ليست المشكلة أن مسؤولاً أميركياً رفيعاً أخطأ في حق العرب، ولا أن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية أطلق حكماً متعجلاً يمكن أن تنقضه جولة قصيرة في سجلات الجوائز العلمية والأدبية. المشكلة الأعمق أن الجهل حين يصدر عن مسؤول في موقع السلطة، وفي مناسبة انتخابية، قد لا يكون مجرد نقص في المعرفة، بل يتحول إلى أداة لتعبئة الجمهور وصناعة الخصوم. هنا يصبح التصريح المسيء أكثر من سقطة كلامية؛ يصبح مؤشراً على خلل في الحياة السياسية، حيث تتراجع قيمة الحقيقة وتصبح إهانة جماعة بشرية وسيلة لاختبار الولاء واستقطاب الأصوات.
هذا بالضبط ما كشفته تصريحات روبرت إف كينيدي الابن، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي، خلال فعالية انتخابية في ولاية ميشيغان، حين زعم أن العرب لا ينتجون العلوم والأدب ولا يفوزون بجوائز عالمية مرموقة. لم تكن تلك الادعاءات مجرد أحكام قابلة للنقاش، بل وقائع مناقضة لسجلات معروفة، أُطلقت في سياق مهاجمة جماعة الإخوان المسلمين وربطها بما وصفه بتراجع المجتمعات العربية والإسلامية. وجاءت التصريحات خلال حملة لدعم المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز، في مواجهة المرشح الديمقراطي عبد السيد، وهو طبيب أميركي من أصول مصرية ومسلم. وقد أثارت موجة انتقادات من منظمات حقوقية وعلماء وشخصيات سياسية، فيما لم يقدم الوزير، وفق التقارير المنشورة، توضيحاً يبدد الاعتراضات على كلامه.
وضع التصريح في سياقه الانتخابي يساعد على فهم وظيفته السياسية. فالخطاب الشعبوي لا يحتاج دائماً إلى برنامج متماسك بقدر حاجته إلى خصم واضح. وحين تصبح القضايا الاقتصادية والاجتماعية والصحية أكثر تعقيداً، يسهل على بعض السياسيين نقل النقاش إلى معركة هوية: نحن في مواجهة هم، وقيمنا مهددة بثقافتهم، ومشكلاتنا ناجمة عن وجودهم أو تأثيرهم. وهكذا تتحول الجماعات البشرية إلى أهداف سهلة، فيما تتراجع الأسئلة الأصعب عن جودة السياسات العامة، وتوزيع الثروة، وكلفة المعيشة، وأداء المؤسسات.
الخطر يبدأ عندما تصبح الإثارة بديلاً عن الحقيقة وتتحول صناعة الخصوم إلى استراتيجية انتخابية أكثر جاذبية من صناعة الحلول
ليس العرب وحدهم من وقعوا ضحايا هذا النوع من الخطاب. فقد استُخدم المهاجرون المكسيكيون في الولايات المتحدة، والمسلمون بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والمهاجرون في عدد من الدول الأوروبية، أهدافاً لخطابات جعلت الهوية الثقافية أو الدينية تفسيراً جاهزاً لمشكلات تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة. لكن المقارنة لا تعني أن الحالات متطابقة، بل تكشف آلية متكررة: حين يحتاج السياسي إلى تبسيط العالم أمام جمهوره، قد يحول جماعة كاملة إلى صورة نمطية، ثم يقدم مهاجمتها باعتبارها دفاعاً عن المجتمع.
واللافت في حالة كينيدي أن الأمر لا يتعلق بمعلق هامشي أو مرشح يبحث عن الشهرة، بل بمسؤول يتولى وزارة ترتبط بالصحة العامة والبحث العلمي والطب والمؤسسات المعنية بالمعرفة. ومن الطبيعي أن يُسأل: كيف يمكن لمسؤول يشغل هذا الموقع أن يتحدث بهذه الثقة عن انعدام إسهامات العرب في العلم والأدب، من دون أن يصطدم بما هو متاح من حقائق؟ لا تكمن المفارقة في أن وزيراً للصحة يجب أن يكون مؤرخاً أو متخصصاً في الأدب العربي، بل في أن إطلاق أحكام شاملة على مئات الملايين من البشر يتطلب، في الحد الأدنى، التحقق من الوقائع قبل تحويلها إلى مادة انتخابية.
