-
-
. منية حسون … الجمهورية .نت
-
أحبّ تصوّر الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير لـ «الزمن»، ولطالما فكّرت فيه خلال العام الماضي أمام كل هذا الاستشراس الهوياتيّ السوري، الذي يُكرّس الهوية على أنها الإجابة الأكيدة والحقيقة الوحيدة لكل ما حصل، بمعزل عن الزمن.
عند سير، لا يمرّ الزمن هكذا ببساطة، بل يمرّ عبر الأشياء. بعض الأحداث تعبر، بينما يبقى بعضها عالقاً في الذاكرة وفي الجسد وفي الحياة اليومية وفي المرويّة. الأمر أشبه بنهر يتشعّب إلى فروع وأنهار، يلتوي ويشحّ ويفيض ويصخب ويسكن، بينما تمضي مياهه في طريقها حاملة رواسبها: يُجرف بعضها سريعاً، بينما يستقرّ بعضها الآخر في القاع على شكل حاضر منهَك ومحترق. مياه الزمن عند سير لا تتدفّق، بل ترتشح. أما تلك الأشياء التي لا تمرّ، فتصير رواسب، تأخذ شكل ذكريات وصدمات وآثار نفسية وتاريخية تُقاوم الدفن. يمرّ الزمن بسرعات وإيقاعات متبانية، ويتجاوزنا كذلك بسرعات وإيقاعات مختلفة. يتسرب الزمن، ويتباطأ، ويتسارع وفق تداخل السياقات الاجتماعية، والمواقع الجغرافية، والظروف الشخصية لمن يعيشون الحدث التاريخي ذاته، ليخرجوا منه بتجارب إنسانية متنوعة، وحقائق متجاورة، وشبكة معقّدة من الروابط بين الماضي والحاضر والمستقبل، لتصنع منهم هوية بل هويات متعددة.
خلال العام الماضي، أتاح لي عملي على مشروع بحثي يتعلّق باللاجئين السوريين في أوروبا أن أستمع إلى قصص سوريين وسوريات لم أكن لألتقي بهم ربما لولا سياق العمل والمنفى. أشخاص ومجتمعات ما كانت لتتقاطع مع مساري الشخصي في أوروبا لولا التجربة الإثنوغرافية التي كسرت حدود التجربة الفردية، وقدّمتني إلى تجارب سورية أوسع من إطار هويتي الاجتماعية والثقافية الضيّقة. أوسع كذلك من رؤيتي للعالم، وهويتي، التي تبقى محدودة بالضرورة مهما تنوّعت. أستحضر هذه التجربة بوصفها جزءاً من بحث إثنوغرافي يقوم في جوهره على الاستماع؛ الاستماع إلى تجارب سورية متباينة ومتقاطعة، لا تكفّ هي ذاتها عن التغيّر مع مرور الوقت وعن المشاركة في صنع هويّات السوريين المتعددة.
جلست مع سوريين من خلفيات اجتماعية وثقافية وإثنية ودينية مختلفة: كُرداً وعرباً وكرد-عرب، من حلب وريفها، والحسكة وريفها، والرقة، ودمشق، وغيرها من المناطق التي شهدت قبل عام 2011 أشكالاً من التعايش الاجتماعي، قبل أن يُعاد تشكيل هذا التعايش لاحقاً في سياقات عنف سياسي متطرّف، وسلسلة انتهاكات واحتلالات متتابعة ومريرة. كل تجربة رُويت لي حملت بُعدها الإنساني الخاص. كانت هناك تقاطعات اجتماعية وثقافية بالفعل، وتقاطعات مع تجارب شائعة خلال المأساة، لكن الخصوصية بقيت حاضرة في كل رواية، ومختلفة باختلاف التجربة ذاتها.
استمعت إلى سوريين كرد وكرد-عرب يروون حياتهم قبل الثورة، وقبل «قسد»، لا يرون أن الأخيرة تمثّلهم، ولا يعرّفون أنفسهم بالكردية كهويّة أولى أو وحيدة. سوريون، يستحضرون مدنهم وقراهم وحاراتهم بكثير من الحنين، ويتذكرون علاقات اجتماعية عابرة للإثنية والعرق والدين. عبّر بعضهم عن مواقف سياسية واضحة، فيما بدا آخرون أقل انخراطاً في السياسة السورية اليوم، وأكثر اهتماماً بسياسات بلدان اللجوء وأسئلة النجاة اليومية. لا أعرف كيف كانت ستبدو مواقفهم اليوم، في ظلّ التحولات المُتسارعة والعنف الهويّاتي المعمّم، لو أنّ جلسات الاستماع الإثنوغرافية هذه جرت بعد انسحاب قسد وتوالي الأحداث الأخيرة.
