“قد تحيّرت في أمرك، فأنت في المجلس رجل لطيف، ولكنك حين تخلو إلى قلمك تنقلب إلى شيطان مَريد”.
(طه حسين مخاطبًا زكي مبارك عام 1939)
في إرهاصات النشأة
يكتب الدكتور زكي مبارك عن ميلاده بطريقته المعهودة، ومفاجأته للقارئ بلغة جديدة؛ حيث السخرية اللاذعة؛ حتى من ذاته، عندما يقول: “وَلدتني أمي في الخامس من آب/ أغسطس سنة 1891([1]) فأُضيفَ إلى الوجود خيرٌ جديد، وشرٌ جديد”.
نَشأَ زكي مبارك (1891 ــ 1952) معتزًا بنفسه، واثقًا من رأيه، فخورًا بعلمه، وكان يُعبر عن ذاته قائلًا: “أنا الدكاترة زكي مبارك على سِنّ ورُمح”، ولم تكن ثقته بنفسه ناتجة من فراغ، أو من زَهوٍ مريض؛ بل كانت لسِعة علمه، وعِصاميته الأبية التي دعته أن لا يداهن رجالات عصره من أهل السلطة والأدب، فلم يُهادن وزيرًا، أو مفكرًا، أو مديرًا، بل كان بعض قرائه يخشونه، حتى أن أحد قُرائه أرسل إليه رسالة على صفحات “البلاغ” في تشرين الثاني/ نوفمبر 1949 يقول فيها:
“رسالة إلى الدكتور زكي مبارك: سيدي وأستاذي دكتور مبارك
لن أُفصح عن اسمي، فأنا أخشاك، أخشى قلمك السليط، ومغالطاتك المنطقية المحبوكة، وقفشاتك المسبوكة، لهذا أرجو أن تعتبر كتابي هذا من مجهول، ولكنه ليس جاهلًا”…
كان زكي مبارك متأثرًا بخبرات وروافد عديدة زرعت في نفسه شخصًا فريدًا، أو كما كتبت عنه الأستاذة زينب الحكيم في رثائها له في مجلة “الرسالة” في 21 نيسان/ أبريل 1952: “زكي مبارك هو ابن الأزهر المجتهد المستوعب، وابن الجامعات المصرية والفرنسية، وابن جامعة الحياة العملية والصحافة، رجل نابه من الريف ينزح إلى القاهرة للتعلم، لم يتملق عظيمًا، ولم يستجد ثريًا لينجح في دراساته، أو لينال رزقه”….
وقد منحته نشأته القروية، والصوفية في قرية سنتريس – التابعة لمركز أشمون في محافظة المنوفية – ميولًا أدبية؛ حتى أنه يصف نفسه بفخر؛ عندما يتذكر أمه، تلك السيدة القروية التي “خرجت من سنتريس، وأنجبت أعظم كاتب وأجمل شاعر” كما قال؛ وازدهرت روحه بِقُربهِ من الشيخين المرصفي، ومحمد المهدي، اللذين دفعا طلاب الأزهر إلى الأدب، فتفتحت أمامه آفاقٌ جديدة، وأتقن الفرنسية حتى يقرأ الأدب الفرنسي، وما إن هَبّت ثورة 1919 حتى كان خطيبًا لها باللغة الفرنسية، يستقبل الوفود الأجنبية ورجالات الصحافة العالمية، فيقف بِعمامته أمامهم يشرح لهم موقف الأزهر المُحَاصر من الجنود الإنكليز. وزادته تلك الأحداث صلابة، وجعلته من خطباء الأزهر في ثورة 1919، ما أدى إلى أن اعتقله الاحتلال في ثَكنات قصر النيل. رفض مبارك بروحه الثورية مساومات الإنكليز مقابل إطلاق سراحه، بل زادته تلك التجربة وطنيةً وعنادًا، فكتب إلى صديقه أنيس ميخائيل رسالة قال له فيها:
“وأُقسم لو سَلّمَ المصريون جميعًا، وخرج مصطفى كامل من قبره فصافح الإنكليز لما كان في ذلك ما يُزحزحني قيدّ أُنملة عن معاداتهم حتى يكون الجلاء”.
