يدخل الدوري السوري لكرة القدم لموسم 2025-2026، في نسخته الخامسة والخمسين تاريخياً، مراحله الأخيرة مثقلاً بكمّ هائل من الأزمات التي جعلت كثيرين، من داخل الوسط الرياضي وخارجه، يصفونه بأنه من أضعف المواسم التي مرّت على الكرة السورية، ليس فقط على المستوى الفني، بل من حيث حجم المشكلات الإدارية والمالية والتنظيمية والجماهيرية التي أحاطت به منذ صافرة البداية وحتى اليوم. وتتوزّع المسؤولية بين اتحاد كرة القدم والأندية، لكن النصيب الأكبر من الانتقادات ذهب إلى مجلس إدارة الاتحاد، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة غير مسبوقة من الأزمات المتلاحقة، حتى بات الحديث عن بقائه نفسه موضع شك.

ويُعاني مجلس إدارة اتحاد كرة القدم من سلسلة أزمات متفاقمة تُهدِّد استمراره، فقد تفجّرت أزمة استقالات داخلية بعد استقالة عضو الاتحاد يعقوب قصاب باشي احتجاجاً على غياب الشفافية المالية وتهميش دور المجلس، تبعتها استقالة أحمد الخالد عضو الاتحاد والمشرف على منتخب الشباب. وبحسب مصدر من داخل الاتحاد، فضّل عدم الكشف عن اسمه، فإن ثلاثة أشخاص فقط يتحكمون بالاتحاد وينفردون بالقرارات، وهم رئيس الاتحاد فراس تيت ونائبه فادي الدباس وعضو الاتحاد موفق فتح الله، وهذا ما يؤكده رئيس المكتب الإعلامي أنس عمو الذي نشر على صفحته الشخصية على الفيسبوك خبر استقالته: «استقلت اليوم للمرة الثانية من اتحاد كرة القدم، بسبب تدخل عضو الاتحاد موفق فتح الله في عمل المكتب الإعلامي، بالإضافة للفوضى بالعمل، وغياب التنظيم، وتغلغل الفاسدين في مفاصل الاتحاد». ولعل هذا السبب هو الذي دفع عضو الاتحاد سليم سبع الليل للبقاء في مصر وعدم العودة إلى دمشق لمتابعة عمله كعضو اتحاد منتخب، وبذلك يُصبح المجلس على بعد استقالتين فقط من الانحلال الكامل وفق النظام الداخلي الذي ينص على حلِّ المجلس في حال استقالة 4 أعضاء، إلا إذا عاد أحد الأعضاء المُستقيلين أو كلاهما عن استقالته كما يُروَّج حالياً في كواليس اتحاد الكرة.

الأخطاء التحكيمية وشغب الملاعب لم يكونا جديدين على الدوري السوري، فهما من الأزمات المزمنة التي رافقت مواسم عديدة سابقة، لكن الجديد هذا العام كان وصول حجم هذه الظواهر إلى مستويات أكبر، سواء من حيث النتائج أو المشاهد الصادمة التي تكرّرت في أكثر من ملعب. فإلى جانب الغرامات المالية غير المسبوقة التي وصلت إلى نحو 500 مليون ليرة سورية (قديمة) على كل الأندية، برزت ظاهرة نزول الجماهير إلى أرضية الملعب في عددٍ من المباريات، والاعتداء المباشر على الحُكّام ولاعبي الفِرق المنافسة، عبر الضرب أو الشتم أو محاولات الترهيب، في سلوكيات خطيرة كانت محدودةً في السابق، وأظهرت اليوم هشاشة الإجراءات الأمنية والتنظيمية، ما دفع إلى تشديد العقوبات لتتجاوز الغرامات المالية إلى اللعب دون جمهور، ونقل مباريات خارج الأرض، مع التهديد بفرض عقوبات أشدّ، قد تصل إلى خصم النقاط أو الهبوط الإداري في حال استمرار الانفلات.

ومن جديد هذا الموسم أيضاً، حالات الاعتداء المُتكرّرة من أمن الملاعب على اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية للفرق، وكان آخرها في مباراة الكرامة والطليعة في حمص والتي أُقيمت دون جمهور بسبب عقوبة اتحادية على فريق الكرامة، حيث أَقدَم عنصر من أمن الملاعب على ضرب ثلاثة لاعبين داخل أرضية الملعب، علماً أن أمن الملاعب مهمته الأساسية ضبط الجماهير، لا الاعتداء على اللاعبين أو غيرهم.

