
عائلة نازحة تعد الفطور خارج مكان إيوائها في مقديشو الصومال، مايو 2026
(رويترز)…. اندبندنت عربية
ملخص
مع تصاعد الأزمات المناخية والجيوسياسية، يهدد انعدام الأمن الغذائي مليارات البشر ويقوض الاستقرار العالمي. ويرى الكاتبان أن واشنطن تملك فرصة لاستعادة دورها القيادي عبر استراتيجية دولية لمكافحة الجوع، تقوم على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وحماية الغذاء أثناء النزاعات، ودعم الابتكار الزراعي، وإصلاح المؤسسات الدولية، بما يحقق منفعة مشتركة ويخدم في الوقت نفسه المصالح الأميركية.
في عالم يشهد مواجهات بين القوى العظمى ونقاط تحول مناخية وسباقات تسلح تكنولوجية، قد لا يبدو الجوع العالمي مشكلة بالغة الأهمية. ومع ذلك، عانى 2.1 مليار شخص، أي أكثر من ربع سكان الكوكب، انعدام الأمن الغذائي العام الماضي، أي إن الطعام نفد منهم في مرحلة ما خلال العام، أو اضطروا إلى خفض جودة غذائهم أو كميته. وواجه أكثر من 260 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، أي إن حياتهم أو سبل عيشهم كانت معرضة لخطر داهم لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على ما يكفي من الطعام. وعانى نحو ربع الأطفال في العالم دون سن الخامسة من التقزم الدائم بسبب سوء التغذية، ومن المرجح أن يحصلوا على مستويات تعليمية أدنى، وأن يكسبوا دخلاً أقل طوال حياتهم، وأن يواجهوا مشكلات صحية مزمنة أكثر من الأطفال الذين يحصلون على تغذية سليمة. ولا تعكس هذه الأرقام الصادمة أزمات الغذاء التي قد يشهدها هذا العام نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وتراجع صادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، واشتداد ظاهرة “النينيو” المناخية.
إن انعدام الأمن الغذائي كارثة في حد ذاته، لكنه يجر أيضاً عواقب سياسية وخيمة. فهو يعوق النمو الاقتصادي، ويزيد خطر اندلاع النزاعات العنيفة، ويزعزع استقرار الحكومات. وهذه المشكلات بدورها تخلق متاعب للعالم بأسره. وهذا يعني أن الدول التي لا تعاني وطأة انعدام الأمن الغذائي تظل لديها أسباب قوية، انطلاقاً من مصالحها الذاتية، للتصدي له، والولايات المتحدة واحدة منها.
في الواقع، لن يقتصر أثر جهد تقوده الولايات المتحدة لمعالجة الجوع على جعل العالم أكثر صحة واستقراراً. ففي ظل تراجع مشاعر الود تجاه الولايات المتحدة، تحتاج واشنطن إلى أجندة تعيد من خلالها بناء الثقة العالمية بقيادتها وتبرهن على قيمة التعاون الدولي. ويمكن أن تتصدر معالجة الأمن الغذائي العالمي مثل هذه الخطة. فقد تختلف مناطق العالم في طموحاتها الجيوسياسية، لكن لا تكاد توجد حكومة، في الشمال أو الجنوب، ديمقراطية كانت أو استبدادية، ترغب في أن ترى هذا العدد الكبير من الناس يعانون الجوع. وربما لا توجد وسيلة أفضل لإعادة بناء الثقة في النظام العالمي الليبرالي وفي الولايات المتحدة باعتبارها عضواً ملتزماً به من أن تتصدى واشنطن لهذا التحدي.
نعمة الطعام
من الصعب المبالغة في تأكيد مدى الترابط الوثيق بين الأمن الغذائي والتنمية العالمية وأمن الدول وحتى المنافسة الدولية. فسوء التغذية يؤدي إلى تراجع التحصيل العلمي، وإضعاف رأس المال البشري، وفقدان الإنتاجية، مما يكلف الاقتصاد العالمي 3.5 تريليون دولار سنوياً نتيجة النمو الاقتصادي المفقود وكلف الرعاية الصحية الإضافية. ويمكن أن تؤدي قفزات أسعار الغذاء إلى تفاقم مشاعر السخط وإشعال أعمال شغب تزعزع استقرار الحكومات، فالغضب الناجم عن الجوع، على سبيل المثال، هيأ الظروف لاحتجاجات الربيع العربي. وفي المناطق الريفية، يساعد انعدام الأمن الغذائي الجماعات المسلحة على تجنيد المقاتلين، ويؤجج النزاعات على موارد الأرض والمياه الشحيحة. كما يدفع الناس إلى الهجرة إلى الدول الأكثر ثراءً.