استمرت تلك الروح المتمردة نابضة في كل مسيرة حياته حتى مماته؛ حتى أنه كتب في عام 1936 مقالًا في “الهلال” بعنوان “عندما يوافيني الموت” تحدث فيه بروحه الصلبة المتمردة حتى في حضرة الذات الإلهية قائلًا: “سُيرفع الحجاب بيني وبين الله، وسأسأله بلا تهيب: كيف رضي أن يخلق بعض من خَلق في هذا الوجود؟”.
منهجه المتمرد في الكتابة والأدب
يُعَدّ “الدكاترة مبارك” بِحقّ نموذجًا للأديب والمفكر المتمرد، فقد كانت طريقة كتابته طريفة وصادمة، ولم يعتد أدباء ذلك الزمان على الجهر بها، وكانت لُغة الابتذال سائدة في كتاباته، ومقالاته، وهي لغة احتجاجية بجدارة؛ فهو يكتب عن انخراطه في أعمال سيئة، وسلبية، ليس من باب اعتزازه بالخطأ، بل من أجل الكشف عن حقائق النوايا التي نُخفيها، ونكره أن نُصرّح بها، أو يطلع عليها الآخرون، فقد ابتعد عن تزيين كلامه، وادعاء الفضيلة والنزاهة التي كانت تجري على ألسنة الأدباء والنُقاد، وكأنه كان يخلع عن نفسه الأقنعة المألوفة في الحياة الأدبية والاجتماعية، حتى يُطل علينا بوجه صريح يصيح فينا: ألا تستحون من كذبكم وخداعكم؟!
نَظَرَ زكي مبارك في ذاته؛ فكتب ما رآه، ولم يُخف شيئًا، فالأدب عنده هو مرآة الذات، ولا ينبغي أن تكون مرآة مشوهة، حتى أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قال عنه ساخرًا: “إن أكثر أدب زكي مبارك في الحديث عن زكي مبارك”.
أَصرَّ زكي مبارك على كشف حقيقة وزيف المجتمع عبر كشف حقائق ونوايا نفسه، فلم يقبل الترفع والإنكار المصطنع للأدباء، حتى أنه كتب عن ذكرياته في العمل مفتشًا بوزارة المعارف: “كان لي أسلوب في مضايقة المدرسين، أسلوب بديع، ولكنني لم أبتكره للأسف، وإنما ابتكره شيوخ لنا من قبل…”. ويكشف مبارك عن شِدته مع المدرسين طمعًا في الترقي، أو كما قال “لأبقى مفتشًا وأنتقم من المدرسين الذين يهمُّون بنقد مؤلفاتي وأشعاري في الجرائد والمجلات”، ولم يكن هذا الاعتراف من زكي مبارك إلا سخرية مُبطنة تجاه كل من يتقلد سلطة أو مكانة وظيفية، فأراد أن يصف الصراع الخفي ـ بين الرئيس ومرؤوسيه ـ الذي يجري باسم النزاهة، والأمانة، بينما هو لأغراض شخصية، وقد عانىَ الدكتور مبارك من ذلك الصراع مع رؤسائه الذين أطاحوا به مرات عدة من كل وظيفة يتقلدها؛ لأنه انتقد أفكارهم.
كان حديثه عن نفسه مُدهشًا، فلم يفعل كاتب قبله أن مَجّد نفسه علنًا. كتب في “الهلال” عام 1936:
“وأُجزم بأن الله خلقني خلقة نقية لا نظير لها ولا مثيل”، فهو يُخرج علنًا ما يضمره الأدباء عن أنفسهم ويترفعون عن قوله؛ ففي مقاله “عندما يوافيني الموت” الذي نشره في “الهلال” أيضًا عام 1939 يقول “أنا لست بالرجل الهين، فلي دلال على الله، لأني أقرب إليه من جميع الناس بعد الأنبياء”.
جرأته في الكتابة وشدته في النقد
| ناقض زكي مبارك رؤية طه حسين (الصورة) حول انتماء المصريين إلى الفرعونية أو إلى العروبة |
انطلق “الدكاترة مبارك” من ذاته المتمردة على كل قواعد الكتابة ونظامها، فتلك القواعد كانت متاريس العقل التي حاول مبارك فتحها عبر التصريح بما نحاول أن نخفيه ونكتمه، فإذا كان أعداؤه ورؤساؤه كرهوا صعود نجمه فهو قد انتصر عليهم بلغته الجديدة، وصراحته الفريدة، وجرأته العجيبة.
