(فاتح المدرّس)
تزداد في سورية وتيرة خطف الأطفال والاعتداء عليهم، وقتلهم أحياناً. ومن جديد هذا أخيراً مقتل الطفلة نور الدوس في ريف درعا، بعد اعتداء عمّها عليها جنسياً، وما سبقه وتلاه من سلسلة اعتداءات جسدية وتعنيف لها في بيت جدّها لأبيها (بعد سحب حضانتها من أمها وإلحاقها بأبيها). وفي درعا أيضاً خُطفت الطفلة فرح الحمود التي لم تكمل عامها الثالث، وعثر عليها مقتولةً. كذلك الطفل حمزة الصارم (من سلحب في ريف حماة) البالغ 12 عاماً، والذي خُطف في أثناء قيامه بعمله اليومي على حساب حقّه، بوصفه طفلاً، في التعليم واللعب، وهو يبيع أعشاب “الزوفا” من أجل المساعدة في إعالة عائلته.
كثير من حالات الاختطاف والاعتداء والقتل تقع بحقّ الأطفال في سورية. وهذه الأمثلة غيض من فيض إذا ما عُدّت الحالات وحُصرت بدقّة. لكن لكلّ حالة مدلولات كثيرة تشير إلى الخطر الجدير بإضاءة الأضواء الحمراء التي تنذر بكارثة اجتماعية وانهيار مستقبلي لسورية التي حلم بها السوريون، ودفعوا أثماناً باهظة من أجلها، لكنّها تمعن في الابتعاد.
الجيل في العلوم الاجتماعية، وخصوصاً في السوسيوديموغرافيا، مجموعة من الأشخاص الذين لديهم تقريباً العمر نفسه أو عاشوا في الحقبة التاريخية نفسها. لذا، لديهم العديد من الممارسات والمفاهيم المشتركة. ويُقدّر عمر الجيل الواحد وسطياً بنحو 25 عاماً، وبعض الدارسين يقدّرونه اليوم بأقلّ، خصوصاً في ظلّ التقدّم التكنولوجي واكتساح الأجهزة والتطبيقات الحديثة مجالات الحياة. هذا يعني أنّ تخريب جيل واحد كافٍ لتخريب شعب وتدمير دولة أو أمّة.
جاءت الحرب التي استمرّت نحو عقد ونصف عقد في سورية، وما تلاها من هزّات ارتدادية ما زالت نشطة وتتفاقم باستمرار بعد ما يقارب العامَين على سقوط النظام البائد، لتتوّج عقوداً من الزمن تراكمت فيها مفاهيم تغلغلت في الوعي الجمعي حتّى صارت مثل طبقات رسوبية تضمر في بنيانها أفكاراً وقيماً وعادات وتقاليد، وقوانين أيضاً، أسّست ثقافةً عامّةً ووعياً جمعياً يحرم الأجيال من إمكانية التفتّح والنمو والازدهار، من طريق هذه الثقافات التي تستهدف الفرد منذ الطفولة، مثلما تستهدف المرأة منذ ولادتها أيضاً. 17 عاماً، وأطفال سورية يعيشون في ظروف تحرمهم من أبسط شروط الحياة الإنسانية اللازمة لينموا مستقبلاً ويتطوروا صحّياً ونفسياً وتكوينا علمياً، في ظلّ الحرب وما ينجم عنها.