وهذه الأسباب وحدها كافية لأن تقود واشنطن حملة عالمية للحد من الجوع. لكن ينبغي لها أن تفعل ذلك أيضاً لأن الريادة في مجال الأمن الغذائي العالمي تعني المساهمة في تشكيل مستقبل النظام الزراعي العالمي بأسره، وهو أمر تسير الصين على طريق تحقيقه. ففي عام 2019، استثمرت بكين رؤوس أموال كبيرة لضمان توليها قيادة منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، وهو دور يتمتع بنفوذ كبير في تحديد كيفية تعاون الحكومات في القضايا المتعلقة بالغذاء. وتعمل الصين بسرعة على تطوير وسائل أخرى لقيادة العالم في قضايا الأمن الغذائي. فهي تنفق ضعف ما تنفقه الولايات المتحدة على البحث والتطوير الزراعي العام، في حين ارتفع إنتاجها من براءات الاختراع الزراعية والمنشورات العلمية بصورة هائلة، بينما ظل الإنتاج الأميركي راكداً.
ومن حسن حظ المسؤولين الأميركيين أن الولايات المتحدة لا تزال في موقع جيد يؤهلها لقيادة العالم في مجال الأمن الغذائي. فهي من أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم، ولعبت دوراً محورياً في تأسيس منظومة الأمم المتحدة المعنية بالأمن الغذائي، بما فيها منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي. وعلى مدى جزء كبير من تاريخ هذه المؤسسات، كانت واشنطن أكبر مانح لها. وفي الواقع، كانت أجندة التنمية الدولية للولايات المتحدة، على مدى عقود، الأكثر طموحاً في العالم، وحظيت بدعم جمهور مستعد لمساندتها.
ولا يزال في الولايات المتحدة مثل هذا الجمهور، فقد أظهر استطلاع للرأي أُجري في أوائل عام 2026 أن غالبية كبيرة ترى أنه ينبغي للولايات المتحدة أن تكون قائداً أخلاقياً في العالم. لكن غالبية كبيرة أيضاً لم تكن تعتقد أنها تؤدي هذا الدور. ولعل السبب في ذلك أن الولايات المتحدة أخذت تبتعد من هذا الإرث وعن هذه الفرصة للقيادة. ففي منتصف عام 2025، على سبيل المثال، استرد الكونغرس نحو 8 مليارات دولار من أموال المساعدات الخارجية، وأصبحت الولايات المتحدة الآن مانحاً دولياً متردداً وعضواً متبرماً في المنظمات الدولية الرئيسة.
ومع ذلك، لا تزال واشنطن تمتلك كثيراً من الأدوات اللازمة لمكافحة الجوع في العالم. فإلى جانب زيادة المساعدات الخارجية، يمكنها الاستفادة من السياسات التجارية والاستثمار العام في الابتكار، بل وحتى من أنظمة جمع البيانات المتطورة التي تمتلكها. لكنها ستحتاج أيضاً إلى العمل على نحو متعدد الأطراف. ولتعزيز صدقيتها، ينبغي لها أن تطرح أجندة عملية وقابلة للتحقيق، مع فوائد واضحة للجميع. وينبغي أن يكون أحد الأهداف الكبرى للعمل الجماعي زيادة القدرة على التنبؤ كلما أمكن. فالنظام الغذائي العالمي يعاني عدم اليقين في مجالات عدة، من الطقس وسلاسل الإمداد والعمالة والتجارة وغيرها. وهذا يسبب اضطراباً كبيراً في صنع السياسات والأسواق وسبل العيش. ومن ثم، فإن القدرة على فهم هذه الاتجاهات بصورة أفضل ومعرفة الأدوات التي ستكون متاحة لإدارتها يمكن أن تسهم كثيراً في تدعيم شبكات الغذاء والاستعداد للكوارث.
