شديت لك جدعيّةٍ بالكونِ منسوبة

جدعيّةٍ تسبق هبوبَ الريح لو جاني

قوم اعتليها يا الغلام وَدِّيلي مكتوبَ

نحّر بيها راعي النوماس الباشا سلطانِ

تسمع لَـ لجَّ الزغاريد نوبة على نوبة

والخيل خاضت بالدما وتقول غدرانِ

هذه مقاطعُ من جوفية كنتُ قد عزمتُ على غنائها عند مدفن تمّام هنيدي، وكان يحبّها حتى أنه غنّاها أو غنّى ما يُشببها يوم زواجه من قمر. لستُ متأكداً تماماً من دقة الكلمات أعلاه، لكنها قريبةٌ من الأصل إلى حد كبير. تحكي الجوفية عن فرس أصيلةِ النَسَبِ سريعةٍ كالريح، وتدعو فارساً إلى ركوبها لنقل رسالة إلى سلطان باشا الأطرش، فيما ترتفع زغاريد النساء بينما تخوض الخيول في غدرانٍ من الدماء، ذلك أن البلاد صارت ميدان حرب تَنادَى إليها الكبار والصغار دفاعاً عن الوطن.

فرشنا على تراب تمّام علمَ البلاد الأخضر بنجومه الثلاث وعلم فلسطين، ثم رُبِطَت كوفية فلسطينية على شاهدة المدفن الخشبية، ودُعينا جميعاً إلى قول أي كلمات أخيرة نريدها. غنّى بكري حمّامي «مع السلامة وين رايح… مع السلامة يا مسك فايح». كان صوته يمزّق القلب. أما أنا فلم أستطع أن أنبس ببنت شفة. تبخّرت الكلمات كلُّها من رأسي. تبخّرَ كل شيء.

فكرتُ أن أستعيضَ عن الجوفية بكلمات وداع، لكن لساني خذلني.

فكرتُ بعدها في قصيدة لمالك بن الريب التميمي كان تمّام يحبها، وفيها يرثي الشاعرُ نَفسَهُ بعد أن أيقنَ أنه مُوشِكٌ على الموت:

فيا صاحبَي رَحلي دنا الموتُ فانزِلا… برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا

خُذاني فجرّاني بثوبي إليكما… فقد كنتُ قبل اليوم صعباً قِياديا

يقولون لا تَبْعدْ وهم يَدْفِنونني… وأينَ مكانُ البُعدِ إلّا مكانيا

تذكرتُ هذه الأبيات منها، لكن لساني خذلني مجدداً. كان ذلك ثقيلاً على نفسي، وقد قضيتُ بعدها أياماً أفكّر في ذاك العجز الذي بدا لي حينها أنه لا يُغتفَر.

أظنُّ اليوم أن الجوفية نفسها كانت سبباً في العجز. هي واحدة من قصائد وأهازيج شعبية عديدة في تراث السويداء تحكي عن سلطان باشا الأطرش، وعن الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، ما يضع السويداء دائماً في قلب سوريا وحكايتها وتاريخها. كانت كلماتُ الجوفية اشتباكاً ثقيلاً ومباشراً مع التراجيديا الرهيبة التي يحملها مرض تمّام ثم رحيله بالتزامن مع كل ما جرى ويجري في السويداء، ولعلّي لهذا بالذات شعرتُ أن عجزي كان لا يُغتفَر، ولعلّي لهذا بالذات أيضاً عجزتُ عن إطلاق صوتي.

التقيتُ تمّام للمرة الأولى في العام 2002 في اعتصام تضامني مع الانتفاضة الفلسطينية في دمشق، وقد صار صديقي منذ ذلك اليوم. وطوال تلك السنين لم يكفَّ تمّام يوماً واحداً عن أن يكون ابناً للسويداء حتى آخر قطرة من دمه، ولم يكفَّ عن أن يكون سوريّاً حتى آخر قطرة من دمه أيضاً. ولم يكفّ أيضاً عن أشياء كثيرة أخرى، منها مرحُهُ الدائم وحبُّهُ للأصدقاء والأهل والشِّعر وكرة القدم، وصفاءُ سريرته وقُربُ دمعته، ووضوح موقفه الأخلاقي والسياسي في كل المحن والأحداث التي مررنا بها طوال هذه السنين. كان تمّام «ابن بلد» بكل ما قد تحمله هذه الكلمة من معنى، ولعلّه لهذا لم يَكُن يُطيق العيش بعيداً في السويد، فاقتربَ إلى تركيا عندما سنحت له الفرصة عام 2020، في خطوة على طريق الإياب اقتباساً من عنوان نصّ ساحر كتبه عام 2021.

عاد تمّام زائراً إلى بلده في 2025، في الخطوة ما قبل الأخيرة من إياب دائم. لم يُفصِحُ لي تمّام في أي وقت أنه قرّرَ عودة دائمة، لكنه كان يطير فرحاً لأنه زار البلد مع قمر وابنتهما مريم، وكنتُ في قرارة نفسي أعتقدُ يقيناً أنه سيعود في النهاية للعيش في سوريا وليس زيارتها فقط، وهو ما لم تسمح به تصاريف الأيام.

أن يبقى جسده هناك في شمال العالم في السويد، هذه أيضاً قطعة من تراجيديا الحكاية.

أفكّرُ مجدداً؛ ما الذي يعنيه فعلاً عجزي عن غناء الجوفية أمام المدفن؟ مع أنني بقيتُ أياماً طويلة بعدها أُدندنها بصوت مسموع دون حتى أن أقصد ذلك. يقول التحليل النفسي إن لكل فعل، أو عجز عن فعل، سبباً يقبع هناك في عالم اللاوعي. ما هو ذاك السبب الذي أعجز عن الإمساك به؟ هل يكون السببُ حكاية السويداء في تقاطُعها الرهيب مع حكاية تمّام الشخصية؟ هل يكون السببُ شعوراً خفيّاً أرفضُ الاعترافَ به بأننا قد نكون خسرنا سوريا إلى الأبد، وأن تمّام ما كان ليوافقَ على خُلاصة كهذه أو يستسلمَ لها؟

أم لعلّه يكون الحزن فقط ولا حاجة لتفسيرات أعمق أو أبعد؟

كان تمّام يحبُّ التفكير معي في كل الاحتمالات الممكنة عندما نواجه سؤالاً صعباً، لكنه كان غالباً ينتهي إلى تفضيل الإجابات الأقرب والأوضح. لو كان يسمعني الآن لقال بعد حديث طويل: «يا خي أنت زعلان عَ رفيقك، عادي ما تقدر تحكي شي». كان سيجعل الأمور تبدو أسهل ممّا هي عليه.

في ديوانه الأخير يجدر بك أن تتبخر، قال تمّام هنيدي بوضوح بليغ:

كما لو أني أُعلِّقُ صور الجدران في مساميرها

ليس لحكمةٍ:

أكتب؛ كمن يمسح الغبار عن الطاولة

ليتنا استطعنا يا أخي أن نعيش كمن يمسح الغبار عن الطاولة.