في المقابل، استمعت إلى عرب وعرب-كرد من المناطق نفسها، يروون بدورهم قصصاً عن أحياء مختلطة وذاكرة تعايش بين أديان وطوائف وإثنيات مختلفة في سوريا، تخلّلتها تجارب قاسية من اعتقال وتهديد، وسلب بيوت وأرزاق، وتجنيد إجباري، وتهجير وتهريب ولجوء. كانت «قسد» سبباً مباشراً في بعضها، تماماً كما كان نظام بشار الأسد وميليشياته، و«جبهة النصرة»، و«داعش»، سبباً مباشراً لدفع سوريين، على اختلاف هوياتهم ومواقفهم السياسية، إلى خوض تجارب عنيفة والبحث عن سُبل مختلفة للنجاة الفردية والجماعية.
خلال خمسة عشر عاماً، عاش السوريون تجارب إنسانية كثيفة ومعقّدة أسّست لهويات متداخلة، لا يُمكن اختزالها في مرويّة واحدة تُفصَّل على قياس التصنيفات الهويّاتية الإلغائية السائدة في الخطاب السوري اليوم. لم يمضِ الزمن على نحو خطّي بين نقطتي بداية ونهاية، ولم نمرّ جميعنا بالتجارب ذاتها، رغم اختبارنا ظروفاً جمعيّة فرضتها سياقات سياسية عامة وأحداث تاريخيّة على مرّ السنوات الطويلة الماضية. اختبرت النساء هذه الظروف على نحوٍ مختلف عن الرجال، كما اختبرها الأطفال والمراهقون بشكل مغاير للكهول والشيوخ. واختبرها الموسرون على نحوٍ مختلف عن الفقراء، وموظفو الدولة ومترقّبو الرواتب الحكومية خلافاً لأصحاب الأعمال الحرّة والعمّال المياومين، كما اختبرها أصحاب الإقامات والخيارات الواسعة في أوروبا أو الخليج على نحوٍ مختلف عمّن لا إقامة لهم، ولا خَيار، ولا قوّة.
في ذاكرة المجازر، مثلاً، قد تتقاطع تجارب أهالي حماة في الثمانينيات مع تجارب سوريّي مجازر الحولة في حمص والقصور في دير الزور عام 2012، ومع مجزرة التضامن، ثم المجازر اللاحقة في السويداء والساحل في العام 2025. لكنْ، لكلِّ تجربة سياقُها، وجناتها وضحاياها، ومتعاطفوها، وزمنها، ورمزّيتها، وصداها الذي يتردد اليوم في أرجاء كل مجزرة. تجارب المجازر – على فرط قسوتها – ستتقاطع وتختلف في آن مع تجارب سوريين آخرين اختبروا الثورة على شكل مظاهرة في سوريا أو في برلين أو لندن، أو كنزوح ممتد في مخيم ما في ريف دمشق، أو في الأردن أو على الحدود التركية–السورية. أيضاً، تختلف تجارب اللجوء السوري حول العالم، تتباين صعوباتها ولغتها وبيروقراطيتها وكامپاتها وفترات انتظارها، فتجربة سوري لجأ إلى ألمانيا في بدايات الثورة مثلاً ستختلف عن تجربة لاجئ سوري وصل إلى كندا قبيل سقوط النظام. كذلك، تختلف تجارب من بقي في «البلد»، بين مؤيدين وثوّار ورماديين وما بينهم، رغم اختبارهم لظروف عامة متشابهة تحت حكم النظام والميليشيات، في حياة يومية شكّلت ملامحها الحواجز، والتجنيد الإجباري، والمداهمات، والتفتيش، والاعتقال، والقنص على أطراف المدن، والهاون في قلبها.
تختلف كذلك تجارب السوريين في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام في بدايات الثورة عن تلك التي خرجت عنه لاحقاً، رغم اشتراكها في ذاكرة القصف والبراميل والكيماوي والتعفيش والتنحيس وغيرها من مفردات المرحلة. ذواكر متقاطعة ومتباينة لحياة يومية تخلّلها هكذا ببساطة الإفناء بالصواريخ البالستية، والدفن المتكرر لعائلات كاملة تحت الأنقاض، والحصار، والتجويع، والسلاح المُنفلت، والاستيلاء على أراضي وبيوت المدنيين في الرقة ودير الزور والجزيرة، ومثل ذلك في عفرين، وغيرها على امتداد الجغرافيا السورية. تطول القائمة التي تغصّ بالذواكر والمشاعر والجروح التي لم تعبر نهر الزمن، واستقرّت في القاع على أشكال مختلفة لـ «الهوية السورية»، لا بمعناها الوطني أو القومي بالطبع إنما كانتماء جمعي إلى التجربة، بوصفها تجربة إنسانية وزمنية شديدة القسوة والتعقيد وأوسع بكثير من أي خطاب هوياتي ديني أو طائفي أو إثني يتراشق به السوريون اليوم، يختزل التجربة والرواية والزمن وكل ما عداه.