وينبغي لواشنطن، على سبيل المثال، أن تعمل مع شركائها لتعزيز أنظمة الإنذار المبكر المتشظية في العالم والبيانات التي تدعمها. فالإنذار المبكر بالصدمات التي قد يتعرض لها النظام الغذائي، مثل الأحوال الجوية القاسية واضطرابات الإمدادات والاضطرابات الاقتصادية، يتيح وقتاً ثميناً للتحضير والاستجابة. وينبغي للولايات المتحدة أيضاً أن تقود عملية تحويل تمويل المساعدات الغذائية الدولية في حالات الطوارئ من مساهمات طوعية ومخصصة بحسب الظروف إلى التزامات متعددة السنوات يجري التخطيط لها مسبقاً. وعليها في الوقت نفسه تشجيع مزيد من المانحين على المساهمة بمبالغ تتناسب مع قدراتهم، بدءاً من الولايات المتحدة نفسها.
إن معالجة حالات الطوارئ الغذائية تتطلب أكثر من مجرد زيادة التمويل. فعلى الولايات المتحدة أيضاً أن تعمل على تعزيز المعايير الدولية التي تحمي الوصول إلى الغذاء أثناء النزاعات. ويعني ذلك ضمان قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى مناطق النزاع، وحماية البنية التحتية الزراعية من الهجمات، وحظر استخدام التجويع سلاحاً في الحرب. ولهذه المبادئ أساس راسخ منذ زمن طويل في القانون الدولي، لكن النزاعات في غزة والسودان وأوكرانيا أظهرت الحاجة إلى تعزيزها. وينبغي لواشنطن الدفع بهذه المعايير من خلال القرارات والتحركات في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، واستخدام الدبلوماسية لمحاولة إقناع المنتهكين بتغيير سلوكهم.
لكن دبلوماسية الأمن الغذائي يجب أن تتجاوز مناطق النزاع. وينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى إرساء التزام عالمي واسع بتجنب السياسات الأحادية وردود الفعل غير المدروسة تجاه الصدمات الزراعية، مثل أن تحظر دولة مصدرة للحبوب فجأة شحناتها إلى الخارج رداً على ارتفاع الأسعار، فتترك المشترين الدوليين في مأزق. وقد تكون مثل هذه السياسات جذابة سياسياً للحكومات التي تريد أن تظهر لمواطنيها أنها ستحافظ على انخفاض الأسعار. لكنها تترك الدول الأخرى في وضع أسوأ، وغالباً ما تفشل حتى في تحقيق أهدافها داخل البلد نفسه. وبدلاً من ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تشجع مزيداً من خيارات التمويل الدولية التي تحافظ على تدفق السلع الزراعية المتداولة خلال فترات تقلب الأسعار، وتتيح تسريع التمويل للبلدان التي تواجه صدمات.
وأخيراً، ينبغي للولايات المتحدة أن تقود حملة للعمل الجماعي تهدف إلى حماية النظم الزراعية من تحدٍ شديد الضرر، هو الآفات والأمراض الزراعية. فالآفات والأمراض تدمر ما يصل إلى 40 في المئة من الإنتاج العالمي للمحاصيل كل عام، مما يؤدي إلى انخفاض الدخل في المناطق الريفية، وارتفاع الأسعار على المستهلكين، وإهدار الموارد الطبيعية. إلا أن أنظمة المراقبة والاستجابة الدولية الحالية لهذه الآفات والأمراض محدودة النطاق. لكن بإمكان واشنطن حشد الدعم العالمي لإنشاء أنظمة أكثر شمولاً.
المزيد بموارد أقل
لا شك أن العالم في حاجة إلى تطوير طرق أفضل من أجل إدارة الأزمات والأخطار الغذائية، لكنه يحتاج أيضاً إلى تعزيز النمو المستدام للإنتاج الزراعي، أي القدرة على إنتاج مزيد من الغذاء بموارد أقل. مثل هذا النمو مهم خصوصاً في المناطق التي تشهد زيادة سكانية، إذ تنتج السوق المحلية الجزء الأكبر من الغذاء المستهلك. ولا يمكن نقل سوى بعض السلع الغذائية بسهولة عبر مسافات طويلة، ولذلك لا تستطيع التجارة الدولية وحدها حل تحديات إمدادات الغذاء والتغذية بصورة كاملة.
