ملخص
تواجه بريطانيا فجوة متزايدة بين حجم التهديدات الأمنية التي تحيط بها ومستوى استعدادها لمواجهتها، في وقت تتراجع فيه المظلة الأميركية وتتسع أخطار روسيا والصين وإيران والهجمات السيبرانية. ولا يكفي رفع الإنفاق الدفاعي وحده، بل تحتاج البلاد إلى تعزيز قدرتها على الصمود وحماية البنية التحتية والاستعداد للحروب الهجينة والذكاء الاصطناعي، مع إعادة فتح النقاش حول الخدمة الوطنية.
بجملة واحدة بسيطة لكنها عميقة، قالها خلال جلسة المساءلة في مجلس العموم، كشف رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام عن سوء فهم خطر للتهديدات الخارجية التي تواجهها بريطانيا.
فعندما قال أمام مجلس العموم هذا الأسبوع: “نبذل كل ما في وسعنا لدعم أمننا القومي، لكن ذلك لا يمكن أن يأتي على حساب الضمان الاجتماعي”، بدت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك مصدومة، وكان من حقها ذلك.
فالأمن هو الواجب الأول لأي حكومة، لأن كل شيء آخر يعتمد عليه. وببساطة، لا يمكن أن تكون هناك دولة رفاه إذا انتقلنا إلى حال الحرب.
وكان تعليق بيرنهام بالغ الخطورة إلى حد جعلني أتساءل عما إذا كان قد أفصح من دون قصد عما كان ينبغي أن يبقى مسكوتاً عنه. فقد كشف عن خطأ جوهري في تقدير حكومته للأولوية التي يفرضها ملف الدفاع الآن، وربما، وهو الأكثر إثارة للقلق، عن قبولها بتراجع بريطانيا عن دورها التقليدي على الساحة الدولية.
وإذا تجاوزنا إعلانات بيرنهام في شأن أسعار الحافلات والتشرد، على أهميتها، فإن الصورة تبدو قاتمة. فالعالم من حولنا أصبح أقل عولمة وتعاوناً وقابلية للتنبؤ، وأكثر انقساماً وتصادماً واستعداداً للصراع. وباتت الحدود بين السلم والحرب أكثر ضبابية، فيما تثير أوجه الشبه مع أواخر ثلاثينيات القرن الماضي القلق.
فالولايات المتحدة تتراجع عن دورها ضامناً لأمن الغرب. وروسيا والصين تعمقان شراكتهما الاستراتيجية وتوسع كل منهما دائرة نفوذها. أما إيران فتؤجج عدم الاستقرار في أنحاء الشرق الأوسط.
وبدأ خصومنا بالفعل التعاون واختبار قدراتنا من دون بلوغ عتبة الحرب التقليدية، من خلال الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتضليل والإكراه الاقتصادي واستهداف البنية التحتية الحيوية.
ومع ذلك، لا تزال بريطانيا تتعامل مع هذه الأخطار بقدر مقلق من التراخي. ويكرر رئيس الوزراء تعهده برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو ما يبدو مثيراً للإعجاب إلى أن تنتبه إلى الموعد: بعد نحو عقد من الآن. فكيف سيبدو العالم عندها؟ التهديدات لن تنتظر في هدوء.
وأوروبا تدرك ذلك. فدولها تحدث جيوشها، وتعيد بناء قدراتها الصناعية، وتعزز قدرتها الوطنية على الصمود. وبعضها يعيد النظر في الخدمة الوطنية. وفي المقابل، تنصح بريطانيا الأسر بتخزين المياه والأطعمة غير القابلة للتلف تحسباً للطوارئ، وتدرس سبل تعبئة الاحتياطات الاستراتيجية.
لكن الضغوط التي تتعرض لها موازنة وزارة الدفاع تعني أن الجيش يقلص تدريبات الرماية بالذخيرة الحية والمناورات المشتركة بين أفرع القوات المسلحة لتوفير المال.
