متابعة/المدى
أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، اليوم الاثنين، دمج وحدات حماية سنجار (اليبشة) ضمن الأجهزة الأمنية الرسمية العراقية.
وقال النعمان، في بيان تلقته (المدى): “بإشراف ومتابعة القائد العام للقوات المسلحة، علي فالح الزيدي، ستُجرى مراسم فك الارتباط العسكري لوحدات حماية سنجار (اليبشة)، ودمجها في الأجهزة الرسمية العراقية، ونقل المسؤولية الأمنية في جبل سنجار إلى السلطات الاتحادية”.
وأضاف أن “هذا الإجراء يأتي في سياق منهج الحكومة العراقية وبرنامجها لحصر السلاح بيد الدولة، وتأسيس مرحلة جديدة من المسؤولية الأمنية في قضاء سنجار”.
وأشار إلى أن “الحكومة العراقية تثمن التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء المكون الإيزيدي في الدفاع عن العراق عموماً، وقضاء سنجار على وجه الخصوص، في مواجهة قوى الإرهاب والتكفير، والتزامهم بالثوابت الوطنية والدستور الذي يحظر تشكيل مجاميع عسكرية خارج إطار القوات المسلحة”.
ولفت إلى أن “الحكومة الاتحادية تؤكد مسؤوليتها الكاملة عن حفظ حقوق أبناء المكون الإيزيدي ممن قاتلوا الإرهاب وتصدوا ببسالة لمشروعه التكفيري، وقدموا في سبيل ذلك الشهداء والجرحى، وتعويض ذوي الضحايا والمتضررين من العمليات الإرهابية، وإعادة إعمار قضاء سنجار”.
ويشكّل إعلان الحكومة العراقية بدء إجراءات فك الارتباط العسكري لوحدات حماية سنجار “اليبشة” ونقل المسؤولية الأمنية في جبل سنجار إلى السلطات الاتحادية تطوراً مهماً في ملف إدارة الأمن في القضاء، الذي تتداخل فيه اعتبارات حماية المجتمع الإيزيدي، ووجود تشكيلات مسلحة متعددة الارتباطات، والخلافات بشأن تنفيذ اتفاق سنجار لعام 2020.
وتأتي الخطوة ضمن مساعي بغداد لحصر السلاح بيد الدولة وتوحيد المسؤولية الأمنية، مع تأكيدها الالتزام بحقوق الإيزيديين وتعويض المتضررين وإعادة إعمار مناطقهم.
النشأة والتحولات العسكرية
برزت وحدات مقاومة سنجار، المعروفة اختصاراً بـ”اليبشة” (YBŞ)، بوصفها قوة مسلحة إيزيدية ارتبط ظهورها وتوسعها بالتحولات الأمنية التي شهدها قضاء سنجار بعد هجوم تنظيم داعش في آب 2014. وتتمتع الوحدات بارتباطات وثيقة بحزب العمال الكردستاني، فيما سعى مقاتلون إيزيديون إلى أداء دور في حماية مناطقهم ومجتمعهم بعد الجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق الإيزيديين.
وأدى تعدد القوى المسلحة في سنجار إلى تعقيد ملف إدارة الأمن، مع تداخل أدوار القوات الاتحادية والشرطة المحلية وتشكيلات الحشد الشعبي والقوى الإيزيدية المسلحة، فضلاً عن الخلافات بشأن وجود حزب العمال الكردستاني ومجموعات مرتبطة به في المنطقة.
اتفاق سنجار لعام 2020 وتعثر التنفيذ
في 9 تشرين الأول 2020، توصلت الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتطبيع الأوضاع في سنجار، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. وتضمن الاتفاق ثلاثة محاور رئيسية: إعادة تنظيم الإدارة المحلية، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وإعمار القضاء وتهيئة الظروف لعودة النازحين.