إن أهم خطوة يمكن للدول أن تتخذها بصورة جماعية هي دعم الابتكار. ولتحفيز هذه العملية، على المسؤولين الأميركيين التركيز بداية على مراكز البحوث الزراعية الدولية، مثل المركز العالمي للخضراوات في تايوان والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح في المكسيك (وقد ساعدت الولايات المتحدة في تأسيس كليهما). وكثيراً ما شكلت هذه المرافق محركاً للتقدم في مجالات الإنتاجية والأمن الغذائي وإدارة الموارد الطبيعية، لا سيما في العالم النامي.
فعلى سبيل المثال، طورت المراكز الدولية خلال العقود القليلة الماضية أصنافاً من الرز المقاوم للفيضانات والذرة المقاومة للجفاف، حالت دون فشل المحاصيل لدى ملايين صغار المزارعين الأكثر فقراً. ووفقاً لدراسات أجراها عدد من المتخصصين في مجال الاقتصاد، تحقق الأبحاث التي تجريها هذه المراكز عائداً مذهلاً على الاستثمار، فمقابل كل دولار يُنفق، تعود 10 دولارات في صورة زيادة في الإنتاج، وانخفاض كلف الإنتاج، وتراجع أسعار المستهلكين، ومنافع أخرى. لكن هذه المراكز البحثية، شأنها شأن مؤسسات كثيرة، عانت توسعاً في مهامها وتضخماً بيروقراطياً. ولتعظيم فعاليتها، ينبغي للولايات المتحدة حشد الدعم العالمي لإعادة تركيز استراتيجيتها، وتبسيط عملياتها، وضخ استثمارات جديدة فيها.
يحتاج العالم إلى الأبحاث ليستبق آخر التحديات، مثل ارتفاع درجات الحرارة والسلالات الجديدة من الأمراض الزراعية القديمة. لكن يجب أن يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك. لذلك، على واشنطن العمل مع جهات فاعلة أخرى لمعالجة المشكلات الصعبة التي تعود بفوائد كبيرة، والتي لم تتركز الجهود الدولية عليها من قبل. ومن الأمثلة على ذلك محاولة تطوير محاصيل معمرة عالية الإنتاجية أو أو مثبتة للنيتروجين، بما يعزز صحة النظم الطبيعية، ويقلل الحاجة إلى العمالة والأسمدة. وقد يشمل أيضاً السعي إلى زيادة كفاءة عملية التمثيل الضوئي، بحيث تتمكن النباتات من إنتاج مزيد من ضوء الشمس الذي تتلقاه. ولن تغير هذه الابتكارات العالم فحسب، بل ستظهر أيضاً قوة الابتكار الأميركي وتعزز علاقات واشنطن مع شركائها.
الأمن الغذائي هو إحدى القضايا القليلة الكفيلة بتوحيد العالم بأسره
لكن لتهيئة الظروف أمام إجراء أبحاث طموحة، ينبغي للولايات المتحدة اتخاذ خطوات لإصلاح المعاهدة الدولية في شأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة. إذ صُممت هذه المعاهدة لإتاحة الموارد الوراثية النباتية، أي البذور والأنسجة، للباحثين في كل مكان بصورة كاملة وحرة. ويمكن استخدام هذه الموارد لاستنباط أصناف جديدة من المحاصيل ذات إنتاجية أعلى، وأكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ، وأكثر قيمة غذائية.
