ملخص
تلك هي خصوصية حياة الأدب والأدباء، ما بين الإشاعة والدعاية، فقد يسطع نجم كاتب في وقت ننتظر اختفاءه وقد يغرب كتاب في وقت نتوقع سطوعه، إنها عملية لا تخضع للمنطق إلا منطق الأدب!
من الفم إلى الأذن، ومن الرصيف إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومن جلسات المقاهي إلى سوق الكتاب إلى مدرجات الجامعة، هكذا تكبر الإشاعة، فتخلق حياة أخرى واسعة للنص الأدبي.
في باب الأدب والفن بصورة عامة، تتحول الإشاعة إلى إشهار، قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً، مع ذلك كل شيء متوقع في مسار النص الأدبي في علاقته مع القارئ والسوق.
عربياً ومغاربياً، أن يشاع بأن كتاباً مُنع من التداول، أو سحب من المكتبات، فهذا يفتح شهية القراء، ويجعل كثراً يبحثون عنه في ضوء الشمعة! يتداولونه كما الممنوعات الأخرى.
وأن يشاع بأن كاتباً أوقف أو سجن أو مُنع من السفر، فهذا أيضاً سيفتح فضول القراء للبحث عن كتاباته ويتساءلون عن قناعاته السياسية والدينية وغيرها.
وأن يقرأ قارئ عادي على غلاف رواية عربية عبارة “الطبعة الثامنة” و”الطبعة الـ10″، فإن مثل هذا الأمر يجعل هذا القارئ يتساءل ويشك بقدرته الفكرية والثقافية، يشك بذكائه، كيف لرواية أن تكون في طبعتها الـ10 أو الثامنة وهو لم يقرأها، فتتحرك فيه رغبة الاكتشاف.
وأن يسمع القارئ أن هذه الرواية أو تلك ترجمت إلى لغات كثيرة، ومرات كثيرة لا تعني كلمة “كثيراً” شيئاً التهويل والإكبار المشكوك فيه، يسيل على الفور لعاب القارئ لها.
ما في ذلك شك، فحرية التعبير محدود سقفها في العالم العربي وفي شمال أفريقيا، ولكن هناك فرقاً ما بين إدانة الحجر على حرية الخيال وحرية الإبداع والعمل في الإشاعة لمصلحة منتج إبداعي قد لا تكون له علاقة بمقاومة أعداء الحرية والديمقراطية.
وفي كثير من المرات يكون الكاتب نفسه خلف مثل هذه الإشاعة، مسهماً فيها بطريقة من الطرق، لتوسيع رقعة الضوء من حوله وعليه ولإثارة انتباه الإعلام وإشعال وسائل التواصل الاجتماعي.
الإشاعة من خارج النص
للكتب تاريخ وسير ذاتية مستقلة كما لأصحابها، وحين نقرأ تاريخ بعض الكتب التي أصبحت لها مكانة فاصلة في الفضاء الأدبي العالمي، نتوقف عند ظاهرة غريبة، أن غالبية هذه الروايات الناجحة تسويقاً نُسجت حولها قصص غريبة قبل نشرها، أي قبل وصولها إلى القارئ، وما يلاحظ أن هذه الحكايات الغريبة المصاحبة للكتاب حتى قبل صدوره، تعيش معه ويعيش بها لاحقاً حتى وهو بين يدي القارئ، وتظل هذه الحكايات الغريبة حاضرة بسرديات مختلفة في كل مرة لتكرس نوعاً من الدهشة والغموض في المخيال العام، مما قد يجدد طاقة الفضول لدى القراء جيلاً بعد جيل، ومن لغة إلى أخرى.
كثيراً ما سمعنا الحكاية الغريبة والمثيرة لمخطوطة رواية “مئة عام من العزلة” لغابريال غارسيا ماركيز، وكيف أن زوجته مرسيدس التي هي نفسها أصبحت جزءاً من فصول حكاية المخطوط، والحكاية تقول إن الكاتب لم يكُن في حوزته حتى ثمن إرسال طرد المخطوط الضخم (500 ورقة) إلى الناشر، مما جعل زوجته تبيع أو ترهن بعض الأجهزة “الكهرومنزلية” كسخان الماء والخلاط ومجفف الشعر. وإن التركيز على الفقر، ومواجهته بتلك الصورة النبوية التي ستمنحنا رواية أصبحت لاحقاً من أكثر الروايات شهرة في العالم، بل ستحوز على أعظم تتويج عالمي وهو “جائزة نوبل للآداب”، فهذه السردية تقوي من سحرية الكتاب وتجعل فضول القارئ أكبر.
بدهاء أدبي كبير وذكي، ينسج كتاب كثر، حين حصولهم على جائزة عالمية مهمة، إشاعات حول طريقة استقبالهم لهذا الخبر، وكيف تعاملوا معه، وأين كانوا موجودين (عادة في مكان لا يمكنك أن تتوقعه !!)، ومن رحم هذه الحكايات يتم تكريس حاسة الانتباه لدى القارئ وتوقظ شهية القراءة وهاجس التنقيب.