كانت طريقة زكي مبارك في الكتابة لا تعجب كثيرين؛ حتى أن أحد الأساتذة الذي ناقشه في الدكتوراة عام 1926 اتهمه بأنه باحث متعسف مشاغب، وقال عنه أحد أصدقائه “كأنه خُلق ليسبب للعقول (رجة) لا قِبل لأحد على احتمالها”.
ولم يخجل الدكتور زكي مبارك من ذكر علاقته بالمرأة، وكان واعيًا أن الناس يتهمونه بالمجون، حتى أنه كتب صراحة عن تجربته في السوربون قائلًا: “كانت عيني لا تقع على الأساتذة، وإنما كانت تقع على الطالبات، وهُنّ في دروس الأدب أكثر من الطلاب، والفتيات هناك يفهمن وحي العيون”، غير أن عددًا من النُقاد ذكروا أن مُجون الدكتور مبارك لم يكن واقعيًا، بل كان تعبيرًا فنيًا حاول به مبارك تمثيل وتقمص دور الماجن ليكشف لجمهرة الأدباء عن الرغبات التي يتسامون عنها في كتاباتهم ولا يقتربون منها.
رفض زكي مبارك اتهام النُقاد له بالخلاعة والمجون، ورأى في ما يكتبه لونًا أدبيًا يرتقي بالذوق الفني، فالناس يقبلون من رجل الدين أن يكون مشغولًا بسرد الرذائل وعَدّ المنكرات؛ أما الكاتب كما يقول مبارك “المفتون بما أودع الله هذا العالم من روائع الحُسن وبدائع الجمال فهو في رأيهم كاتب ماجن خليع”.
وقد دافع الدكتور زكي عن حضور الأنثى في أدبه، حيث قال في ندوة ألقاها عندما كان يعمل في دار المعلمين العليا في بغداد عام 1937: “لا تَعجبوا من حرصي على تدوين الجانب النسائي في الحياة الأدبية، فأنا واثق بأن الرَجة الاجتماعية التي يمثلها اختلاط الجنسين في الجامعة المصرية سيؤدي إلى نتائج منها المقبول والمرذول”، أي أنه يعود دائمًا إلى المجتمع وتحولاته المتسارعة، ولا يقف بأدبهِ على مجرد خيال المؤلف، والحنين إلى القديم، فلا يمكن أن يخدع القارئ عندما يُصور له أدبًا مُغلفًا، صامتًا عن الحياة والحقائق الاجتماعية.
ويكشف هذا الجانب عن نمط ثوري في شخصية زكي مبارك، فهو يرى أن تحولات المجتمع وحركته مُلهمةً للأدب والفكر، لكننا نسعى إلى إيقافها وتجميدها عبر معانٍ وأفكار قديمة، حتى أنه قال صراحةً: “هل تُصدقون أنني لا أستريح إلى الدعوة التي تكررها الجرائد في الصبح والظهر والمساء، أي الدعوة إلى الوفاق والاتحاد والائتلاف؟”.
ويتيقن المتتبع لكتابات الدكتور زكي أن لغته الصريحة الصادمة تتفق مع أغراض الكتابة “الاجتماع ـ فنية” لديه، فهو يكتب انطلاقًا من رؤيته الاجتماعية الهادرة، بلا مواربة أو مراعاة للتقاليد السارية، فإن كان معجبًا بالمرأة الجميلة، كتب عنها، مفتونًا بغوايتها؛ وإن ضاق صدره بها فلا يتوقف عن لعنها، ووصمها بأحط العبارات في أغراض أخرى للكتابة، أو كما قال “المرأة هي الجحيم الذي نتمرن به على الإقامة في سَقرْ، هي البلاء الذي يصبه الله على رؤوس العباد، هي الشقاء المعجَّل، والكرب الذي يسبق الموت”، وقد لا تجد من بين كل كُتاب مِصر آنذاك من يستطيع أن يكتب بتلك الجرأة والصراحة في الإعجاب بالمرأة ثم ذمها وتقبيحها، وكأنه أراد أن ينقل لنا عالمين مختلفين لا يتجاسر كاتب أيًا كان على أن يقترب منهما.
