ماهين شيخاني.كاتب
القضية الكوردية بين تقلبات واشنطن وحتمية الاعتراف بالحقوق
تقديم: سؤال قديم يتجدد
دأبت الولايات المتحدة، على امتداد عقود، على التعامل مع القضية الكوردية ضمن حسابات مصالحها الاستراتيجية وأولوياتها الإقليمية. وفي محطات عديدة، التقت هذه المصالح مع تطلعات الشعب الكوردي، فكان الدعم العسكري والسياسي حاضراً حين اقتضت الضرورة ذلك. لكن التجربة أثبتت أن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة التزاماً دائماً بحماية الحقوق الكوردية أو ضمان مستقبلها السياسي.
ومع كل تحول في البيت الأبيض، سواء أكان الحاكم جمهورياً أم ديمقراطياً، يعود السؤال نفسه: هل الكورد شركاء استراتيجيون للولايات المتحدة، أم حلفاء تفرضهم ظروف مرحلية ثم تتراجع أهميتهم عندما تتغير الحسابات؟
لعل التجربة التاريخية تقدم جواباً أكثر تعقيداً من مجرد اتهام إدارة بالتخلي أو الإشادة بأخرى. فالمشكلة لا تتعلق فقط بهوية الحزب الحاكم، بل بطبيعة السياسة الأميركية التي تجعل المصالح والأولويات الأمنية محدداً أساسياً لعلاقاتها. ومن هنا، تبرز الحاجة الكوردية إلى الانتقال من الاعتماد على التحالفات المؤقتة إلى بناء مشروع سياسي يستند إلى الحقوق والشرعية والمؤسسات والضمانات الدستورية والدولية.
أولاً: الجمهوريون – من الملاذ الآمن إلى الانسحاب من سوريا
لا يمكن فهم الموقف الجمهوري من القضية الكوردية دون التوقف عند محطات تاريخية متباينة، جمعت بين الدعم في مرحلة والتراجع في أخرى.
ففي عام 1991، وبعد الانتفاضة الكوردية في العراق وما أعقبها من مأساة إنسانية ونزوح واسع، أطلقت إدارة الرئيس جورج بوش الأب عملية «توفير الراحة» وأُقيمت منطقة حظر جوي شمال خط العرض 36، في إطار ترتيبات دولية وفرت حماية نسبية للسكان الكورد، وأسهمت في تهيئة الظروف التي سمحت لهم بإدارة شؤون مناطقهم بعيداً عن سلطة بغداد.
ثم جاء عام 2003، عندما قادت إدارة جورج بوش الابن الغزو الأميركي للعراق، الذي أطاح بنظام صدام حسين، وفتح مرحلة سياسية جديدة أفضت إلى صياغة دستور عام 2005، الذي أقر النظام الاتحادي واعترف بإقليم كوردستان بوصفه إقليماً اتحادياً ضمن الدولة العراقية.
كان ذلك مكسباً تاريخياً للشعب الكوردي في العراق، لكنه لم يكن منحة أميركية خالصة؛ فقد تحقق نتيجة تفاعل عوامل داخلية وإقليمية ودولية، وفي مقدمتها النضال الكوردي الطويل والمشاركة السياسية الكوردية في العملية الدستورية الجديدة.
غير أن هذا المسار لم يكن دليلاً على وجود التزام أميركي ثابت بالقضية الكوردية. فقد أظهرت التطورات اللاحقة، ولا سيما في سوريا، أن واشنطن تميز بين دعم شريك عسكري تحتاج إليه في مرحلة معينة، وبين الالتزام السياسي طويل الأمد بحقوقه.
وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، شهدت العلاقة مع الكورد في كوردستان سوريا (روژآڤا) تحولات حادة. فمنذ عام 2025، بدأت الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في سوريا وتسليم عدد من قواعدها، إلى أن اكتمل انسحاب قواتها من آخر قاعدة رئيسية، وهي قاعدة قسرك، في 16 نيسان/أبريل 2026.
وجاء ذلك في سياق تحولات سياسية وعسكرية أوسع، أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وصعود السلطة الانتقالية في دمشق بقيادة أحمد الشرع، وتبدل أولويات واشنطن في التعامل مع الملف السوري.