الحَكم الدولي المُعتزل أحمد بلحوس، الذي قاد مباريات في الدوري السوري لأكثر من عشرة مواسم، وكان رئيس لجنة الحكام في محافظة حمص قبل أن يعتذر عن متابعة المهمة منذ عدة أشهر، وما زال يُكلف كمراقب حكام في بعض مباريات الدوري، يؤكد في حديثه للجمهورية.نت أن بعض الأخطاء التحكيمية هذا الموسم أثّرت بصورة مباشرة في نتائج المباريات، لكنه يرفض اختزال الأزمة بالحكام فقط، مُحمّلاً اتحاد الكرة المسؤولية الأكبر.

ويوضح بلحوس أن المشكلة بدأت منذ التحضيرات «الشكليّة» للموسم، إذ لم تُجرَ دورات تدريبية كافية، ولم تكن هناك جلسات تقييم مُنتظمة للحكام رغم الأخطاء المتكررة في مرحلة الذهاب، إذ انتظرت لجنة الحكام حتى مرحلة الإياب للاجتماع بهم، علماً أن هذا الاجتماع يُعقَد عادةً بعد كل ثلاث أو أربع جولات. ورغم أن اتحاد الكرة أطلق منصّة خاصة بالحكام، فإنها خطوة جاءت متأخرة ولا تغني عن جلسات التقييم المباشرة. ويرى بلحوس أن التعاقد مع الخبير المصري عصام عبد الفتاح لهذا الغرض خطوة إيجابية، لكن الواقع أكثر تعقيداً، لأن عدد الحكام القادرين فعلياً على إدارة المباريات لا يتجاوز أصابع اليدين تقريباً، بينما يعاني البقية من نقص الخبرة والدعم. يُضاف إلى ذلك أن اتحاد الكرة لا يعمل على تأهيل المزيد من الحكام، فضلاً عن قرب بعضهم من الاتحاد أكثر من غيرهم. يوضح ذلك بقوله: «تخيل أن حكم ساحة ومعه حكم مساعد تنقلا بين ثلاث محافظات وقادا مباراتين خلال أقل من 24 ساعة، هذه لا تحدث في كل دول العالم».

ويؤكد بلحوس أنه مهما بلغت كفاءة الحكم، فإنه سيرتكِب الأخطاء لا محالة نتيجة الجهد البدني وفقدان التركيز، خاصة أن التقنيات الحديثة المساعدة لم تجد طريقها إلى ملاعبنا، عدا أن أجورَ التحكيم لم تُدفَع حتى الآن من قبل الاتحاد، وهي مبالغ زهيدة مقارنة بباقي الدول، حيث يتقاضى حكم الساحة الدولي أقل من 100 دولار، يَدفَع منها تكاليف التنقل والطعام والشراب.

أمّا بشأن تقنية حكم الفيديو المساعد (var)، التي وعد اتحاد الكرة بإدخالها في الموسم القادم، فيرى بلحوس أن هذه التقنية ستخلق مشاكل جديدة إذا لم يُحسِن اتحاد الكرة التعامل مع الموضوع، لأن هذه التقنية تحتاج إلى مزيد من الحكام المؤهلين: «مو منطقي يكون حكم الساحة دولي وحكم الفار درجة أولى، بتمنى اتحاد الكرة يستفيد من الحكام الدوليين المتقاعدين قبل سنوات قليلة، حتى ما نوقع بمشكلة».

وبلغت الثقة باتحاد الكرة مستويات متدنية للغاية، نتيجة الغموض الذي يُحيط بملفات حسّاسة، في مقدمتها حقوق البث التلفزيوني، فقد أثار قرار اتحاد كرة القدم بتوزيع 10 آلاف دولار فقط لكل نادٍ من أندية الدوري الممتاز من عائدات حقوق البث صدمة واسعة، لا سيما أن الاتحاد سبق أن أعلن بيع حقوق البث لأربعة مواسم مقابل 3.81 مليون دولار، أي ما يُقارب 952.5 ألف دولار للموسم الواحد. وكان من المُفترض، نظرياً، أن تنال الأندية حصصاً أكبر بكثير إذا جرى التوزيع بصورة متساوية، الأمر الذي فتح باب التساؤلات والشبهات بشأن مصير بقية الأموال، وما إذا كان المبلغ المُعلن يُمثّل دفعة أولى أم الحصة الكاملة.

