ملخص
يكشف تسارع الذكاء الاصطناعي والعمل الرقمي حاجة متزايدة إلى حماية التواصل الإنساني داخل المؤسسات، إذ لا تستطيع التكنولوجيا وحدها أن تبني التعاطف والقيادة والعلاقات التي تتشكل من التفاعل المباشر بين الناس. وتقدم تجربة “أون هاند” التطوع نموذجاً لاستخدام التكنولوجيا في خدمة الإنسان، عبر وصل المحتاجين إلى الدعم بالراغبين في المساعدة، وفي الوقت نفسه تنمية مهارات الموظفين وتعزيز روابطهم الإنسانية.
أسست شركة تكنولوجية لأنني لم أكن أستطيع شراء حاجات والدي.
كان أبي مصاباً بمرض “باركنسون” ويعيش في لندن، بينما كنت في برايتون مع أسرتي الصغيرة ووظيفة تستحوذ على كثير من وقتي. كنت أرغب في أن أكون إلى جانبه أكثر، لكن، كما هي الحال مع ملايين الأشخاص الذين يعتنون بآباء متقدمين في السن، كانت المسافة ومشاغل الحياة تحولان دون ذلك.
وأتذكر أنني فكرت: لا بد أن شخصاً ما يعيش بالقرب من منزل أبي ولا يمانع في شراء حاجاته أثناء تسوقه لنفسه. وظلت هذه الفكرة تراودني.
أعتقد أن الناس يخشون التكنولوجيا في الوقت الراهن، ولا سيما الذكاء الاصطناعي. لكنني أريد الحديث عما يحدث عندما نضع التقدم التكنولوجي في خدمة الإنسان.
أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي المهنية في قطاع التكنولوجيا، بما في ذلك العمل في شركتي “لاست مينيت.كوم”Lastminute.com و”فيستا برنت” Vistaprint، ورأيت ما تستطيع التكنولوجيا فعله حين تزيل التعقيدات من الحياة اليومية. فلماذا لا نفعل الشيء نفسه لتسهيل مساعدة الناس؟
وهكذا أنشأت تطبيقاً أطلقت عليه اسم “أون هاند”OnHand، مهمته ببساطة ربط الراغبين في المساعدة بكبار السن والمعزولين ممن يحتاجون إلى الدعم، سواء في التسوق أو قضاء بعض الحاجات أو حتى تبادل الحديث. وهي أمور بسيطة قد تحدث فارقاً كبيراً في يوم شخص ما.
ثم جاءت جائحة كورونا، لتصبح معها الحاجة إلى هذه المساعدة واسعة النطاق، وفي الوقت نفسه بادر آلاف الأشخاص إلى التطوع للمساعدة.
وعزز ذلك شيئاً كنت أعتقده منذ البداية: معظم الناس يرغبون في فعل الخير، وكل ما يحتاجونه هو من يجعل ذلك أسهل.
نعيش على الأرجح أكبر تحول في عالم العمل منذ بدأت مسيرتي المهنية. فالذكاء الاصطناعي يغير ما نفعله، والسرعة التي ننجزه بها، والمهارات التي ستحتاج إليها الشركات.
ويثير ذلك حماسي بشدة، لكنني أعتقد أيضاً أن هناك خطراً لا نتحدث عنه بما يكفي.
فكلما زاد اعتمادنا على التكنولوجيا في إنجاز العمل، ازدادت احتمالات تراجع التواصل الإنساني الذي تقوم عليه فعالية المؤسسات. وقد بدأ هذا النقاش مع انتشار العمل الهجين، فيما جعله صعود الذكاء الاصطناعي أكثر إلحاحاً.
كيف ينشئ الموظف الجديد علاقات مع زملاء خارج فريقه المباشر؟ وأين يتدرب الشخص على القيادة قبل أن يصبح مديراً؟ وكيف يطور الزملاء التعاطف والتواصل والقدرة على ابتكار حلول للمشكلات، فيما يعتمدون بصورة متزايدة على آلة لإنجاز مهامهم.
أعتقد أن التطوع يمكن أن يكون جزءاً من الإجابة.
رأيت مجموعات من زملائي في “أون هاند” تلتقي في أنشطة تطوعية من دون معرفة سابقة تُذكر، ثم تنصرف بعدما تعاون أفرادها على حل مشكلة حقيقية. وفي مثل هذه المواقف، تتراجع أهمية الألقاب الوظيفية، وقد يبادر إلى القيادة شخص لم يكن أحد يتوقعه، فيما تنشأ أحاديث بين زملاء ربما لم تكن لتجمعهم فرصة لقاء في ظروف العمل المعتادة.
وهناك يتعين عليهم أن يصغوا بعضهم إلى بعض، وأن يتكيفوا ويتواصلوا ويتعاونوا. وهم بذلك لا يقدمون شيئاً للمجتمع فحسب، بل يكتسبون هم أنفسهم خبرات ومهارات جديدة.
وهذا، بالنسبة إلي، يفتح أمامنا مرحلة جديدة. فنحن لا نسعى ببساطة إلى تزويد الموظفين بقائمة أطول من الأنشطة التي يمكنهم المشاركة فيها، بل إلى بناء منظومة تساعد الشركات على تحويل رغبتها في إحداث أثر إلى مشاركة فعلية، من خلال اختيار الفرص المناسبة، وجمع فرق العمل، وإطلاق المبادرات، وتقديم أدلة موثوقة على النتائج التي تحققها.
وفي الوقت نفسه، لا بد أن تعود هذه المشاركة بالنفع أيضاً على المؤسسات الخيرية والمجتمعات التي تعمل معها.
وبعد نحو سبعة أعوام من الفكرة الأولى التي راودتني بشأن شراء حاجات أبي، أجدني أعود إلى جوهر ما بدأ منه كل شيء: التواصل الإنساني.
فالتكنولوجيا هي التي أوحت إلي بفكرة ربط شخص يحتاج إلى المساعدة بآخر مستعد لتقديمها، واليوم نستخدمها لتوسيع هذا الربط إلى نطاق هائل.
ولعل المفارقة في أنني أبني شركة تكنولوجية هدفها إحداث أثر في عصر الذكاء الاصطناعي، هي أنني أصبحت أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأن القيمة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في ما ينشأ بين الناس من خلال استخدامها.
يشارك سانجاي لوبو، مؤسس “أون هاند” ورئيسها التنفيذي والحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية (MBE)، قصته خلال “قمة إمباكت أنليمتد” Impact Unlimited Summit في “ريتش ميكس” بشرق لندن في 30 سبتمبر (أيلول). ويبلغ سعر التذكرة 126.48 جنيه إسترليني، وهي متاحة عبر “إيفنت برايت” Eventbrite.