وكان المبعوث الأميركي توم براك قد أعلن في كانون الثاني/يناير 2026 أن الغرض الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها القوة الأساسية على الأرض في مواجهة تنظيم داعش، قد انتهى إلى حد كبير، داعياً الكورد إلى الاندماج في الدولة السورية الجديدة.
وهنا تتجلى المفارقة: فالدولة التي أسهمت في بناء التحالف العسكري مع قسد، وقدمت لها الدعم في حربها ضد داعش، لم تحول هذه الشراكة إلى ضمانة سياسية واضحة لمستقبل الحقوق الكوردية في سوريا.
ولا يعني ذلك أن السياسة الأميركية كانت العامل الوحيد في مسار الأحداث؛ فالتطورات الداخلية السورية، وموازين القوى الإقليمية، والخلافات السياسية الكوردية، كلها عوامل أسهمت في تشكيل الواقع الجديد. لكن واشنطن بقيت طرفاً مؤثراً في توجيه مسار التسوية، وكان موقفها من الشراكة مع الكورد أحد العناصر الحاسمة في التحولات الأخيرة.
ثانياً: الديمقراطيون – دعم عسكري بلا ضمانات سياسية
على الجانب الآخر، غالباً ما تتبنى الإدارات الديمقراطية خطاباً أكثر تركيزاً على حقوق الإنسان وحماية الأقليات، لكن هذا الخطاب لم يتحول بالضرورة إلى التزامات سياسية ثابتة تجاه القضية الكوردية.
ففي عهد بيل كلينتون، استمرت السياسة الأميركية في احتواء نظام صدام حسين، مع الحفاظ على ترتيبات الحماية الجوية في شمال العراق، لكنها لم تتجه إلى تبني مشروع سياسي مستقل يضمن للكورد حق تقرير مستقبلهم خارج إطار الدولة العراقية.
وفي عهد باراك أوباما، برزت مفارقة أخرى مع صعود تنظيم داعش عام 2014. فقد وجدت واشنطن في قوات البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية شريكاً ميدانياً أساسياً في الحرب على التنظيم، وقدمت لهما دعماً عسكرياً واستخبارياً ولوجستياً وجوياً.
وعندما حاصر تنظيم داعش مدينة كوباني عام 2014، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً، وقدمت دعماً جوياً حاسماً أسهم في تغيير مسار المعركة ومنع سقوط المدينة. وكان ذلك أحد أبرز الشواهد على أهمية الدور الكوردي في الحرب على الإرهاب.
لكن هذا الدعم، على أهميته، لم يتحول إلى التزام أميركي بالاعتراف السياسي بخصوصية كوردستان سوريا أو ضمان شكل إدارتها ومستقبلها الدستوري.
وفي العراق أيضاً، بقيت واشنطن متمسكة رسمياً بوحدة الدولة العراقية، ولم تقدم ضمانة دولية مستقلة بشأن مستقبل إقليم كوردستان خارج إطار الدستور العراقي.
لقد أثبتت التجربتان أن الدعم العسكري، حتى عندما يكون حاسماً، لا يعني تلقائياً دعماً سياسياً موازياً. فواشنطن كانت مستعدة للتعاون مع الكورد عندما كانت الحاجة الأمنية تفرض ذلك، لكنها ظلت حذرة في مسألة الالتزام بمستقبل سياسي يتجاوز حدود الدول القائمة.
ومن هنا، لا يصح النظر إلى الديمقراطيين باعتبارهم ضمانة دائمة، كما لا يصح اعتبار الجمهوريين خصماً دائماً. فالمعيار الأهم هو مدى استعداد أي إدارة أميركية لتحويل مواقفها المعلنة إلى التزامات سياسية وقانونية قابلة للاستمرار.
ثالثاً: كوردستان سوريا (روژآڤا) – من الشراكة العسكرية إلى سؤال المصير السياسي
تقدم تجربة كوردستان سوريا (روژآڤا) واحدة من أبرز الحالات التي تكشف الفجوة بين التحالف العسكري والاعتراف السياسي.
فبعد صعود تنظيم داعش عام 2014، وجدت الولايات المتحدة في قوات سوريا الديمقراطية شريكاً ميدانياً فعالاً في مواجهة التنظيم، ولا سيما أن واشنطن لم تكن راغبة في خوض حرب برية واسعة بقواتها المباشرة.