والحقائق هنا لا تحتاج إلى تأويل معقد. فقد حصل الكاتب المصري نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، ونال العالم المصري أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، كما فاز المصري محمد البرادعي بجائزة نوبل للسلام عام 2005، واليمنية توكل كرمان بالجائزة نفسها عام 2011. وفي عام 2025، فاز الكيميائي عمر ياغي، المولود في الأردن والمنحدر من أصول فلسطينية، بجائزة نوبل في الكيمياء. كما نال عالم الرياضيات البريطاني من أصل لبناني مايكل عطية ميدالية فيلدز، إحدى أرفع الجوائز في الرياضيات. وهذه أمثلة من سجل أوسع، لا قائمة يُراد بها إثبات تفوق شعب على آخر، بل دحض ادعاء لا يصمد أمام أبسط مراجعة.
ومع ذلك، فإن الرد على كينيدي لا ينبغي أن يتحول إلى مباراة في تعداد العلماء العرب والجوائز التي نالوها، كأن قيمة المجتمعات تُقاس بعدد ميدالياتها أو أن كرامة شعب تحتاج إلى شهادة من مؤسسة غربية كي تُعترف بها. فالعلوم والأدب لا ينتجهما شعب واحد، ولا تنحصر الموهبة في حدود جغرافية أو هوية دينية أو إثنية. كما أن الحصول على الجوائز الكبرى يتأثر بعوامل عديدة، بينها التمويل، وجودة المؤسسات التعليمية والبحثية، وفرص العمل، والقدرة على الوصول إلى شبكات البحث العالمية. ولا يجوز تحويل التفاوت في هذه العوامل إلى حكم جوهري على قدرة ملايين البشر أو استعدادهم للإبداع.
بل إن من المفارقات أن بعض أعظم التحولات العلمية في التاريخ قامت على انتقال المعرفة بين الحضارات، لا على عزلها بعضها عن بعض. فقد أسهم علماء ومترجمون عرب ومسلمون في تطوير الرياضيات والطب والفلك والفلسفة، وحفظوا وشرحوا وطوّروا أعمالاً من التراث اليوناني وغيره، وانتقلت أجزاء من هذا الرصيد إلى أوروبا عبر مسارات الترجمة والتفاعل العلمي. ولم تكن تلك العملية منّة من حضارة على أخرى، بل مثالاً على أن المعرفة تتقدم بالتراكم والتبادل والنقد، وأن الحضارات التي تتعلم من غيرها وتضيف إلى ما تتلقاه تكون أقدر على الابتكار من تلك التي تنغلق على رواية متعالية عن ذاتها.
لكن الدفاع عن الإسهام العربي التاريخي لا يعفينا من مواجهة سؤال الحاضر. فالعالم العربي يواجه بالفعل تحديات في تمويل البحث العلمي، واستقلال الجامعات، وحرية التفكير، وربط المعرفة بالإنتاج، وتهيئة بيئة تحتضن الباحثين بدلاً من دفعهم إلى الهجرة. وهذه مشكلات حقيقية تستحق النقاش الصريح، لا الإنكار ولا التجميل. غير أن الاعتراف بها يختلف جذرياً عن الزعم بأن العرب لا ينتجون علماً أو أدباً. النقد الجاد يبحث في المؤسسات والسياسات والفرص والعوائق؛ أما التعميم العنصري فيستبدل التحليل بحكم مسبق، ويحوّل إخفاقات قابلة للتغيير إلى صفة ثابتة تُنسب إلى البشر أنفسهم.
وهنا تتضح خطورة الخلط بين العرب والمسلمين، وهو خلط ظهر في تصريحات كينيدي حين انتقل بين الحديث عن العرب وإسهامات المسلمين، ثم نسب ما وصفه بتراجع المجتمعات إلى أيديولوجيا جماعة سياسية بعينها. فالعروبة هوية لغوية وثقافية تضم مسلمين ومسيحيين وغير متدينين، والإسلام دين يعتنقه أناس من شعوب وأعراق كثيرة، أما جماعة الإخوان المسلمين فهي حركة سياسية ودينية لها تاريخها وأفكارها وفروعها. وقد يكون من المشروع نقد هذه الحركة أو مناقشة أثرها في مجتمعات بعينها، لكن ذلك لا يمنح أحداً حق تحميل العرب جميعاً مسؤولية مشروع سياسي، أو محو إسهاماتهم العلمية والأدبية في سبيل تسجيل نقطة على خصم انتخابي.