لو توقّفنا عند قضية الطفلة نور الدوس، وتفاصيلها بحسب البيانات الرسمية وعلى لسان والدتها، لواجهَنا سؤالٌ مهمّ: ما دام هناك تقصير في دور الدولة ومؤسّساتها في إنشاء الأجيال، فكيف يُعاد إنتاج العائلات اجتماعياً؟ وما هي استراتيجيات العائلة لإعادة الإنتاج؟ والإنتاج هنا ليس المقصود به الإنتاج الاقتصادي، بل الإنتاج الثقافي، والقيمي، والمعرفي، والأخلاقي… إلخ. الأجيال الاجتماعية هي نتاج سياق اجتماعي وتاريخي محدّد، وتتشكل من خلال مؤسّسة بعقلية خاصّة، وبطريقة محدّدة في الشعور والتفكير والذوق والممارسات الاجتماعية المشتركة. فكلّ جيل يتميّز عن غيره بالتأثيرات التي تلقّاها والسياق الخاصّ الذي تشكّل فيه، ممّا يُنتج أنماطاً مشتركةً من الإدراك والتمثيل والفعل، وما أكثر السياقات المدمِّرة التي تتناهب المجتمع السوري! وعندما يُعامل الطفل، وفق الثقافة الرائجة والمدعومة اجتماعياً، على أنّه “مُلكية” يحقّ للأهل، خصوصاً للأب، تربيته (وليس رعايته بما يحمل مفهوم الرعاية من مزايا إيجابية، بينما التربية تشمل مروحةً واسعةً من الأساليب والطرائق تتدرّج بين الوعظ والتلقين وصولاً إلى التعنيف بمختلف أشكاله). وهذا ما أشار إليه القاضي الذي لجأت إليه أمُّ الطفلة نور قبل مقتل طفلتها لتشكو والد الطفلة وأعمامها (بعد سحب حقّ الحضانة منها، وهذه نقطة أخرى تستحقّ النقاش) بسبب اعتدائهم العنيف عليها، كما جاء على لسان الأمّ، ليكتفي القاضي بتبرير سلوك الوالد (يتوافق التبرير مع ما هو مذكور في القوانين السورية أيضاً). عندما يُنظر إلى الطفل من هذا المنظور، فإنّ العنف بأقصى درجاته يصبح مقبولاً اجتماعياً، ولقد شاهدنا عدّة مقاطع فيديو عن تعنيف معلّمين تلاميذ أطفالاً في مدارسهم أيضاً، بمباركة من الأهل أحياناً.
وبالنسبة إلى الطفلة فرح الحمود التي اختُطفت في ريف درعا ولم تكمل أعوامها الثلاثة، ليُعثر عليها بعد أربعة أيّام مقتولة، ويُقال إنّها اختُطفت على يد طفلة أخرى تبلغ 14 عاماً، بل قتلتها “خنقاً”، كما جاء في التحقيق، في تناقض مع قول والدتها التي تصرّح بأنّ جروحاً كانت على رقبة الطفلة وساعدها وساقها، وأنّ هناك “منقِّبين” عن الذهب والآثار من عامّة الناس ينساقون وراء سرديات خرافية تقول بتقديم أضحية. فهذه السردية، حتّى لو كانت غير موثقة، إنّما تكرّرت على لسان المقرَّبين، مع الإشارة إلى أنّ والدها صرّح بأنّه لا يستطيع التأكيد، فإنّ مجرّد ترداد هذه الحكاية يدلّ على فجوات خطيرة في الوعي وعلى النكوص نحو ماضٍ بعيد كانت الخرافة فيه تتحكّم بسلوك الناس وتفكيرهم.
