البوسفور البحر الأسود بالبحر المتوسّط، ويمثّلان صمام العبور الوحيد لدول حوضه نحو المياه الدافئة، كما هما الممرّ الحيويّ للحبوب من روسيا وأوكرانيا، والذي يوفّر الأمن الغذائيّ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
إلى جانب تلاقي البحار والممرّات المائيّة فيها، تختزن المنطقة ثروات هائلة من موارد الطاقة، إذ تضمّ قرابة نصف الاحتياطيّات العالميّة المؤكّدة من النفط، وأكثر من ثلث احتياطيّات الغاز الطبيعيّ، فضلاً عن إمكانات واعدة في مجال الطاقة الشمسيّة بحكم موقعها ضمن “الحزام الشمسيّ” العالميّ.
الطّاقة النّظيفة: نفوذٌ جديد وميزانٌ متحوّل
هذا ما يجعل منطقة الشرق الأوسط مرشّحة لأداء دور محوريّ في مرحلة التحوّل إلى الطاقة النظيفة، وفي إنتاج الهيدروجين الأخضر منها مستقبلاً، والتخفيف من الاتّكال على النفط والغاز. فعلى سبيل المثال، تتمتّع المملكة العربيّة السعوديّة بإمكانات شمسيّة استثنائيّة تضعها في صدارة مشهد الطاقة العالميّ، بفضل معدّلات إشعاع شمسيّ قياسيّة ومساحات صحراويّة شاسعة تزيد على مليون وثلاثمئة ألف كيلومتر مربّع من أصل مساحة المملكة البالغة نحو مليونَي كيلومتر مربّع.
يتيح لها ذلك إنتاج الكهرباء بأقلّ تكلفة في العالم، وهي تهدف إلى إنتاج 50% من احتياجاتها الكهربائيّة من الطاقة المتجدّدة (طاقة شمسيّة + رياح) بحلول عام 2030. كما أنّها مؤهّلة لتكون مستقبلاً المصدر الرئيسيّ للطاقة النظيفة لدى الدول المجاورة، من خلال مشاريع ربط الشبكة الكهربائيّة السعوديّة بالشبكات الإقليميّة، مثل مشروع الربط المشترك مع مصر الذي اكتملت أعماله والذي يقترب من التشغيل.
من المتوقّع أن تزوّد المملكة دول الشرق الأوسط بفائض الكهرباء لديها مستقبلاً، وكذلك أوروبا، سواء أكان ذلك عبر كابلات بحريّة طموحة تمرّ بالبحر المتوسّط، أم عبر التصدير غير المباشر بتحويل الطاقة الشمسيّة إلى هيدروجين أخضر وشحنه بحراً. والهيدروجين الأخضر وقود نظيف يُستخدم لإنتاج الكهرباء من دون أن يلوّث الهواء بثاني أكسيد الكربون. وما يصحّ على المملكة في مجال الطاقة الخضراء يصحّ مستقبلاً على دول الخليج كافّة، وعلى الأردن والعراق وسوريا.
أخيراً، تمتلك المنطقة رصيداً بشريّاً ضخماً يتجاوز نصف مليار نسمة، تغلب عليه الفئات العمريّة الشابّة. ويمثّل ذلك فرصة ديمغرافيّة واعدة للتنمية والابتكار من جهة، وتحدّياً ضاغطاً على أسواق العمل والاستقرار الاجتماعيّ من جهة أخرى.
هذه العوامل مجتمعةً، التي تشمل الموقع والممرّات المائيّة وموارد الطاقة من نفط وغاز وطاقة شمسيّة والتركيبة السكّانيّة، جعلت منطقة الشرق الأوسط على الدوام نقطة تقاطع للمصالح الكبرى، ومصدراً أساسيّاً للطاقة العالميّة، وممرّاً إجباريّاً لطرقها ولطرق التجارة الدوليّة، وساحةً دائمة للتنافس والصراع داخل دولها، وبين القوى الإقليميّة والدوليّة.
سيطرة تاريخيّة لقوى إقليميّة
المفارقة التاريخيّة اللافتة تكمن في أنّ هذه المنطقة، ذات الغالبيّة السكّانيّة العربيّة اليوم، ظلّت لقرون طويلة خاضعة لقوى غير عربيّة. فمع تراجع الدولة العباسيّة، التي جعلت من بغداد مركزاً للحضارة العالميّة قرابة خمسة قرون، تعاقبت على المنطقة قوى غير عربيّة، لا سيما “السلاجقة” الأتراك، ثمّ “الأيّوبيّون”، فـ”المماليك”، وصولاً إلى الإمبراطوريّة العثمانية التي حكمت معظم العالم العربيّ لأربعة قرون (1516–1918)، فيما في الفترة نفسها، حكم “الصفويّون” ثمّ “القاجاريّون” بلاد فارس.
