سواء صحّت التسريبات التي تولّتها “نيويورك تايمز” وموقع “أكسيوس” بأنّ البنتاغون يعدُّ خططاً عسكريّة لاستهداف إيران لـ72 ساعة، أم لم تصحّ، يبقى السؤال الكبير عن سبب امتناع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن وضع حدّ لضربات إيران للمملكة العربيّة السعوديّة عن طريق الذراع الحوثيّة. وبقدر ما تُوجّه الانتقادات إلى ترامب بأنّ نهجه المتهوّر أوصل حربه ضدّ طهران إلى مأزق، فإنّ تحالف الرياض وسائر العواصم الخليجيّة يحتاج إلى مراجعة بعدما تركتهم واشنطن يواجهون فائض العداء الإيرانيّ في مراحل الحرب المتسلسلة.
مثلما بات العديد من المسؤولين الخليجيّين يردّدون بأنّ علاقة دولهم مع إيران أُصيبت بانتكاسة لمدّة قد تطول، ستضطرّ الدول الخليجيّة إلى رسم سياساتها الدفاعيّة المستقبليّة بحيث لا تتّكل على أحاديّة الرهان على أميركا.
هذه قناعة بعض خبراء العلاقات العربيّة، ولا سيما الخليجيّة، مع أميركا، وبينهم دبلوماسيّون عرب خبِروا المرحلة السابقة عن كثب. يرى هؤلاء أنّ المسؤولين الخليجيّين لا يعلنون ذلك من باب الحرص على متانة التحالف مع أميركا في الظرف الحرِج الراهن. لكنّ المرارة الضمنيّة لدى المفكّرين وقادة الرأي الخليجيّين من غياب إرادة الحليف الأميركيّ الأوّل على مدى عقود للردّ على الضربات الإيرانيّة، تعتمل في قلوب وعقول هؤلاء. مأزق ترامب في شأن إنهاء الحرب مع طهران بات مأزقاً لدول الخليج بعدما هدّدت الدولة الفارسيّة أمنها واستقرارها.
لكنّ الأكثر إيلاماً وخطورة كان ما تعرّضت له الرياض في الأيّام الماضية. أقحمت الأخيرة المملكة عبر الذراع الحوثيّة اليمنيّة في حرب المطارات جوّاً، وحرب الموانئ وتصدير النفط، ردّاً على الحصار الجوّي والبحريّ والنفطيّ الأميركيّ ضدّها، عن طريق عقوبات وزارة الخزانة الأميركيّة. استخدمت إيران الحجج المندرجة في سياق الصراع اليمنيّ-اليمنيّ حيث تساند السعوديّة مع التحالف الدوليّ العربيّ الشرعيّة اليمنيّة في محاصرتها الحوثيّين بدءاً بمطار صنعاء. أي أنّ طهران تستخدم الصراع اليمنيّ وسيلة للردّ على واشنطن في الرياض.
طهران: صراع وجود لا نفوذ؟
في رأي دبلوماسيّ عربيّ أنّ هناك قراءة خاطئة لطبيعة العدوانيّة الإيرانيّة تجاه المملكة وسائر الخليج، تعيق فهم ردود فعل طهران وخطواتها. فالشائع أنّ الأخيرة تستهدف دول الخليج لترسم منذ الآن خطوط موقعها على الخريطة الجيوسياسيّة، ولتكرّس دورها كشرطيّ الخليج وتتحكّم بالممرّات المائيّة، في هرمز وباب المندب… لكنّ وجهة النظر الأخرى تخالف هذا التقويم معتبرة أنّ رجالات الحكم في طهران يتصرّفون على أنّ الحرب التي يخوضونها هي صراع وجود ومصير وحياة للنظام القائم.
وبالتالي تسوّغ طهران لنفسها استخدام كلّ الوسائل والأوراق المتاحة لرفع الكلفة على الجانب الأميركيّ وعلى الاقتصاد العالميّ. سعيها إلى قطع الملاحة الدوليّة هو من أجل أن تلتفت دول العالم إليها للضغط على واشنطن كي توقف الحرب ضدّها. واستهداف السعوديّة ودول الخليج يرمي إلى دفع الرياض للمساهمة في هذا الضغط على ترامب للعودة عن نيّته تغيير النظام ولو من داخله.