قدمت الولايات المتحدة الدعم الجوي والاستخباري والتسليحي واللوجستي، فيما تحملت قوات قسد العبء الأكبر من المواجهات البرية، وقدمت تضحيات بشرية كبيرة، إلى جانب ما قدمته البيشمركة والقوى الأخرى التي شاركت في الحرب على التنظيم.
لكن هذه الشراكة، على امتداد سنواتها، لم تنتج اتفاقاً سياسياً واضحاً يضمن الحقوق القومية للشعب الكوردي، أو يحدد موقع كوردستان سوريا في مستقبل الدولة السورية.
ومع سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة. وتبدلت الأولويات الأميركية تدريجياً، مع اتجاه واشنطن إلى دعم السلطة الانتقالية في دمشق، وتشجيع دمج المؤسسات والقوى العسكرية في إطار الدولة السورية الجديدة.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، تصاعدت المواجهات بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وترافقت مع ضغوط سياسية وعسكرية أدت إلى تغيرات واسعة في موازين السيطرة.
وفي 30 كانون الثاني/يناير 2026، أُعلن عن اتفاق بين دمشق وقسد، تضمن ترتيبات لدمج القوات على مراحل، وتشكيل فرقة عسكرية من ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب ترتيبات أمنية وإدارية أخرى. غير أن الاتفاق، وما تلاه من تطورات، فتح أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الاندماج، وضمانات الحقوق، ومصير المؤسسات والإدارة المحلية، ومدى قدرة الكورد على المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل مناطقهم.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة ملفات مترابطة، لكنها ليست متطابقة:
الأول هو حقوق الشعب الكوردي القومية والسياسية والثقافية، وهي حقوق لا ينبغي أن تتوقف على مصير أي تشكيل عسكري أو إدارة سياسية.
والثاني هو مستقبل الإدارة الذاتية ومؤسساتها، وما إذا كان بالإمكان تطويرها ضمن صيغة دستورية تضمن اللامركزية والمشاركة والخصوصية المحلية.
أما الثالث فهو مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، بوصفها قوة عسكرية نشأت في ظروف الحرب على داعش، وتواجه اليوم استحقاق إعادة تنظيم موقعها ضمن بنية الدولة السورية.
إن الخلط بين هذه الملفات قد يؤدي إلى اختزال القضية الكوردية في مصير قسد، أو إلى التعامل مع دمج القوات باعتباره حلاً تلقائياً للمشكلة القومية والسياسية. بينما الحقيقة أن أي تسوية لا تضمن الحقوق الدستورية والسياسية للشعب الكوردي ستظل تسوية ناقصة، مهما كانت ترتيباتها العسكرية والإدارية.
لقد كشفت التجربة أن واشنطن تستطيع أن تدعم شريكاً عسكرياً سنوات طويلة، لكنها لا تقدم بالضرورة ضمانات لمستقبله السياسي. ولذلك، فإن الدرس الأهم من تجربة روژآڤا ليس رفض التحالفات الدولية، بل عدم بناء المستقبل عليها وحدها.
رابعاً: إقليم كوردستان العراق – ما بعد الوجود العسكري الأميركي
لم تقتصر تداعيات التحولات الأميركية على كوردستان سوريا، بل امتدت إلى إقليم كوردستان العراق، الذي ظل لعقود حليفاً مهماً لواشنطن في المنطقة.
فقد تصاعد القلق في الإقليم مع اقتراب موعد 30 أيلول/سبتمبر 2026، المحدد لإنهاء الوجود العسكري الأميركي ضمن مهمة التحالف الدولي في العراق.
وحذر رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، في مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز»، من أن انسحاب القوات الأميركية في ظل التوترات الإقليمية يترك الإقليم أكثر عرضة للتهديدات، واعتبر أن ترك الحلفاء من دون منظومة دفاعية كافية سيكون أمراً مخجلاً.
وتنبع هذه المخاوف من واقع أمني واضح؛ فالإقليم لا يمتلك منظومة دفاع جوي متكاملة ومستقلة قادرة على مواجهة مختلف أنواع التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، في منطقة تتشابك فيها المصالح الإيرانية والتركية والعراقية والدولية.