وبالطبع، يتعين على أي مجتمع متحضر حماية الفئات الضعيفة. لكن ثمة حقيقة أساسية غائبة ينبغي لوزير الخزانة الجديد جون هيلي، وهو وزير دفاع سابق، أن يدركها: من دون أمن لا يوجد اقتصاد، ومن دون اقتصاد لا توجد دولة رفاه. والحرب الحديثة لم تعد تقتصر على الدبابات والسفن والطائرات، إذ باتت خطوط المواجهة تشمل شبكة الكهرباء والأقمار الاصطناعية والكابلات البحرية والمصارف وسلاسل التوريد والمستشفيات والبيانات.
والعطل الكارثي الذي أصاب نظام مراقبة الحركة الجوية هذا الأسبوع، والذي لا يُعزى حتى الآن إلى هجوم سيبراني، أظهر كيف يمكن لتعطل نظام حيوي واحد أن تمتد تداعياته إلى أنحاء البلاد. كما تكشف محنة شركة “جاغوار لاند روفر” حجم العواقب الاقتصادية التي قد تنجم عن هجوم سيبراني واحد. وتمنحنا نقاط الضعف هذه لمحة عن الوجه الخفي للصراعات الحديثة، حيث يصعب إثبات الجهة المسؤولة عن الهجوم، فيما تبدو بريطانيا غير مستعدة على نحو مقلق لمواجهة هذا النوع من التهديدات.
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف بعداً آخر. قد يبدو الحديث عن ذكاء اصطناعي فائق يدمر البشرية أمراً بعيداً في الوقت الراهن، لكن الخطر الأكثر إلحاحاً هو أن ينجح خصم ما في تسخير ذكاء اصطناعي متقدم، وربما دمجه بالحوسبة الكمومية، لشن هجمات سيبرانية غير مسبوقة تغير قواعد اللعبة، فتتعطل الأنظمة المصرفية والاتصالات والكهرباء في وقت واحد.
والأكثر إثارة للرعب هو تخيل أن تجعل التكنولوجيا تطوير عامل بيولوجي جديد أسهل، بينما يعمل الخصم سراً على تطوير وسائل تحمي سكانه منه. هذه هي ساحة المعركة المعقدة التي ينبغي لنا، كدولة، أن نستعد لها.
وبريطانيا لا تحتاج إلى زيادة الإنفاق الدفاعي فحسب، بل إلى تعزيز قدرتها الوطنية على الصمود أيضاً: دفاعات سيبرانية أقوى، وبنية تحتية محمية، واحتياطات استراتيجية، وتخطيط جاد للطوارئ المدنية، وأنظمة موثوقة للدفاع الجوي والصاروخي. بل ينبغي أن نتحلى بالثقة الكافية لفتح نقاش حول الخدمة الوطنية.
على مدى قرون، أدت بريطانيا أدواراً تفوق حجمها. فقد عززت قوتها العسكرية قوة ناعمة استثنائية تمثلت في الدبلوماسية والاستخبارات والتحالفات وبرامج التنمية وفن إدارة شؤون الدولة بهدوء واقتدار.
كثيراً ما تطلعت دول أخرى إلى بريطانيا لتقود في القضايا الأمنية، لكن لا معنى للحديث عن القيادة إذا لم تسندها قدرات حقيقية. وقد تتعرض بريطانيا لهجوم خطر في إطار ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية”، أي دون بلوغ عتبة الحرب التقليدية، قبل أن تتحرك الحكومة لمواجهته.
وإذا أراد حزب العمال الحفاظ على أمن البلاد وازدهارها ونفوذها، فلا يمكن التعامل مع الأمن باعتباره مجرد بند إنفاق آخر يتنافس على ما يتبقى من الأموال بعد حماية سائر أوجه الإنفاق الحكومي.
توبياس إلوود وزير سابق في الخارجية البريطانية، ورئيس سابق للجنة الدفاع في مجلس العموم، ومؤلف كتاب “عشر خطوات لمنع اندلاع الحرب العالمية الثالثة” الصادر عن دار بونيير.
© The Independent