تتحدّث الصحافة الإيرانيّة عمّا تسمّيه “انخراط السعوديّة في حرب استنزاف مع اليمن، الذي فرض سيطرته العمليّاتيّة على ممرّات البحر الأحمر وباب المندب رغم تشكيل التحالفات الثلاثيّة” (تحالف مكّة). تعتبر صحيفة “كيهان” الأصوليّة ذلك من علامات فشل عمليّة الحسم ضدّها من قبل أميركا وإسرائيل. هذا بالإضافة إلى رفض “حماس” نزع سلاحها في غزّة واحتفاظ “الحزب” في لبنان بترسانته العسكريّة وتشكيل هيكليّته القياديّة الجديدة، ونجاح طهران في قصف القواعد الأميركيّة في المنطقة.
خيارات الرّياض مع أميركا وضدّ طهران
محاولة طهران وتلكّؤ واشنطن في المساهمة بالدفاع عن السعوديّة أمام المبالغة الإيرانيّة باستخدام المراهقة الحوثيّة باتا يعرّضان موقع المملكة الإقليميّ وهيبتها الدوليّة. فالأخيرة قامت على مرتكزين مهمّين جسّدتهما خطط وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان:
1- التنمية الداخليّة بعصرنة الاقتصاد ورؤية 2030 ومحاربة الفساد في بناء المؤسّسات.
2- إنجاح هذه الرؤية يتطلّب ضمان الاستقرار الداخليّ عبر مواجهة التهديدات للأمن القوميّ، سواء من إيران، أو من أذرعها وفي طليعتها الذراع الحوثيّة. وفي هذا المجال سعت الرياض لتحييد تهديد إيران عبر اتّفاق بكّين الشهير في 10 آذار 2023 معها لاستعادة “حسن الجوار”، وقبله اتّفاق مع الحوثيّين مع العمل على حوار يمنيّ- يمنيّ ينهي استخدام الشوكة اليمنيّة في خاصرتها. لم يعدم الجانب السعوديّ وسيلة من أجل تحويل العداء مع إيران إلى تعايش تفرضه العلاقات الإقليميّة، بموازاة التمسّك بمبدأ الحلّ المطلوب للقضيّة الفلسطينيّة عبر صيغة الدولتين، كشرط للتطبيع مع إسرائيل.
التّخبّط التّرامبيّ والاتّجاه السّعوديّ نحو “الشّدّة”
إلّا أنّ اعتداءات الأيّام الأخيرة أخذت تهدّد المبدأين المذكورين اللذين ترتكز عليهما السياسة السعوديّة في شكل دراماتيكيّ. يقابل ذلك أنّ الإدارة الترامبيّة تعاملت بسلبيّة إزاء محاولات المملكة استباق أيّ انقلاب للمعادلة من التحييد إلى العداء مع إيران، عبر صوغ التحالفات الإقليميّة بدءاً بـ”تحالف مكّة” الباكستانيّ التركيّ السعوديّ.
اعتبرت واشنطن الطموح السعوديّ إلى سياسة دفاعيّة لا تعتمد فقط على أميركا محاولة لاستبدال الحماية الأميركيّة بتنويع التحالفات وخفضاً لنفوذها الإقليميّ. ورأى جزء من الدولة العميقة في واشنطن في إعراض الرياض عن ولوج الاتّفاقات الإبراهيميّة مع إسرائيل على أنّه معاكسة لرؤية ترامب للمنطقة.
التخبّط الترامبيّ بين تفاوض وضربات وتعامل مع أذرع إيران تجلّى بالاتّفاق مع الحوثيّين على تحييد السفن الأميركيّة في البحر الأحمر. يفصل ترامب إحياء طهران نشاط هؤلاء العسكريّ عن المواجهة مع الأخيرة. هكذا تركت إدارة ترامب المملكة تتلقّى الضربات بالنيابة عنها. وهنا يكمن المأزق، بعدما قال ترامب إنّه لن يضرب إيران إلّا بعد الانتخابات النصفيّة في أميركا.
بالمقابل قال وزير الطاقة السعوديّ الأمير عبد العزيز بن سلمان: “لا مستقبل للطاقة للجميع ما لم يتحقّق أمن الطاقة للجميع”، معتبراً أنّ ردّ المملكة على ما تعرّضت له من أحداث “شديدة يجب أن يكون بالقدر نفسه من الشدّة”.