مع انهيار الدولة العثمانيّة، ورثت بريطانيا وفرنسا مسؤوليّة حكم وإدارة المنطقة عبر اتّفاقيّة سايكس – بيكو ونظام الانتدابات، ونتج عن ذلك في مرحلة لاحقة ترسيم لحدود الدول الحديثة، التي ما تزال قائمة حتّى اليوم.
مع انحسار النفوذين الفرنسيّ والبريطانيّ، أصبحت المنطقة خلال الحرب الباردة إحدى أهمّ ساحات التنافس بين المعسكرين الأميركيّ والسوفيتيّ، فانقسمت دولها بين محور غربيّ ضمّ تركيا وإيران الشاهنشاهيّة والسعوديّة وإسرائيل، ومحور قريب من موسكو ضمّ مصر الناصريّة وسوريا والعراق وليبيا واليمن الجنوبيّ.
من صراع المحاور إلى إعادة هندسة التّوازنات
شكّل الصراع العربيّ – الإسرائيليّ بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 العمود الفقريّ لسياسات المنطقة، فعاشت هذه الأخيرة حروباً وأزمات بقي معظمها مضبوطاً في الزمان والمكان من قبل الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفيتيّ، لا سيما حرب 1948، ونكسة 1967، ثمّ حرب أكتوبر/تشرين الأوّل (عبور الجيش المصريّ لقناة السويس) 1973 التي وظّفت فيها الدول العربيّة سلاح النفط لأوّل مرّة، وصولاً إلى كامب ديفيد (بين مصر وإسرائيل) في العام 1979.
أتت الثورة الإيرانيّة في العام 1979 التي قلبت المعادلات، إذ حوّلت طهران من “شرطيّ الخليج” إلى قوّة ثوريّة معادية لواشنطن ومصدر قلق للدول العربيّة، واندلعت الحرب العراقيّة – الإيرانيّة التي استنزفت الطرفين لمدّة ثماني سنوات، ودفعت دول الخليج إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجيّ عام 1981، ناهيك عن حروب اليمن.
بانتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية وتحرير الكويت (1991)، ترسّخ النفوذ الأميركيّ، واستقرّت شيئاً فشيئاً البنية الإقليميّة حول أربعة فاعلين رئيسيّين: تركيا، وإسرائيل، وإيران، والمملكة العربيّة السعوديّة، إضافة إلى لاعبين مهمّين مؤثّرين، لا سيما الإمارات العربيّة المتّحدة وقطر.
اتّسمت علاقات القوى الإقليميّة بالتنافس والتعايش الحذر، ودخلت في بداية عام 2026 مرحلة جديدة من إعادة نسج عميقة للعلاقات فيما بينها، فرضتها سلسلة الحروب التي بدأت في غزّة ولبنان في 7 تشرين الأوّل 2023، وتورّطت فيها إيران، التي دارت بينها وبين إسرائيل في حزيران 2025 حرب الاثني عشر يوماً، التي قصفت خلالها الولايات المتّحدة البرنامج النوويّ الإيرانيّ، ثمّ الحرب الأخيرة التي بدأت في شباط 2026، وأطرافها هي: الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران و”الحزب” ودول الخليج، ولم تنتهِ فصولاً بعد، وتغيّرت فيها قواعد الحروب جذريّاً.
تقف المنطقة اليوم أمام مشهد إقليميّ بالغ التعقيد يختبر متانة التحالفات التقليديّة، وفي مقدَّمها التحالف الأميركيّ – الخليجيّ، وتحالفات دول مجلس التعاون الخليجيّ، إلى جانب “اتّفاق مكّة” الدفاعيّ الذي يجمع السعوديّة وتركيا وباكستان. كما يطرح هذا المشهد تساؤلات حول طبيعة الأدوار المستقبليّة لكلّ من الهند وباكستان والصين واليابان والاتّحاد الأوروبيّ في المنطقة، ومدى قدرة دولها على الصمود في وجه حالة عدم الاستقرار الممتدّة، بما يستدعي مقاربة جديدة لإعادة رسم التوازنات الإقليميّة وترسيخ أسس الاستقرار.
غداً في الحلقة الثانية: إيران والمشرق العربيّ: انكفاء المحور وفراغ ما بعد الهيمنة.