ويفسر الكاتب فتحي رضوان (1961) تلك الحالة المتناقضة لدى زكي مبارك بأنه كان ريفيًا أصيلًا في مشاعره واندفاعه، إذ لم يعرف التوسط قط؛ فبينما كان يرفع المرأة التي يحبها إلى مرتبة التقديس، لم يكن يتردد في الهبوط بها إلى أدنى الدرجات واستخدام لغة صادمة في حقها إذا ما سخط عليها.
وقد يكون هذا التصور لا يوافق شخصية الدكتور زكي؛ فموقفه المتناقض ليس اندفاعًا ريفيًا كامنًا، ولكنه توتر اجتماعي يحيط به، وهو يتفق مع روحه القلقة المضطربة، فتارةً يكون عاشقًا، وتارةً يكون ساخطًا، وهو ما يعكس وعيه بالنفس الإنسانية وتقلبها وفقًا للمواقف الاجتماعية، فالمرأة الجميلة في موقف العشق؛ غير تلك المرأة المُتعَبة في موقف المطبخ، وإدارة شؤون المنزل، والصراعات اليومية، فــ ليلى المريضة في كتابات وأشعار الدكتور زكي ليست هي أم العيال، حتى أنه كتب بجرأة، قائلًا: “لقد كنت صالحًا للكُفر بالله والرسول، ثم صدتني الآية الكريمة: “إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم”، فهذه الآية تشهد بأن القرآن نفحة سماوية”. ويصل الدكتور زكي إلى أن موقفه السلبي من المرأة التي تتصيد العيوب فيقول:
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيت قَعيدَته لَكّاع…
لقد كان الموقف الاجتماعي بدينامياته وسيولته هو مرجعية الدكتور زكي في الكتابة والتأليف، ومن ثم اختلف تقييمه وحكمه وفقًا للموقف الذي يواجهه، أي أن سيولة المرجعية، وذاتية المؤلف، كانت حاضرة في رؤيته وكتاباته، وهما يتقاطعان مع عالمي الحداثة وما بعد الحداثة، حيث كانت كتابات الدكتور زكي فريدة وعزيزة، وسابقةً لعصرها.
وكانت تلك المرجعية مفيدة لموضوعية الدكتور زكي، فبرغم العداوة الشرسة بينه وبين طه حسين، فإنه لم يجد حرجًا من دعمه، والدفاع عنه في لحظات كانت حِدة المعركة الأدبية بينهما ملتهبة، ففي عام 1932 فُصِلَ طه حسين من الجامعة، فكتب عنه دكتور زكي: “يزعم فريق أنه ملحد، ويزعم آخرون أنه يدعو إلى الفسق والمجون، وأقسم بالله صادقًا ما رأيت من هذا الرجل وقد صاحبته اثني عشر عامًا إلا القلب الطيب، والأدب البارع، والخُلق المتين”.
بين زكي مبارك وطه حسين
إن كلًا من طه حسين وزكي مبارك نشأ في الريف، وانطلق من الأزهر والتراث، وكلاهما تَعلمَ ودرس في فرنسا، وفي السوربون، وكلاهما نَهِلَ من الثقافة الفرنسية، وافتتن بها، غير أنهما على النقيض في الرأي والرؤية، ولم يتفقا إلا في جرأتهما الشديدة، فالدكتور طه حسين كان جريئًا في نقد التراث، بينما كان زكي مبارك شديد الجرأة في نقد مجتمعه بكل رموزه وتقاليده وسلوكه، والكتابة عنه بروح ساخرة ناقمة، فلم يجد بُدًا من كشف ما بذاته مما يخفيه الناس ويتكلفون إنكاره.