في الواقع، لا بدّ من الاعتراف بوجود مشكلات متجذّرة لدى الشعب السوري، وبأنّ هناك نكوصاً ماضوياً يزداد ويتوسّع، وأنّ المجتمع يحتاج إلى كثير من العمل من أجل توعيته وإخراجه من القمقم الذي يميل إلى حبس نفسه فيه. هذا الإصلاح لا يتمّ بين يوم وليلة، أو في فترة قصيرة، خاصّةً أنّ الخراب متجذّر وليس وليد ليلة وضحاها، بل يلزمه وقت وتضافر جهود وعمل مؤسّسات من أجل تغيير الأفكار والقيم والمنظومات الأخلاقية الظالمة في قسم كبير منها، وتمكين النساء ومساعدتهن في التعرّف إلى أنفسهن والدفاع عن حقوقهن، وفي احتضان المجتمع لهن، كذلك التوعية بحقوق الطفل ورعايته، وما هي الحدود التي يحقّ للوالدين من خلالها ممارسة “سلطتهما” على الطفل، مع إصلاح المناهج التعليمية والقيام بأنشطة وثقافية وفعّاليات، وغير ذلك الكثير. لكن، إلى أن يجني المجتمع ثمار هذه الجهود، في ما لو توافرت النيّة، ويحدث التغيير المطلوب، لا بدّ من تحقيق الأمن في المجتمع، وتطبيق العقوبات الرادعة، وإصلاح القوانين، خاصّةً قوانين الأحوال الشخصية، وتفعيلها بصورة تضمن العدالة وحماية الشرائح المُستضعَفة خاصّة، النساء والأطفال، وإلّا فإنّ استمرار العنف بحقّ الأطفال، واستمرار خطف الفتيات، والقاصرات بشكل خاصّ، أو تزويجهن وحرمانهن من التعليم، سيفضي إلى جيل (كان المأمول منه البدء في إعادة بناء المجتمع والدولة) لن يكون سالماً أو معافى. فالعنف، خاصّةً الاعتداء الجنسي، يخلق أفراداً يعانون ما يسمّى بـ”التفكّك الصدمي”، أي الذي يحدث بسبب الصدمة. وهو من العواقب الخطرة والمعيقة، وهذا يحيل الطفل إلى فرد عاجز عن التأقلم والإبداع.
فعند مواجهة عنف مرعب وغير مفهوم، يجد الطفل نفسه مشلولاً نفسياً وجسدياً، فهذا ينبّه قشرة الدماغ لديه، لتحثّ الغدد على إفراز هرمونات التوتّر مثل الأدرينالين والكورتيزول، وهي غريزة تجعل الجسم متأهّباً أمام الخطر، إمّا بالقتال أو بالهرب، ما يُعدّ إنذاراً لا يمكن لأطفال التحكم به. فالبالغون هم مَن يستطيعون ذلك، لأنّ قشرة المخّ لدى الأطفال غير ناضجة تماماً. لذلك يستمرّ الإنذار في “الصراخ” في أعماق الأطفال، وتستمرّ الذاكرة الصدمية تفعل فعلها، ما يجعل الجسم يجد نفسه فعلياً في حالة توتّر قصوى، مع مستويات سامّة من الهرمونات، التي تمثّل خطراً على الحياة، على القلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي. وللهروب من هذه الحالة، يسعى الجسم، الذي لديه طرائقه الخاصّة الفيزيولوجية لترتيب وظائفه، فيفرز بعض النواقل العصبية أو الموادّ مثل المورفين والكيتامين والإندورفينات وغيرها ليضبط الحالة الشعورية أو العاطفية. موادّ تعمل مخدّراً للجسم، ما ينجم عنه حالة من التخدير العاطفي والجسدي، وشعور باللاواقعية، والغرابة، والغياب، ممّا يُعطي الطفل إحساساً بأنّه مجرد مشاهد للأحداث، كأنّه يشاهد فيلماً، وكما لو أنّ القشرة الدماغية مفصولة، والاستجابة العاطفية مطفأة. وهذا ما يُسمّى بـ”التفكّك”. والأخطر أنّ عتبة تحمّل الأطفال للألم تزداد، ويمكن أن ينمو هذا الاعتياد على العنف، ويشمل العنف المستشري بقوّة في مجتمعاتنا والمسكوت عنه في مجالات كثيرة، خاصّةً العنف الجنسي الذي يتعرّض له الأطفال، والبنات منهم، بخاصّة، يلقين مصيراً يفوق الخيال: “القتل صوناً للشرف واتقاءً للفضيحة”، كما حصل للطفلة نور.
إنّها من أخطر المشكلات التي تتفشّى في المجتمع، المشكلات التي لو تفاقمت أو طال أمدها، فستكون عاملاً مؤثّراً وكبيراً في تخريب جيل، بل أجيال. إنّه العنف متعدّد الأشكال الذي يتلقّاه الفرد منذ الطفولة.