وبدهاء كبير أيضاً يدخل في باب فن الإشاعة، يسرد كثير من الكتاب، في حوارات صحافية، حكايات غريبة مختلقة عن كيفية كتابة روايتهم، مثلاً “كتبتها في زمن قياسي، في 11 يوماً، أو في شهرين”، وهو في ذلك يحاول أن يلبس بردة الأنبياء، وكأن الذي كتبه موحى إليه من قبل قوة سحرية غير عادية. وبدهاء يروي بعضهم، من الذين يدعون الحكمة! بأنهم اشتغلوا على هذا الكتاب أو ذاك عقوداً من الزمن، حتى يوهموا القارئ بعمق العمل، بالتالي التروي في قراءته وتأويله.
حياة الكاتب
ويذهب بعض من الكتاب إلى صناعة إشاعات حول حياتهم الخاصة، الزوجية أو اليومية أو المهنية، لإثارة الانتباه، كتقديم نفسه كشخصية بوهيمية غير منسجمة مع المجتمع، أو شخصية تريد الوحدة والعزلة، أو أنه يعيش مع كلب أو قطة، كل ذلك لإعطاء صورة غير عادية وغير نمطية عن حياة الكاتب وعن الكتابة التي ينتجها، مما يعلق في ذهن القارئ بصورة أوتوماتيكية.
والأغرب من هذا وذاك، أن تجد كاتباً في زمننا هذا، زمن الاتصالات الرقمية والتكنولوجيا المعقدة التي لا يمكننا الهروب منها ولا الاستغناء عنها، يصرح بأنه كاتب لا يتعامل مع الإنترنت ولا مع الهاتف النقال ولا مع البريد الإلكتروني، وأنه يعيش كما كان يعيش المثقف في منتصف القرن الماضي، وهو في ذلك يريد أن يتلبس صورة الكتاب الكبار من أمثال بلزاك أو زولا أو ألكسندر دوما أو همنغواي أو تولستوي، وتذكرني مثل هذه التصريحات بما ترويه الروائية البلجيكية أميلي نوتومب في حواراتها عن قطيعتها المطلقة مع كل الوسائل التكنولوجية من هاتف نقال إلى مراسلات إلكترونية إلى الكتابة على شاشة الكمبيوتر، مثل هذه الصورة التي تريد أن تروج لها روائية مثل أميلي نوتومب والتي تظهر فيها كشخص خارج التاريخ، وخارج الساعة، لا يمكننا أن نقرأها إلا من باب الترويج الذي يجعل القارئ يعتقد بأن مثل هذه الحياة الغريبة يمكنها أن تمنحنا نصاً مغايراً.
في أيامنا هذه تقوم وسائل التواصل الاجتماعي بدور كبير في صناعة الإشاعة وتكريسها، إشاعة قد يكون من خلالها هذا الكاتب أو ذاك عرضة للتشهير والقذف والسب، وقد يكون عرضة للاحتفال والاحتفاء، وفي الحالين، ربما الحال الأولى أكثر فاعلية من الثانية، في صناعة ضجيج شهرة من خلال الإثارة.
والغريب في أمر الأدب الذي له منطق خاص، فمرات كثيرة حين يراد لرواية ما أن تُقصى لأمر ما، فإنه وعلى العكس من ذلك قد يتحول هذا التهميش إلى دعاية، وهذا ما حصل مع رواية الكاتب الكندي – الهايتي تيليسون أورليان (كان إما هذا أو الموت)، فإقصاء الرواية من “الغونكور” والقول إنها مكتوبة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، والقول إن فيها فقرات مسروقة، مع أن الإجماع على جودتها رافق صدورها منذ اليوم الأول وعلى مدى الأسابيع الأولى للدخول الأدبي في فرنسا عام 2026، هذا الجدل والارتباك في الأحكام والتناقضات التي تراوحت ما بين الإشاعة والدعاية جعلت الرواية مثل كرة الثلج تكبر وتكبر حتى غطت على روايات الدخول الأدبي كلها تقريباً على رغم التشكيك في بشرية كتابتها.
والغريب في شأن الأدب أيضاً، أنه وفي كثير من المرات، كثرة الدعاية تقتل الكتاب، مما حصل مع رواية “الأسطورة” لبوعلام صنصال التي صرفت عليها دار النشر ملايين اليوروهات لكنها لم تحقق ما كان مرجواً منها مادياً ولا أدبياً.
تلك هي خصوصية حياة الأدب والأدباء، ما بين الإشاعة والدعاية، فقد يسطع نجم كاتب في وقت ننتظر اختفاءه وقد يغرب كتاب في وقت نتوقع سطوعه، إنها عملية لا تخضع للمنطق إلا منطق الأدب!
