د. قاسم داود.. جريدة المدى
بعد سقوط النظام السابق اجتمعت كلمة نخبة من اهل المشروع الوطني في الداخل والخارج على تقديم النصح والمشورة المسؤولة والراي السديد للادارة السياسية العراقية البديلة تقوم على اعتماد الديمقراطية الية لتطوير مستويات السلطة وقاعدة لبناء الدولة العراقية الحديثة.
لم نتوقف ونحن نقدم راينا بطبيعة النظام الجديد عند حدود الراي والشروحات الفكرية على هامش التداول السياسي والقانوني اثناء بناء اول دستور وطني جديد للدولة الحديثة بل ذهبنا الى تاسيس حركة شكلناها بموجب المعيار الديمقراطي لكي تكون نبراسا وفرصة للشهادة على ولادة الدولة والدستور والخيار الاجتماعي المبني على قيم المشاركة في بناء التجربة الوطنية الحديثة.
خاطبنا الفئات والطاقات الوطنية المؤمنة بالخيارات الديمقراطية في بناء الدول وتركنا الباب مفتوحا لمن يريد ان يكون من اتباع الفكرة ووجدنا ان المسالة السياسية تحتاج الى رؤية مختلفة عن الخيارات الفكرية والعقدية الاخرى خصوصا خيار الاسلاموية السياسية ومرجعياتها وعناوينها المعروفة وكانت الاستجابة عميقة ومسؤولة وعد الامر في الحقيقة كاشفا تاريخيا اكد ان العراقيين لم يتجمدوا عند خيار الاسلام السياسي وعناوينه الحزبية بل ادركوا ان العقائد والاحزاب العقائدية التي تقوم على فكرة التطرف للمفاهيم الحزبية هي العقبة الكؤود والعقدة التاريخية التي وقفت حائلا دون ان ياخذ العراق فرصته في التنمية ومجاله في بناء مجتمع آمن وقد كان البعث وافكاره وعقيدته القائمة على تصنيم الفرد وتعظيم المنهاج الحزبي الزلزال الذي دمر العراق وادخله في انفاق الحروب والمآزق وقد تحول في النهاية الى مرمى دولي وساحة للعبثية والفوضى وميدانا لحروب الاحزاب والتيارات العقائدية والمليشيات المسلحة واذا كان صدام قد ربط مصير العراق وشعبه بمصير البعث واستمراره في السلطة فان الاحزاب الحالية رغم ادعائها العمل بالدستور والحياة الديمقراطية فقد ربطت المستقبل والامن والتنمية والسيادة وحركة البلاد بعقائدياتها ومجالاتها الفكرية المختلفة!.
من المؤكد ان شيئا من الخطا السياسي او التحريف المقصود طرأ على الحياة العراقية اثناء وبعد الفراغ من كتابة الدستور الوطني وسارت الحكومات العراقية على سياقه ولم تدرك تلك الحكومات ان هذا الخطا والانحراف عن جادة الهوية التكوينية للمجتمع والدولة القائمة على الديمقراطية سيكلفها سيادتها ويسلبها قرارها السيادي ويعطل امكانيات الدولة عن النهوض بالمسؤوليات الواقعية اولها استمرار الديمقراطية حلا وسلطة وفرصة وعدم الانجرار الى ما يحيل الدولة الى سلطة قائمة على ارادة مجموعة من الاشخاص يحكمون العقائد مقياسا لادارة الدولة ويفرضون الحظر على الراي الاخر بطريقة تجعل من عودة الحياة الديمقراطية القائمة على التعددية والقوة والسيادة المنيعة امرا مستحيلا بدليل ما يجري اليوم فقد تحول فريق سياسي حاكما بأمره يقرر السياسات ويعطل القوانين ويطلق اجراءات تتناغم ومايريد وكأن الديمقراطية التي ناضلنا من اجل سيادتها ثوب على مقاس هذا الفريق وليس رؤية لادارة نموذج وطني قدم العراقيون قرابين من الضحايا والمنافي والسنوات الطويلة من الجهود السياسية من اجله .
واقعيا.. من حق اي كتلة سياسية فائزة في الانتخابات تشكيل الحكومة واختيار الشخصية المناسبة لموقع رئاسة الوزراء لكن ليس من حق هذا التحالف الانتخابي ان يفرض طابعه ونموذجه العقائدي والفكري واضافة كتل بشرية واجسام مليشياوية اليه ويقدمها نموذجا شريكا في بناء الدولة وادارة الحياة الاجتماعية والاقتصادية وكان “حقه” في تشكيل الادارة السياسية يعني “تفويضا” في التحكم بارواح العراقيين ومصائرهم.
ان هذه السياسات المخلة بقيم الديموقراطية التشاركية من قبل الأحزاب الإسلامية وانتشار الفساد في إدارة الدولة أدت إلى افقار الدولة ووضعها في سكة المديونية وصلت مستوى عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين مع أن العراق في الحكومة السابقة شهد بناء موازنة ثلاثية لكن ذلك لم يمنع سقوط الحكومة الحالية في مستنقع الدين والعجز والافلاس الكامل!.
