خلدون الشريف… المصدر .. المدنفي لبنان اليوم، يكاد يكون من الصعب العثور على طرف سياسي لا يتحدث عن الدولة. فبعد الانهيار المالي، وانفجار مرفأ بيروت، والحرب التي لم تضع أوزارها بعد بكل ما خلّفته من شهداء وجرحى ودمار ونزوح، عاد الجميع تقريبًا إلى النقطة نفسها: الدولة هي الحل.
القوى المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة تتحدث عن الدولة. القوى التي اعتمدت تاريخيًا على أطر موازية لمؤسسات الدولة تتحدث عن الدولة. الدول العربية تتحدث عن الدولة. المجتمع الدولي يتحدث عن الدولة. حتى المبادرات الدولية المطروحة لمستقبل لبنان تبدأ من الدولة وتنتهي عندها.
لكن هنا تبدأ المفارقة. إذا كان الجميع متفقًا على الدولة، فلماذا لا تزال الدولة غائبة؟ وإذا كانت الدولة هي الحل، فلماذا تبدو في الوقت نفسه العقدة التي تعيق الوصول إلى هذا الحل؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة بعد نشر ورقة بحثية شديدة الأهمية لصندوق النقد الدولي حول الحوكمة والفساد في لبنان، وهو تقرير أُنجز في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ونُشر قبل أيام. وما يلفت الانتباه في هذا التقرير ليس فقط ما يقوله، بل الطريقة التي يرتب بها أسباب الأزمة اللبنانية.
فالتقرير لا يبدأ بالسلاح. ولا بالمصارف. ولا بالأزمة المالية. ولا حتى بالفساد.إنه يبدأ من الدولة. يبدأ بوصف لبنان بأنه “دولة هشّة”، ثم ينتقل مباشرة إلى النظام السياسي وآليات تقاسم السلطة، قبل أن يصل إلى المؤسسات العامة والقضاء، والإدارة، والرقابة، والاقتصاد.
قد يبدو هذا الترتيب تفصيلًا شكليًا، لكنه في الواقع يحمل دلالة سياسية عميقة.
فصندوق النقد لا يقول إن الأزمة المالية دمّرت الدولة، بل يقول عمليًا إن ضعف الدولة هو الذي سمح بتحول كل أزمة إلى كارثة وطنية. ولا يتعامل مع الفساد بوصفه أحد تداعيات الأزمة اللبنانية، بل يضعه في صلب الأسباب التي أدّت إلى الانهيار.
بل إن التقرير يذهب أبعد من ذلك حين يعزو الانهيار الاقتصادي في لبنان إلى منظومة كاملة قوامها الفساد البنيوي، والزبائنية السياسية، وضعف المؤسسات، وشبكات الرعاية السياسية، وغياب المحاسبة، وسوء الحوكمة.
بمعنىً آخر، لا ينظر التقرير إلى الانهيار باعتباره أزمة مصرفية أو مالية أو نقدية فقط، بل باعتباره أزمة دولة قبل أي شيء آخر.
ولعل الرقم الأكثر دلالة في التقرير هو إشارته إلى أن 97 في المئة من اللبنانيين يعتقدون بوجود فساد على المستوى الوطني. وهذا ليس مجرد رقم إحصائي عابر. فهو يكشف حجم الفجوة التي نشأت بين المواطنين ومؤسساتهم، وحجم فقدان الثقة الذي أصاب الدولة نفسها.
وحين يضيف التقرير أن لبنان يحتل مواقع متأخرة جدًا عالميًا في مؤشرات مكافحة الفساد وسيادة القانون، فإنه لا يتحدث عن حالات فردية أو أخطاء متفرقة، بل عن خلل بنيوي أصاب صلب النظام الإداري والسياسي.
والأهم من الأرقام نفسها هو ما يستنتجه التقرير منها. فالإصلاحات التي يقترحها لا تبدأ بضخ الأموال ولا بالحصول على المساعدات الخارجية، بل بإعادة بناء القضاء المستقل، وإصلاح مصرف لبنان، وتعزيز الرقابة على القطاع المصرفي، وإصلاح المالية العامة، وإعادة تنظيم المؤسسات العامة، وتعزيز الشفافية والمحاسبة.
وكأن التقرير يقول بوضوح إن مشكلة لبنان ليست نقصًا في الموارد أو التمويل، بل ضعف الدولة نفسها.
هذه الخلاصة تحمل دلالة سياسية لا تقل أهمية عن دلالتها الاقتصادية. فالانهيار الذي شهده لبنان لا يظهر في التقرير كأزمة مالية منفصلة عن سياقها، بل كنتيجة مباشرة لطريقة تنظيم السلطة وإدارة المؤسسات وتوزيع النفوذ وتعيين المسؤولين وغياب المحاسبة. ولذلك يتحول التقرير من دراسة اقتصادية وتقنية إلى ما يشبه تشخيصًا سياسيًا للدولة اللبنانية نفسها.
لكن هذا النقاش لا يأتي في ظرف عادي. إنه يأتي فيما لا تزال الحرب مفتوحة النتائج، ولا تزال آثارها الإنسانية حاضرة في كل بيت تقريبًا. آلاف الشهداء والجرحى، وأكثر من مليون لبناني اختبروا النزوح في مراحل مختلفة من الحرب، ومئات آلاف العائلات التي فقدت منازلها أو مصادر رزقها، وقرى مدمرة أو متضررة في الجنوب والبقاع، ومجتمعات كاملة تحاول استعادة الحد الأدنى من الاستقرار وسط القلق وعدم اليقين.