منذ قيام الثورة، كان الزمن عاملاً أساسياً في تشكيل تجاربنا السورية المحتدمة. التجارب الإنسانية، إذن، هي في جوهرها «تجارب زمنية»، كما يصفها الأنثروبولوجي أندرياس بانداك في مقاله المستقبل السوري: التسرّب، البُعد الزمني، والتجربة التاريخية في تعددها. يرى بانداك أن ما نسمّيه تجارب إنسانية مختلفة هي في الحقيقة تجارب «زمنية» مختلفة، فالزمن عنصر فاعل في تشكيل التجربة بذاتها، وليس فقط حاملاً محايداً للتجربة. أميل إلى أن أضيف إلى بانداك، أن الزمن عنصر فاعل في تشكيل الهويّة، وتغيّرها وتبددها وتطورها وتجددها، وفقاً لتراكم التجارب. ورغم أن مقال بانداك نُشر قبيل سقوط النظام، إلّا أنه يطرح سؤالاً مركزياً حول نقطة بداية مشتركة – ثورة 2011 – وكيف أدّت إلى تجزئة هائلة في التجربة الإنسانية السورية، فيعزوه إلى عامل الزمن نفسه وأثره في تشكيل التجارب الإنسانية والتاريخية.
لا يعيش السوريون الماضي بوصفه زمناً انقضى، ولا المستقبل كأفق واضح المعالم، بل يراوحون في حالة ممتدّة من الـ «توتّر الزمني». بعضهم لا يزال متمسّكاً بأطراف «مستقبل الماضي»، ذلك المستقبل الذي تخيّله كثيرون في لحظة الثورة عام 2011، ثم تبدّد. آخرون خلقوا تعايشاً مع «حاضر متعثّر»، طويل ومُرهق؛ حقبة أشبه بالمأزق. في ظل هذين الزمنين، تشكّلت «توجّهات متباينة نحو المستقبل»، أفضت إلى مصائر متداخلة ومتقاطعة وأحياناً متناقضة، على اختلاف المواقع الاجتماعية والجغرافيّة لأصحابها، بين المنفى والنزوح و«البلد».
مع تراجع الأمل بمستقبل البلاد كما تصوّره حلم الثورة، انتقل همّ صنع المستقبل لدى كثير من السوريين من المجال العام إلى المجال الأكثر حميمية: النجاة الفردية، الاستقرار، الحب، تأسيس عائلة، العمل، الطموح، أو الاندماج. لم يعنِ هذا التحوّل تخلياً عن السياسة بالضرورة بقدر ما كان إعادة لتشكيلها في شروط زمنية مختلفة، نحو مستقبل أكثر إمكانية وأقل استحالة عمّا تبدو عليه المسألة السورية. شكّلت هذه التجارب الزمنية ذواكر السوريين، وآلامهم، وصدماتِهم، وتعاطفَهم، ووعيهم ومواقفهم السياسية، ولاحقاً هوياتهم، بشكل متباين، لكن منسجم مع تجاربهم الزمنية.
ما يحدث اليوم إذاً ليس «تكشّفاً لمعادن السوريين»، ولا خيبات شخصية من «رفاق الأمس» الذين ظهرت أخيراً أجنداتهم الهوياتية وملامحهم الطائفية والعرقية كما يروّج كثير من خطاب وسائل التواصل الاجتماعي على الفيسبوك السوري الغاصّ بالحسرات والخيبات والاتهامات. المواقف السياسية التي يتجسّدها السوريون اليوم، ليست نابعة من انحيازات هوياتية بالضرورة، إنما من ارتشاح تجارب زمنية راكمها كلّ منا خلال السنين الماضية، عبرنا بها نهر الزمن إلى «توجّهات متباينة نحو المستقبل»، وبلورت هوياتنا المتعددة، التي لا تكفّ – هي ذاتها – عن التغيّر بمرور الوقت.
اليوم، يسود الاعتقاد بأن الثورة جمعتنا وأن سقوط الأسد فرّقنا. وفي ظل الاستقطاب الهوياتي المريع، ليس أسهل من أن نوصم دون تردد بهذه الهوية أو تلك. يصعب أيضاً الحديث عن تجاربنا في المقتلة السورية، دون أن نُتّهم بالطائفية، والتعصب، والمناطقية، والتحيّز، وكل ذلك وسواه. في الحقيقة، اختبر كلّ منا مع مرور الوقت، وعلى امتداد الجغرافيا السورية ومنافيها، تجربة زمنية خاصّة ضمن التجربة الزمنية الجمعيّة للبلاد. ليس في هذا دعوة إلى تبرير أي عنف بداعي التجربة، لكن، عندما نقترح الهويّة الطائفية أو الإثنية أو المناطقية كمبرر أوّل ووحيد وراء كل رأي أو موقف حول بلادنا، ربما من الأجدر أن نفكر قليلاً بتباين التجارب على مدّ المأساة والزمن، قبل أن نختزل أنفسنا ومن حولنا إلى هوية بذاتها، حتميّة، ومخيّبة للآمال.
-