ولا يعني ذلك أن الوجود الأميركي كان ضمانة مطلقة لأمن الإقليم، لكنه شكل أحد عناصر التوازن والردع، وأسهم في توفير مظلة أمنية خلال مراحل حساسة.
إن انتهاء الوجود العسكري الأميركي يطرح سؤالاً يتجاوز العلاقة مع واشنطن: كيف يستطيع إقليم كوردستان حماية أمنه واستقراره في ظل التنافس الإقليمي، والتحديات الأمنية، والخلافات السياسية الداخلية؟
وهذا السؤال لا يخص الإقليم وحده، بل يحمل دلالة أوسع بالنسبة إلى جميع أجزاء كوردستان؛ إذ إن الاعتماد على الحماية الخارجية، من دون بناء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية متماسكة، يظل مصدر قلق دائم.
خامساً: الكونغرس الأميركي – توافق حزبي لا يساوي ضمانة دائمة
وسط هذه التحولات، برز تطور سياسي لافت في الكونغرس الأميركي، تمثل في تقديم مشروع قانون «حماية الكورد» يوم 29 كانون الثاني/يناير 2026، بمبادرة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وبمشاركة السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال.
جاء المشروع في سياق الهجمات التي تعرضت لها قوات سوريا الديمقراطية، وما أثارته من مخاوف بشأن مصير الكورد في سوريا.
وتضمن المشروع إجراءات عقابية بحق مسؤولين ومؤسسات مالية سورية، وإعادة تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية أجنبية، واشتراط مراجعة الكونغرس لأي إنهاء لتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، فضلاً عن منح الرئيس صلاحيات لتعليق العقوبات وفق شروط تتعلق بوقف الهجمات على قوات سوريا الديمقراطية وشركائها.
ويعكس تقديم المشروع وجود أصوات مؤثرة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي ترى ضرورة حماية الكورد، وتربط ذلك بمصداقية الولايات المتحدة تجاه الشركاء الذين ساهموا في الحرب على داعش.
لكن من الضروري التمييز بين تقديم مشروع قانون وإقراره وتحوله إلى قانون نافذ. فالمشروع، رغم دلالته السياسية، لا يشكل بحد ذاته ضمانة قانونية مكتملة، ولا يعني أن الكونغرس قد حسم موقفه بصورة نهائية.
وتبقى أهميته في أنه يكشف عن وجود مساحة سياسية يمكن للقضية الكوردية أن تتحرك فيها، وأن بناء العلاقات مع المؤسسات التشريعية الأميركية لا ينبغي أن يقتصر على الإدارة التنفيذية أو البيت الأبيض.
غير أن الرهان على مشروع قانون واحد، مهما كان عنوانه أو حجم الدعم الذي يحظى به، لا يمكن أن يكون بديلاً عن استراتيجية كوردية مستقلة وطويلة الأمد.
سادساً: نحو استراتيجية جديدة – من الحليف التكتيكي إلى تثبيت الحقوق
تكشف التجارب السابقة أن القضية الكوردية لا تستطيع بناء مستقبلها على افتراض وجود حزب أميركي صديق بصورة دائمة. فالجمهوريون والديمقراطيون، على اختلاف خطابهم وأساليبهم، يتحركون في النهاية ضمن منظومة مصالح الدولة الأميركية وأولوياتها الاستراتيجية.
لقد التقت المصالح الأميركية مع تطلعات الكورد في محطات تاريخية مهمة، لكنها لم تتحول دائماً إلى التزام سياسي مستمر. ومن هنا، فإن المطلوب ليس الانسحاب من العلاقات الدولية أو إدارة الظهر للتحالفات، بل التعامل معها باعتبارها أدوات لخدمة مشروع سياسي وحقوقي مستقل، لا بديلاً عنه.
ويمكن بناء هذه الاستراتيجية على خمسة مرتكزات أساسية:
1. تثبيت الحقوق في الدستور السوري
إن الأولوية في كوردستان سوريا (روژآڤا) هي ضمان الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي، وبحقوقه القومية والسياسية والثقافية واللغوية، وضمان مشاركته في إدارة الدولة ومؤسساتها.
ولا ينبغي أن تكون هذه الحقوق موضع مساومة مؤقتة، أو أن تُربط بمصير قوة عسكرية أو بتوازنات سياسية عابرة.