ومن البديهي أن تبقى الأولوية الأخلاقية والإنسانية إلى جانب الناس الذين دفعوا أثمان الحرب من أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. لكن التعاطف مع الضحايا لا يلغي الحاجة إلى طرح السؤال السياسي الكبير: كيف يمكن منع تكرار هذه المأساة مرة أخرى؟
هنا تحديدًا يصبح النقاش حول الدولة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فمنذ سنوات طويلة، اعتاد اللبنانيون مقاربة أزماتهم من خلال ملف واحد في كل مرة. مرة من باب السلاح. ومرة من باب الدستور والصلاحيات. ومرة من باب الاقتصاد. ومرة من باب المصارف. ومرة من باب الفساد.
لكن التجربة أثبتت أن معالجة ملف واحد بمعزل عن بقية الملفات لا تؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة. فالدولة ليست السلاح وحده، وليست القضاء وحده، وليست المصارف وحدها، وليست الإدارة وحدها.
الدولة هي الإطار الذي يجمع كل هذه العناصر معًا. ولهذا السبب تبدو المفارقة أكثر وضوحًا اليوم. فجزء كبير من اللبنانيين يناقش كيفية إعادة السلطة إلى الدولة، فيما السؤال الأكثر إلحاحًا قد يكون كيفية إعادة الدولة نفسها إلى الدولة.
فالدولة التي يُطلب منها احتكار السلاح هي نفسها الدولة التي يتحدث تقرير صندوق النقد عن ضعف أجهزتها الرقابية، وعن غياب المحاسبة الفعلية، وعن مؤسسات عامة لم تخضع لرقابة مالية سليمة لسنوات طويلة، وعن قضاء يعاني من التدخلات السياسية ونقص الإمكانات، وعن إدارة عامة استنزفتها الأزمات حتى باتت عاجزة عن القيام بكثير من وظائفها الأساسية.
من هنا، قد يكون الوقت قد حان للخروج من منطق المقاربات الجزئية نحو مقاربة أكثر شمولًا.فالحاجة الوطنية اليوم ليست إلى نقاش منفصل حول السلاح، وآخر حول الاقتصاد، وثالث حول القضاء، ورابع حول الإصلاح الإداري، بل إلى حوار وطني جديد ينطلق من سؤال الدولة نفسها.
حوار لا يشبه الحوارات التقليدية التي عرفها لبنان في مراحل سابقة، ولا يقوم على إعادة توزيع الحصص أو تثبيت موازين القوى أو البحث عن غالب ومغلوب. بل حوار ينطلق من إدراك مشترك بأن الدولة لم تعد مطلبًا سياسيًا لفريق دون آخر، بل أصبحت شرطًا لبقاء الجميع.
وإذا كان تقرير صندوق النقد قد انتهى إلى تشخيص أزمة الدولة، فإن المدخل الطبيعي لمعالجتها لا يمكن أن يكون إلا حوارًا وطنيًا صريحًا حول الدولة نفسها، لا حول أحد ملفاتها فقط.
وعلى مائدة هذا الحوار لا يمكن تجنب الملفات الكبرى التي تراكمت طوال العقود الماضية. في مقدمها تطبيق الدستور واتفاق الطائف بصورة كاملة ومتوازنة، حتى لو تطلب ذلك اعادة قراءتهم، فقانون الانتخابات واقرار اللامركزية مثلًا باتا يحتاجان لتفكير عميق وجامع ليشكلا المدخل الأساس لإدارة الدولة وعلاقات مكوناتها.
ويأتي بعد ذلك النقاش حول السلاح والاستراتيجية الدفاعية ودور الدولة في احتكار القرار الأمني والعسكري، بوصفه جزءًا من مشروع بناء الدولة لا ملفًا منفصلًا عنها.
كما لا يمكن تجاوز إصلاح القضاء وضمان استقلاليته، لأن أي حديث عن الدولة يفقد معناه إذا لم يكن هناك قضاء قادر على فرض القانون على الجميع.
ولا يمكن تجاهل إصلاح الإدارة العامة وأجهزة الرقابة والمؤسسات العامة التي أظهر تقرير صندوق النقد حجم التدهور الذي أصابها، ولا إعادة هيكلة الاقتصاد والقطاع المالي على أسس جديدة تعيد الثقة بين المواطن والدولة وبين لبنان والعالم.
هذه الملفات ليست متنافسة، ولا يمكن ترتيبها وفق منطق الأولوية المطلقة لهذا الملف، أو ذاك، أو لهذا الفريق، أو ذاك.
فحصر السلاح يحتاج إلى دولة. والقضاء الفاعل يحتاج إلى دولة. والإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى دولة. والدستور نفسه يحتاج إلى دولة قادرة على تطبيقه.
لذلك ربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تقرير صندوق النقد ومن سنوات الانهيار والحرب معًا هو أن لبنان وصل إلى مرحلة لم يعد قادرًا فيها على معالجة أزماته بالتجزئة.
لقد أمضى اللبنانيون سنوات طويلة يتجادلون حول أسباب انهيار الدولة. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو مختلف تمامًا: كيف يمكن إعادة بنائها؟
فبعد سنوات طويلة من البحث عن أسباب الانهيار، ربما آن الأوان للبحث الجدي في شروط الخروج منه.
الدولة ليست بندًا من بنود الأزمة اللبنانية. لقد أصبحت هي الأزمة نفسها، وهي الحل نفسه.