وتتضاعف صدمة الأندية بسبب الواقع المالي المتردي، فضلاً عن الديون المترتبة عليها والتي تتوارثها الإدارات المتعاقبة، حيث وجه اتحاد الكرة مؤخراً إنذاراً لخمسة أندية بسبب مستحقات متراكمة تجاه لاعبين ومدربين، مع تهديدات بالهبوط أو منع التعاقدات إذا لم تتم التسوية. والأندية هي الوحدة: 220.6 مليوناً، حطين: 134.6 مليوناً، تشرين: 40 مليوناً، الطليعة: 50.5 مليوناً، الجيش: 215 مليوناً. يضاف إليها المبالغ المفروضة على هذه الأندية وغيرها من لجنة الأخلاق والانضباط، الوحدة: 40 مليوناً تقريباً، حطين: أكثر من 70 مليوناً، تشرين: أكثر من 100 مليون، الطليعة: أكثر من 50 مليوناً. فضلاً عن الغرامات المفروضة على بقية الأندية. وفي حال عدم التسديد ستُقتَطع قيمة هذه الغرامات مباشرة من مستحقات الأندية من عائدات النقل التلفزيوني للموسم الحالي وربما من المواسم القادمة.

ومن زاوية الصحافة الرياضية، يُقدّم الصحفي ناصر النجار، الذي يواكب الدوري السوري منذ أربعة عقود، رؤية للجمهورية.نت تؤكد أن الموسم الحالي ليس حالة منفصلة، بل امتداد لأزمات سابقة متراكمة. ويرى أن وجود 16 فريقاً أضعف المستوى الفني ورفع عددَ الفرقِ المُهدّدة بالهبوط، ما خلق موسماً مرهقاً ومتوتراً. ويُشدّد على أن أزمة التحكيم تفاقمت بسبب كثافة المباريات وقلّة عدد الحكام المؤهلين. كما يتوقف عند أزمة الحضور الجماهيري، بداية من سعر تذكرة الدخول إلى الملعب والتي أصبحت هذا العام 15 ألف ليرة سورية (قديمة)، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة للمشجعين الذين اعتادوا ملء المدرجات في المواسم السابقة خلافاً لهذا الموسم. يقول: «تخيل أن رجلاً مع ولديه يريد أن يحضر مباراة، يمكن أن تصل التكلفة إلى 100 ألف ليرة بين تذاكر ومواصلات، هذا المبلغ يفوق قدرة الكثيرين من أصحاب الدخل المحدود».

لكن الأخطر، فيما يرى الصحفي ناصر النجار، أن بعض الجماهير لم تعد تكتفي بالاحتجاج من المدرجات، بل تجاوز الأمر في بعض المباريات إلى اقتحام أرضية الملعب والدخول في احتكاكات مباشرة مع الحكام واللاعبين، في ظاهرة وصفها بأنها تعكس حجم الاحتقان وفقدان الثقة. ويرى أن أكثر ما يستفز الجماهير ليس فقط التكاليف أو العقوبات، بل القرارات التحكيمية الخاطئة، إلى جانب الدور السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج التوتر والتحريض. ورغم كل ما سبق يعتقد النجار أن هذا الموسم يُمكن أن يُبنى عليه للمواسم القادمة إذا أحسنت إدارات الأندية الاستفادة منه وتدارك الأخطاء التي وقعت فيها.

على المستوى الفني، واصلت الأندية عاداتها السابقة من حيث استقالات المدربين أو إقالتهم، فمعظم الفرق بدّلت مدربيها، وكان أكثرها هذا الموسم فريق أمية الذي تعاقب على تدريبه 5 مدربين حتى الآن، يليه جبلة وتشرين والفتوة 4 مدربين، ثم الشعلة 3 مدربين. لكن جديد هذا الموسم هو ظاهرة المحترفين من خارج الدوري، وتمثّلت في استقدام أكثر من 40 لاعباً محترفاً، بعضهم من الدول العربية (فلسطين، مصر، الجزائر، تونس، المغرب )، وغالبيتهم من الدول الأفريقية (الكاميرون، نيجيريا، السنغال، غينيا، غانا، غامبيا، كوت ديفوار، الكونغو، بوروندي، رواندا، بنين). وباستثناء فريق الوحدة الذي ليس لديه أي لاعب محترف (ربما بسبب تعاقداته في فريق السلة) فإن بقية فرق الدوري الخمسة عشر تضمُّ لاعبين محترفين.