2. بناء تمثيل سياسي كوردي موحد وشرعي
لا يمكن للدبلوماسية الخارجية أن تكون مؤثرة ما لم تستند إلى موقف سياسي كوردي واضح، ومؤسسات تمثيلية تحظى بالشرعية، وتستوعب الأحزاب والقوى الاجتماعية والمستقلين والمرأة والشباب.
فالتعددية ليست مشكلة بحد ذاتها، لكن غياب التنسيق والرؤية المشتركة يضعف القدرة على التفاوض، ويجعل الآخرين أكثر قدرة على استثمار الخلافات الداخلية.
3. تدويل القضية عبر المسارات الحقوقية والقانونية
ينبغي الانتقال من الاكتفاء بالبيانات والتصريحات إلى عمل مؤسسي منظم في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وتوثيق الانتهاكات، ومتابعة الملفات القانونية، وبناء علاقات مستدامة مع المنظمات الحقوقية والبرلمانات ومراكز الأبحاث.
فالحقوق التي تحظى بتوثيق قانوني ومتابعة دولية تصبح أكثر حضوراً في النقاشات السياسية، وإن كان الاعتراف الدولي وحده لا يغني عن التوافقات والضمانات الدستورية الداخلية.
4. بناء شبكة علاقات دولية مستقلة ومتوازنة
من الضروري تنويع العلاقات وعدم حصرها في واشنطن وحدها، وذلك عبر بناء جسور سياسية وثقافية ودبلوماسية مع الدول الأوروبية، والمؤسسات الدولية، والقوى المؤثرة في المنطقة.
كما ينبغي الاستثمار في الدبلوماسية الشعبية والثقافية والإعلامية، حتى لا تبقى القضية الكوردية حاضرة في العالم فقط عندما تندلع الحروب أو تتصاعد الأزمات الأمنية.
5. تعزيز الاعتماد على الذات
إن الاعتماد على الذات لا يعني العزلة أو الاستغناء عن التحالفات، بل امتلاك مقومات الصمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ويشمل ذلك تطوير المؤسسات، وتعزيز الاقتصاد، وترسيخ المشاركة الشعبية، وبناء قدرات أمنية منضبطة ضمن الأطر القانونية، وإيجاد آليات داخلية لحل الخلافات.
فكلما امتلك الكورد مؤسسات أكثر تماسكاً وقراراً سياسياً أكثر استقلالاً، ازدادت قدرتهم على التفاوض مع القوى الدولية من موقع الشريك، لا من موقع الطرف الذي ينتظر الحماية.
خاتمة: من ورقة التفاوض إلى الحق الدستوري
إن فوز الجمهوريين أو الديمقراطيين قد يغير أساليب السياسة الأميركية وتكتيكاتها، لكنه لا يلغي حقيقة أن المصالح الاستراتيجية تبقى المحدد الأساسي لقرارات واشنطن.
لقد قدم الكورد تضحيات كبيرة في مواجهة الاستبداد والإرهاب، وكانوا في محطات عديدة شركاء أساسيين في حماية الاستقرار ومواجهة التهديدات التي لم تكن محصورة في مناطقهم وحدها. ومع ذلك، لم تتحول هذه التضحيات دائماً إلى ضمانات سياسية تتناسب مع حجمها.
والدرس الذي ينبغي استخلاصه ليس أن نرفض الحلفاء، أو أن نتوقف عن بناء العلاقات الدولية، بل ألا نخلط بين التحالف والمصير، وبين الدعم العسكري والاعتراف بالحقوق، وبين التصريحات السياسية والالتزامات القانونية.
إن القضية الكوردية تحتاج إلى علاقات دولية فاعلة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى مشروع سياسي موحد، ومؤسسات تمثيلية شرعية، ورؤية واضحة لمستقبل الشعب الكوردي في أجزائه المختلفة.
فالحليف قد يأتي حين تلتقي المصالح، وقد يذهب حين تتغير الحسابات؛ أما الحق، فلا ينبغي أن يأتي بقرار من واشنطن، ولا أن يرحل بتبدل ساكن البيت الأبيض.
إن ما يحتاج إليه الكورد اليوم ليس حليفاً لا يتغير، فهذا أمر لا تصنعه السياسة الدولية، بل مشروعاً سياسياً وحقوقياً يجعل حقوقهم ثابتة، حتى عندما تتغير التحالفات.