الشعبوية لا تحتاج إلى حقائق دقيقة بقدر حاجتها إلى خصم سهل تُحمَّل عليه الإخفاقات وتُحشد ضده الأصوات
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بتقديم معلومة خاطئة، بل يعيد ترتيب العلاقة بين السياسة والمعرفة. ففي المجال العام الطبيعي، يفترض أن تخضع الادعاءات للفحص، وأن يدفع المسؤول ثمناً سياسياً إذا ثبت خطؤه، خصوصاً حين يتعلق الأمر بجماعة واسعة يمكن أن تتعرض للتمييز نتيجة تلك الادعاءات. أما حين يصبح التصريح الصادم وسيلة مضمونة لجذب الانتباه، فقد لا يعود التراجع عن الخطأ ضرورياً، لأن الغاية تكون قد تحققت بمجرد انتشاره. وفي بيئة إعلامية تكافئ الاستفزاز وتعيد نشر العبارات الأكثر حدة، يمكن للخطأ أن يحقق لصاحبه حضوراً أكبر مما تحققه إجابة دقيقة عن مشكلة عامة.
لا يعني ذلك أن كل تصريح مثير للجدل مخطط له سلفاً، أو أن دوافع كينيدي يمكن الجزم بها من دون أدلة مباشرة. لكن سياق الحملة والرسالة التي تضمنها الكلام يبرران التساؤل عن الوظيفة التي يؤديها هذا النوع من التعميم: هل يُستخدم لتفسير مشكلة فعلية، أم لصناعة مسافة نفسية بين الجمهور وخصم سياسي يُقدَّم باعتباره ممثلاً لثقافة أجنبية أو تهديداً هوياتياً؟ حين تصبح الهوية بديلاً عن مناقشة السياسات، لا يعود النقاش يدور حول ما يستطيع المرشح تقديمه، بل حول من يستطيع تصويره بوصفه أقل استحقاقاً للانتماء إلى المجتمع.
والضرر لا يتوقف عند العرب الذين استهدفتهم التصريحات. فحين يختار مسؤول رفيع تجاهل الوقائع في قضية كهذه، فإن ذلك يضعف الثقة في المعايير التي يفترض أن تحكم عمله العام. والمعرفة ليست ترفاً ثقافياً منفصلاً عن إدارة الصحة أو الاقتصاد؛ إنها أساس اتخاذ القرار، والتمييز بين الدليل والادعاء، وفهم المشكلات قبل وصف العلاج. وإذا كان المجال العام يتسامح مع التعميم غير المدعوم حين يتعلق بجماعة بشرية، فما الذي يضمن احترام الدقة نفسها عندما تكون القرارات متصلة بصحة المواطنين أو سلامتهم أو أموالهم؟
لا يحتاج العرب إلى رد الإهانة بإهانة مقابلة، ولا إلى الادعاء بأن تاريخهم يخلو من الإخفاقات، كما لا ينبغي أن يُطلب منهم الدفاع عن أنفسهم أمام كل تعميم يطلقه سياسي بحثاً عن جمهور. المطلوب هو وضع التصريحات في ميزان الوقائع، ومساءلة المسؤول عن الكلام الذي يصدر عنه، والتمسك في الوقت نفسه بنقد ذاتي لا يخلط بين الاعتراف بالمشكلات وقبول الصور النمطية. فالثقة بالذات لا تُبنى على إنكار أزمات الحاضر، كما أن الإصلاح لا يبدأ بقبول أحكام تنتقص من البشر بسبب هويتهم.
ليست القضية ما إذا كان العرب قد نالوا جائزة نوبل أو ميدالية فيلدز. القضية الأوسع هي ما يحدث حين تتحول الجهالة من نقص ينبغي تصحيحه إلى خطاب يجد مكانه على منصة انتخابية، وحين يصبح إنتاج العدو الثقافي أسهل من تقديم إجابات عن مشكلات المجتمع. قد تمنح الشعبوية صاحبها لحظة من التصفيق والانتشار، لكنها لا تنتج معرفة ولا تحل أزمة، ولا تجعل المجتمعات أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. والتاريخ لا يختصر الشعوب في تصريحات مسؤول عابر، كما أن قيمة السياسة لا تُقاس بقدرتها على إهانة الآخرين، بل بقدرتها على فهم الواقع وتغييره. أما حين تتحول الجهالة إلى برنامج انتخابي، فإن الخسارة لا تقع على من استُهدفوا وحدهم؛ إنها تصيب السياسة نفسها، لأنها تستبدل المنافسة على الحلول بالمنافسة على صناعة الكراهية.