ونص الجانب الأمني على تولي الشرطة المحلية وأجهزة الأمن والاستخبارات المسؤولية داخل القضاء، وإخراج التشكيلات المسلحة الأخرى، إلى جانب استقطاب 2500 عنصر من أبناء المنطقة ضمن قوات الأمن المحلية. لكن تنفيذ الاتفاق واجه عقبات، واستمر تداخل القوى الأمنية والمسلحة، فيما بقيت ملفات الإدارة والإعمار وعودة النازحين دون معالجة شاملة.
المفاوضات الجديدة ومسار الدمج
عاد ملف سنجار إلى واجهة المباحثات خلال عام 2026، مع انطلاق مفاوضات بين الحكومة العراقية وممثلي وحدات مقاومة سنجار بشأن إدخال المقاتلين ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية. ونقلت “باس نيوز” في 19 تشرين الأول عن متحدث باسم الوحدات أن المفاوضات بدأت في شباط، وأن الطرفين توصلا إلى تفاهمات بشأن إعادة تنظيم القوة، مع استمرار النقاش حول مستقبل المجتمع الإيزيدي والخصوصية الجغرافية وحقوق النساء والمؤسسات الأمنية.
وفي 24 تشرين الأول، أفادت “روداو” بأن الدمج لن يقتصر على هيئة الحشد الشعبي، بل سيشمل أيضاً الشرطة وتشكيلات أمنية أخرى، وفق تصريحات النائب الإيزيدي مراد إسماعيل.
أما بشأن الأعداد، فقد نقلت “كردستان 24” في 26 تشرين الأول عن مصدر في سنجار أن عملية الدمج ستشمل نحو خمسة آلاف مقاتل على مراحل، مع بقائهم في المنطقة ضمن مهام حماية سنجار. وهذه الأرقام منسوبة إلى المصدر الذي تحدث للوسيلة، ولا تعني أن جميع المراحل نُفذت بالفعل.
دلالات نقل المسؤولية الأمنية إلى بغداد
يمثل نقل المسؤولية الأمنية في جبل سنجار إلى السلطات الاتحادية جانباً أساسياً من الإعلان الحكومي، إذ يتصل بمحاولة إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني وإخضاع التشكيلات المسلحة لهيكل الدولة. كما يفتح مسار الدمج الباب أمام تسوية الوضع القانوني للمقاتلين الذين يستوفون شروط الانضمام إلى المؤسسات الرسمية، وفق ما أعلنته الحكومة بشأن إجراءاتها.
لكن نجاح الخطوة سيعتمد على آليات التنفيذ الفعلية، بما يشمل طبيعة ارتباط المقاتلين بعد الدمج، والجهة التي تتولى قيادتهم، ومستقبل السلاح، ومدى خضوع الوحدات للقيادة الاتحادية، فضلاً عن ضمان عدم تحول الدمج إلى تغيير في التسمية من دون تغيير حقيقي في سلسلة القيادة والسيطرة. وهذه مسائل ينبغي التحقق من تفاصيلها عبر القرارات الرسمية وآليات التنفيذ المعلنة.
حقوق الإيزيديين وإعادة الإعمار
لا يقتصر ملف سنجار على الترتيبات العسكرية، إذ ترتبط استعادة الاستقرار بمعالجة آثار هجوم داعش، وإعادة إعمار المنازل والبنى التحتية، وتوفير الخدمات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين. وقد أشار اتفاق عام 2020 إلى هذه الملفات بوصفها جزءاً من عملية تطبيع الأوضاع، فيما أكدت الأمم المتحدة أن غياب الاستقرار الأمني والإداري والخدمات شكّل عقبة أمام عودة السكان.
وفي الإعلان الحكومي الأخير، أكدت بغداد مسؤوليتها عن حماية حقوق الإيزيديين الذين قاتلوا الإرهاب، وتعويض ذوي الضحايا والمتضررين، وإعادة إعمار سنجار. ويضع ذلك الحكومة أمام اختبار يتجاوز دمج المقاتلين إلى ترجمة التعهدات الأمنية إلى إجراءات ملموسة تخدم السكان وتدعم عودة النازحين.