بعض هؤلاء المحترفين ترك بصمة واضحة، مثل محترف فريق أهلي حلب الكاميروني إيمانويل ماهوب الذي يتصدر قائمة هدافي الدوري (19 هدفاً) ومهاجم فريق الكرامة الفلسطيني إسلام البطران، ومهاجم فريق دمشق الأهلي الغيني أنطوني ريتشموند، وعدد آخر من المدافعين ولاعبي الوسط ، لكن العدد الأكبر لم يُقدّم الإضافة الفنية المرجوة، ما فتح باب التساؤل حول جدوى كثير من هذه التعاقدات، بين من يراها استثماراً حقيقياً ومن يعتبرها مجرد محاولة لإرضاء الجماهير.

وفي قلب هذا الجدل، يقول المدرب الوطني هشام شربيني، الذي يملك خبرة تمتد لنحو ربع قرن في الملاعب السورية، وسبق له العمل مع عدد كبير من الأندية السورية ومع المنتخبات الوطنية، إنه درب هذا الموسم فريق الشعلة الدرعاوي في الجولات الأربع الأولى قبل أن يعتذر عن متابعة المهمة، ثم قرر الابتعاد عن التدريب رغم العروض التي قُدِّمت له من عديد الأندية في مختلف المحافظات. في حديثه للجمهورية.نت يرى أن هذا الموسم من أضعف المواسم التي عايشها، لعدة أسباب تتجاوز النتائج إلى البنية نفسها. ويؤكد أن زيادة عدد الأندية إلى 16 فريقاً شكّلت عبئاً كبيراً على أندية تُعاني أساساً من هشاشة مالية، مشيراً إلى أن قلة قليلة فقط تملك استثمارات حقيقية، بينما تعيش البقية على المساعدات والهبات.

وعن ظاهرة المحترفين يقول: «هي أشبه بالموضة والغاية منها إرضاء الجماهير حتى لو على حساب المستوى الفني». ويستشهد بتجربته مع الشعلة حين تعاقد مع اللاعب المصري يوسف عبد الرازق مقابل 8 آلاف دولار، مقابل صفقات ضخمة مثل صفقة إسلام البطران مع الكرامة التي وصلت إلى 80 ألف دولار، معتبراً أن بعض الحالات قد تكون ناجحة استثمارياً، لكن الصورة العامة لا تعكس فارقاً فنياً كبيراً. الأخطر برأيه كان تجميد إلزام الأندية بإشراك لاعبين شباب، لأن ذلك سيحرم المواهب السورية من فرص التطور، وسيؤثر سلباً على المنتخبات الوطنية مستقبلاً.

ومع الوصول إلى المراحل الحاسمة، يعود الحديث مجدداً عن أخطر الملفات التقليدية في أي دوري مضطرب: بيع وشراء المباريات، والمراهنات الخارجية، علماً أن الدوري السوري أُدرج منذ سنوات على لوائح كبرى مواقع المراهنات العالمية، خاصة مع احتدام صراع الهبوط والبقاء وحسم اللقب، وهي ملفات، إن ثبتت، فلن تُهدّد نتائج موسم واحد فقط، بل صورة الدوري بأكمله. وإذا كانت كل هذه المشاكل تحدث في الدوري الممتاز للرجال وهو الواقع تحت الأضواء، فكيف تبدو الحال في بقية الدوريات (الدرجة الأولى، الدرجة الثانية، الشباب، الناشئين، السيدات).

ورغم هذا الواقع السيئ، بقي الدوري السوري، بكل مشاكله، مساحة جامعة تلتقي عندها مختلف الشرائح والانتماءات. الحضور في المدرجات تقلّص، والثقة اهتزت، والمستوى تراجع، والانضباط الجماهيري بات مُهدّداً في كثير من المحطات، لكن الشغف لم يمت. ربما يكون هذا الموسم واحداً من أكثر المواسم ضعفاً واضطراباً في تاريخ الدوري السوري، لكنه في الوقت ذاته قد يكون موسماً كاشفاً، أجبر الجميع على مواجهة الأسئلة المؤجلة: كيف تُدار كرة القدم السورية؟ أين تذهب الأموال؟ كيف تُحمى الأندية؟ من يُطوّر الحكام؟ كيف يُضبط الشارع الرياضي؟ وكيف يُمكن حماية جمهور ما يزال يرى في اللعبة جزءاً من هويته اليومية دون أن يتحول شغفه إلى فوضى؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما سيُحدد إن كان موسم 2025-2026 مجرد نسخة سيئة عابرة أو نقطة تحول حقيقية في تاريخ كرة القدم السورية.