وكان الدكتور زكي لا يتسامح مع أي نقد لكتاباته، حتى أنه كان يقول “هل من العدل أن أظلم نفسي، وأنصف الناس؟”. وكان لا يلين في مواجهة أساتذته، ففي خلافه الشهير مع المسيو “مرسيه” أصر مبارك على مواقفه الرافضة لأفكار المؤرخ الفرنسي، حتى أنه قال له “ستُباد أحجار جامعة باريس، ويبقى كتاب النثر الفني”، ذلك الكتاب الذي يفخر به مبارك، ويراه مرجعًا بارزًا لا مثيل له في تاريخ الأدب، ذلك الكتاب الذي عارضه الأستاذ الفرنسي، وطه حسين، وعندئذ تفجرت شرارة الخصومة الأدبية الأشرس بين الدكتور طه، والدكتور زكي، حيث رفض الدكتور طه ـ عميد كلية الآداب آنذاك ـ أن يكون لزكي مبارك العائد من السوربون عام 1931 أي مكان في الجامعة المصرية، الأمر الذي زاد من سخط زكي مبارك، وانخراطه في عداوة صريحة وعنيفة مع طه حسين.
وطوال عقد من الزمان؛ فتح زكي مبارك نيران النقد العنيف على طه حسين، ولم يجد فرصة، أو مناسبة، إلا وهاجم فيها عميد الأدب العربي، حتى كتب ذات مرة: “إن النصر سيكون حليف من يَصلون النهار بالليل في تثقيف عقولهم، أما الثرثرة الفارغة التي يعتصم بها أمثال طه حسين فلن يكون لها في عالم الجد بقاء”.
لم يغب طه حسين عن وعي زكي مبارك، بل كان حاضرًا في ذهنه كلما كتب، أو ألّف.
كانت النزعة الغربية التي ارتبط بها طه حسين مادة سهلة كي يستخدمها الدكتور زكي في معركته ضده، وبدأ الخلاف عندما رفض زكي مبارك الزعم بأولوية حضارة اليونان في التاريخ الإنساني، ومن ثم تمجيد الحضارة الأوروبية، أو كما قال صراحة “سَايرَ الدكتور طه الباحثين الأوروبيين في القول بأن الثقافة الأوروبية هي مصدر الثقافة الإنسانية، وأن الناس في الشرق والغرب، وفي جميع الأجيال، مدينون لثقافة اليونان”.
وكانت معارك ممتدة، لا تهدأ جذوتها حتى يَحمَىَ لهيبها بسرعة كبيرة، وكان زكي مبارك سعيدًا بهذه الحال، فهو لا يعرف الهدوء والأفكار المريحة، فَصادفَ في عام 1938 مثلًا أن هاجم دكتور طه حسين ساطع الحصري ودعوته إلى القومية العربية، حيث صرح د. طه: “لا تصدقوا ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة فالفرعونية متأصلة في نفوسهم، وستبقى كذلك”.
كان ذلك كافيًا لإثارة حفيظة دكتور زكي، الذي شَنَّ هجومًا لاذعًا، حيث قال: “إن كل كاتب يزعم أن مصر ليست عربية، وإنما هي فرعونية فهو أحد رجلين: رجل مُغفَّل، لا يفطن إلى الدسائس الاستعمارية، أو رجل مأجور يعيش من فتات روما، أو لندن، أو باريس!”.
كان الدكاترة زكي مبارك ـ رغم ارتباطه بالثقافة الغربية ـ منتميًا إلى مصر العربية، ولا يجد فاصلًا بينهما، فكان يتكلم كثيرًا عن الروح العربية في دمِ كل مصري.
ولا نبالغ عندما نقول إن سِجال وحوار دكتور زكي مبارك مع فكر طه حسين كان مُثريًا للفكر المصري الحديث، وقد ساهم في بناء نسق فكري وثقافي نحتاج إلى أن نُعيد قراءته لدى عموم الشباب من الأجيال الحالية حتى نتمكن من حل مسائل الحرية، والنهضة، والحداثة، والهوية.
هامش:
[1] هنالك خلاف حول تحديد العام الذي وُلد فيه زكي مبارك، وإن كان أنور الجندي قد رَوجَّ أن الدكتور زكي وُلد عام 1892، إلا إن ابنته كريمة أكدت في مذكراته، التي جمعتها ونشرتها، أن أباها من مواليد آب/ أغسطس 1891.
* أستاذ مشارك في علم الاجتماع ودراسات الذاكرة ــ مصر.