ان الديمقراطية التي اتفقنا على نصها وروحها ودستورها ونمطها وخياراتها في الدولة والمجتمع والعلاقة بالبيئات العربية والاقليمية والدولية المحيطة تعني التعددية وعدم الضغط على المواطن باحلامه واهدافه الانسانية ورفع اليد عن اختياره لنوع الحكومة التي تصرف شؤونه ورفض الوصاية على مقدراته فهو وصي نفسه وهو الذي يحدد دوره ومهمته واسلوبه في ادارة مقدراته والسلطة هي الاداة التي تنفذ ارادة المواطن في الدولة اما ان يكون المواطن تابعا لعقائد قادة المكونات الحزبية وطاقة عسكرية للقتال دفاعا عن الشخص والرمز فهو تحايل على النظام الديمقراطي الذي يعطي الحق للمواطن ومجتمع الدولة بالقتال دفاعا عن سيادة البلد وصيانة حدوده وزيادة الانتاج وتوزيع الموارد بالتساوي والنأي عن الازمات والعقد والاشكاليات السياسية والخلافات بين الدول والا فقدت الديمقراطية روحها والسلطة الديمقراطية مضمونها وسلوكها السياسي وهويتها الاجتماعية المسؤولة.
كان هذا الطرح الذي تميزنا به في حراكنا الديمقراطي استهوى طائفة كبيرة من اصحاب الراي والشخصيات الوطنية واصبحت الحركة جزءا من النسيج السياسي المسؤول عن تعزيز التجربة الديمقراطية في البلاد لكننا ولكي نضرب المثل الاعلى بالوطنية ورفض الذيلية رفضنا عروضا مالية كان التحالف الدولي قدمها لقيادة الحركة دعما لنهج الديمقراطية ومسارها في العراق وقلنا في وقتها ان قبول الدعم المالي سيقيد المشروع ويعطل الفعل الوطني ويترك اثرا سلبيا في سياق الحركة السياسية التي اقسم رجالها على العمل الوطني وعدم الاعتماد على الاخر الدولي الذي كان فتح خزائن قارون من اجل استيعاب المد الشعبي والنخبوي العراقي المنفتح على الادارة الجديدة بعد سقوط ارادة الحزب الواحد وحروبه ونهجه.
مادعاني الى تدوين هذه الفكرة ان التاريخ يعيد نفسه فبعد ربع قرن على سقوط النظام عادت التجربة الوطنية الى العمل بتوقيتات العقد الحزبية وارادة الفرد وقرار الزعيم وحاكمية فريق سياسي على المقدرات والامكانيات الهائلة في الدولة بمقاسه الخاص وقد شهدت البلاد خلال الفترة الماضية وتشهد مخاضات عسيرة بسبب هيمنة الاحزاب العقدية وضغوطها المستمرة لفرض ما تريد من سياسات بعيدا عن واقعيات ادارة الدولة وهاهم سادرون في غي المحاولة البائسة اليائسة فرض اربعة نواب لرئيس الوزراء في خطوة مدمرة للترضية والتسوية الحزبية واستقدام اشخاص لموقع النائب الاول للرئيس ليس لديهم خبرة او تجربة سابقة وبعضهم استقدم من سلك الشرطة منتسبا مرشحا للداخلية في الحكومة الحالية !.
بالمعيار الديمقراطي لايمكن تعيين اربعة اشخاص نوابا لرئيس الوزراء ودونك الدول الديمقراطية في العالم بل اقل الديمقراطيات في العالم العربي تخلو تماما من هذه “التوليفة” البائسة التي تكشف ان هذا الفريق بعيد كل البعد عن الحكمة والادارة الحسنة والاخلاص للشعب العراقي الذي بدا يتفنن هذه الايام باساليب النيل من هذا الفريق والسخرية من وجوده والغضب الشديد على سياساته الاخيرة باتفاق كامل اعضائه على رفع سعر الصرف!.
بعد ربع قرن على وجود الحاكميات الشيعية والسنية والتكوينات القومية الأخرى مابعد نهاية البعث اقولها صريحة واضحة انني بدات اخشى انهيار التجربة الديمقراطية التي ناضلنا من اجل قيامها بسبب الاخطاء الكارثية التي يرتكبها هذا الفريق السياسي وادعو اهل الحكمة من الشخصيات الوطنية الى وقفة مراجعة تضع فيها الخلافات السياسية جانبا وتساهم كل من موقعه او مجتمعين بوقف عمليات الهدم الجارية لاسس النظام انقاذا للبلاد من خطر الفوضى والضياع في متاهات خلاف الجماعة الذين اقسموا ثلاثا على عدم الاتفاق وإيصال البلاد إلى مسلسل حروب داعش والغبراء !؟