لكن المعاهدة لا تحقق الغرض منها. فالباحثون يرون أن أحكام تقاسم المنافع مكلفة للغاية، بينما ترى البلدان النامية أنها لا تقدم ما يكفي. ونتيجة لذلك، يبحث عدد أقل من الباحثين عن مواد يمكن أن تسرع الابتكار، كما أن عدداً أقل من البلدان مستعد لمشاركة هذه المواد. ولذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تدفع جميع الأطراف إلى إعادة تفسير أحكام تقاسم المنافع بطريقة أكثر سخاءً، وينبغي لها أيضاً أن تمول على النحو الملائم الوقف الخاص بـ”الصندوق العالمي لتنوع المحاصيل”، الذي يمول بنوك البذور الدولية التي تحافظ على الأساس البيولوجي للمحاصيل الغذائية، ولا سيما أن الحكومات، بما فيها واشنطن، لا تؤدي دوراً كافياً في الحفاظ على مجموعاتها. وإذا خلص المسؤولون الأميركيون إلى أن إنقاذ المعاهدة غير ممكن، فعليهم قيادة جهود لصياغة معاهدة جديدة.
وأخيراً، من واجب واشنطن أن تبذل كل ما في وسعها لضمان اعتماد التقنيات الزراعية والغذائية الجديدة بسرعة. وسيتطلب ذلك إجراء إصلاحات في هيئة الدستور الغذائي الدولية “كودكس أليمينتاريوس”، المسؤولة عن وضع المبادئ التوجيهية لسلامة الأغذية التي تحمي المستهلكين وتسهل التجارة. وللمبادئ التوجيهية التي تضعها اللجنة تداعيات كبيرة على التقنيات القادرة على تعزيز الأمن الغذائي العالمي، لكن هذه الهيئة تتسم بالبطء ونقص التمويل وبإثارتها للجدل. لذلك، ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تعزيز قدراتها وشرعيتها، بما في ذلك من خلال الضغط من أجل زيادة الدعم المقدم للجان العلمية التي تساعد في وضع معايير هيئة الدستور الغذائي.
بين الحصاد والزرع
في ظل تزايد المنافسة العالمية، قلة من القضايا قادرة على توحيد العالم بأسره. والأمن الغذائي هو إحداها. فجميع الحكومات تقريباً تدرك أن الجوع مشكلة، وجميعها تقريباً تعلن رغبتها في معالجتها في الأقل. وإذا تمكنت الولايات المتحدة من قيادة جهود قوية في هذا الصدد، فمن الممكن أن توحد العالم بأسره تحت قيادتها.
ولا يعني هذا أنه على واشنطن أن تستغل المساعدات الغذائية أو غيرها من المبادرات الزراعية لتحقيق مآربها. لا ينبغي للولايات المتحدة أن تكرر السياسات التي اتبعتها خلال سبعينيات القرن الماضي في شأن “القوة الغذائية”، حين تفاخر المسؤولون بالإيثار بينما كانوا يحاولون فرض قوتهم السياسية من خلال توزيع إمدادات الحبوب أو حجبها حسب الحاجة. بدلاً من ذلك، على الولايات المتحدة أن تركز على المنفعة المتبادلة، وعليها إقناع الأطراف الأخرى بأنها شريك بناء وموثوق، ومن شأن ذلك أن يعزز علاقاتها الدبلوماسية ويزيد من الاستقرار في جميع أنحاء العالم بما يخدم مصالح الولايات المتحدة بطبيعة الحال.
نادراً ما تتوافق الضرورات الاستراتيجية والمبادئ الإنسانية لواشنطن بهذا الانسجام، والأندر من ذلك أن تعكس أجندة السياسة الخارجية الأميركية بوضوح ما يريد الشعب الأميركي أن تكون عليه بلاده: ليست قوية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. وبعبارة أخرى، يمثل الأمن الغذائي فرصة فريدة للولايات المتحدة. ولا يمكن للبلاد أن تتحمل إهدارها.
آنا نيلسون هي المديرة التنفيذية لـ”مجلس قيادة الأمن الغذائي”. عملت طوال مسيرتها المهنية موظفة في الخدمة المدنية بوزارتي الخارجية والحرب الأميركيتين عبر ثلاث إدارات رئاسية، وشغلت منصب نائبة المبعوث الخاص للأمن الغذائي العالمي بين عامي 2024 و2025.
كاري فاولر هو رئيس “مجلس قيادة الأمن الغذائي”. شغل منصب المبعوث الخاص للولايات المتحدة للأمن الغذائي العالمي بين عامي 2022 و2025، وهو أحد الفائزين بجائزة الغذاء العالمية لعام 2024.
مترجم عن “فورين أفيرز”، الرابع من سبتمبر (أيلول) 2026