تفتح المملكة السعوديّة أسواقها أمام الصادرات اللبنانيّة، بتوجيه من وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان بناء على طلب رئيس الجمهوريّة جوزف عون. في الخبر ما يشي أنّ المملكة أنهت بقرار عالي المستوى حظراً كانت له أسبابه السياسيّة. وفي التطوّر ما يطلق إشارة ستكون لها تداعيات خليجيّة، وتضخّ في أوردة العصب الدوليّ مزاجاً، سيكون له وقعه لدى العواصم الدوليّة، كما لدى المؤسّسات الماليّة الدوليّة. وإذا ما قرّر “العالم” في لحظة معيّنة حجب الدفق الماليّ عن لبنان، فقد كانت لذلك القرار حيثيّات تنهل من مزاج الرياض.
أعلنت الرياض قرارها. أبلغه وزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان إلى رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام. جاء القرار بمنزلة مفتاح إضافيّ يحمله الموفد السعوديّ الخاصّ الأمير يزيد بن فرحان في زيارته هذه المرّة للبنان. تبدو الرياض وكأنّها تتولّى رعاية مرحلة “الخلاص” التي يمرّ بها لبنان من داخل ورشة معقّدة يشهدها العالم برمّته تقوم على ما ستؤول إليه المفاوضات بين الولايات المتّحدة وإيران.
تعرف الرياض أنّها تملك في لبنان “المساحة الرحبة”، وتكاد تكون الحصريّة التي يجد فيها اللبنانيّون “طائفاً” من نوع آخر يعوّلون عليه لإدارة المخارج من المأزق الراهن. هو “طائف” يؤكّد “طائفَ” عام 1989، وثيقة العقد الاجتماعيّ التي ما تزال قاعدة النظام السياسيّ في لبنان. لكنّه جهد مكمّل مُحدّث يسعى إلى وضع لبنان على سكّة دولة تتلمّس حضورها وضروراتها وقواعد عملها بعد 37 عاماً من الاتّفاق الشهير.
تأخذ الرياض بعين الاعتبار ما غيّرته وما قد تغيّره الحرب الأخيرة على إيران. تستنتج معنى وتداعيات خروج “الهلال” من تحت سقف الجمهوريّة الإسلاميّة وما آلَ وسيؤول إليه نفوذ طهران في لبنان. فإذا ما تصطفّ الفصائل الشيعيّة المسلّحة في العراق المفترض أنّها موالية لإيران داخل موسم تسليم السلاح للدولة العراقيّة والاعتراف لها بحصريّة السلاح، فإنّ للأمر صداه الحتميّ في لبنان ولو بعد حين. وما تحتاج إليه المرحلة الانتقاليّة هو مواكبة ورعاية دؤوبة لا تملك أبجديّاتها المُجمَع عليها لبنانيّاً إلّا المملكة.
رسالة عابرة للطّوائف
في إفراج المملكة السعوديّة عن صادرات لبنان رسالة إلى كلّ مصادر الإنتاج العابرة للطوائف والمناطق. وفي الأمر تدشين لمسار إعادة تطبيع كامل في علاقات البلدين سيشمل لاحقاً كلّ دوائر التعامل المشترك. تأتي الخطوة وكأنّها ضخّ ماليّ لطالما نصحت المملكة أن يكون لبنانيّاً ينتج عن أنشطة الاقتصاد الوطنيّ بدل التعويل على المساعدات والتبرّعات والمنح التي باتت في السنوات الأخيرة مشروطة إلى حدّ شُحّها. وإذا ما كان قرار المملكة السعوديّة عند الحظر استند إلى وقائع وأسباب، فإنّ من يطرح سؤالاً بشأن الكيفيّة التي باتت تستنتج بها الرياض زوال الوقائع والأسباب.
لا تتحرّك المملكة السعوديّة صوب لبنان من بوّابة الخصومة مع طهران. بقي التواصل جارياً في عزّ الحرب الراهنة. حافظ اتّفاق بكّين الموقّع بين البلدين في 10 آذار 2023 على صموده على الرغم من “زلازل” شهدتها المنطقة منذ “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل من ذلك العام حتّى الآن. كان بإمكان ما جرى من تحوّلات دراماتيكيّة مسّت البلدين مباشرة أن يطيح باتّفاق كانت له ظروفه وتوقيته. غير أنّ إرادة غير عاديّة في الرياض وطهران تمسّكت بالاتّفاق ودافعت عنه حتّى في موسم شدائد فوق العادة.
قد يكون إعلان الرئيس دونالد ترامب، الخميس، التوصّل إلى اتّفاق مع إيران، على الرغم من سوابق متكرّرة لذلك الإعلان، ما يجرّ ماء إلى طواحين المملكة في لبنان. يتواصل الأمير يزيد، كعادته، وبناء على نهج مثابر للمملكة، مع كلّ الفرقاء في لبنان. حتّى إنّ في حرص الرياض على إيلاء العلاقة مع الرئيس نبيه برّي اهتماماً خاصّاً، ما يشي بالحرص والتفهم والاهتمام لخصوصية الوضع الذي يمرّ به شيعة البلد.
يزيد بن فرحان: مفسّر التفاصيل
في تمرين ترتيب وضع لبنان الداخليّ وجعله مواكباً لاستحقاقات كبرى لا يملك لبنان وحده مواجهتها، تنصبّ جهود المملكة السعوديّة على ملاقاة تحوّلات دوليّة بشأن لبنان من خلال تشاور وتواصل مع عواصم القرار، لا سيما واشنطن. تتقاطع المملكة السعوديّة والولايات المتحّدة وفرنسا وغيرها بشكل منسّق على الاهتداء معاً أوّلاً إلى سبل وقف الحرب الذي هو شرط لإعادة هندسة البلد، على نحو تعود إليه كلّ الجهات المانحة، ويُعاد وصله بأوردة الاقتصاد الدوليّ ومنظّماته الماليّة. وفي قرار فتح الأسواق السعوديّة أمام الصادرات ما يوحي بتحوّل دوليّ عامّ تتقدّم الرياض أعراضه الأولى.
يحتاج لبنان إلى السلام. تحتاج السعوديّة لمواكبة مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل. تتّفق واشنطن والرياض وباريس على ضرورة نجاح هذا الاستحقاق على الرغم من تعقّده وصعوبته وتعثّر مخارجه. غير أنّ شيئاً كبيراً تغيّر في لبنان منذ مبادرة الرئيس جوزف عون في هذا الصدد ودعم حكومة نوّاف سلام وطيف غالب من الطبقة السياسيّة لتلك “المغامرة”. وإذا ما كان الحدث مصدراً لانقسام “طبيعيّ” ومنطقيّ داخل النظام السياسيّ اللبنانيّ، فإنّ عمل المملكة السعوديّة ومبعوثها “المفسّر للتفاصيل” يهدف إلى تحضير البلد، كلّ البلد، للتأقلم مع مرحلة إقليميّة-دوليّة تدركها المملكة التي تريد أن يدركها لبنان نفسه أولاً.
