محرر في موقع السفينة
قراءة نقدية في خطاب حزب الاتحاد الديمقراطي حول وحدة الموقف الكردي
ثمة قاعدة سياسية لا يمكن تجاوزها، مهما اشتدّت الأزمات وتبدّلت موازين القوى: لا يمكنك أن تحتكر الانتصار لنفسك، ثم تطلب من الآخرين أن يتقاسموا معك الهزيمة.
تنطبق هذه القاعدة، في تقديري، على جانب أساسي من النقاش الدائر حول دعوات قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إلى توحيد الموقف الكردي. فالوحدة التي يحتاج إليها الكرد في هذه المرحلة لا يمكن أن تكون مجرد استجابة اضطرارية لضغوط اللحظة، ولا محاولة لتجميع الصفوف بعد أن تضيق الخيارات وتتعاظم المخاطر. إنها، قبل كل شيء، مشروع سياسي وأخلاقي ينبغي أن يقوم على الشراكة الحقيقية، والاعتراف المتبادل، وتوزيع المسؤوليات، واحترام التعدد داخل البيت الكردي.
المشكلة ليست في الدعوة إلى الوحدة، بل في توقيتها، وشروطها، والطريقة التي يُراد لها أن تتحقق بها.
فعندما تكون الظروف مواتية، وتكون مفاتيح القرار والسلطة والنفوذ في يد طرف واحد، تصبح الشراكة الحقيقية امتحانًا صعبًا. وإذا شعر الآخرون بأن دورهم يقتصر على تأييد القرارات الجاهزة، أو تبرير السياسات المتخذة، أو الوقوف في الصف خلف قيادة لا تتيح لهم التأثير الفعلي في مسار الأحداث، فإن الحديث عن وحدة الموقف يفقد كثيرًا من مضمونه.
ولا يمكن مطالبة القوى السياسية الأخرى بتحمّل مسؤولية قرارات لم تشارك في صنعها، أو الدفاع عن خيارات لم تكن طرفًا في صياغتها. فالشراكة لا تعني منح صكّ تأييد مفتوح، كما أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الانقسام أو العداء. من حق أي طرف كردي أن يحتفظ برؤيته السياسية، وأن ينتقد أداء القيادة، وأن يطالب بمراجعة السياسات، من دون أن يُتهم تلقائيًا بأنه يعمل ضد المصلحة الكردية.لقد أرهق الخطاب السياسي الكردي، في محطات عديدة، منطق التخوين وتبادل الاتهامات، حتى بات الخلاف الداخلي يُقدَّم أحيانًا بوصفه تهديدًا للوجود الجماعي، بدل أن يُفهم باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية. وهذا المنطق لا يصنع وحدة متينة، بل يراكم الخلافات تحت السطح، إلى أن تنفجر عند أول منعطف حاد.
ومن هنا، فإن النقد الموجّه إلى حزب الاتحاد الديمقراطي لا ينبغي أن يُفهم على أنه رفض لوحدة الصف الكردي، بل يمكن أن يكون دعوة إلى جعل هذه الوحدة أكثر صدقًا وفاعلية. فالحزب، بوصفه قوة سياسية مؤثرة، مدعوّ إلى مراجعة علاقته ببقية القوى الكردية، وإلى التعامل مع دعوات الشراكة باعتبارها استحقاقًا دائمًا، لا خيارًا يُستدعى عندما تشتد الضغوط.
وإذا كانت هناك انتقادات تتعلق بتركيز القرار، أو طريقة إدارة المؤسسات، أو توزيع النفوذ والموارد، فإن الإجابة عنها لا تكون بمزيد من الخطاب التعبوي، ولا بتوسيع دائرة الاتهام، بل بفتح المجال أمام حوار سياسي جاد، ومراجعة شفافة، وضمانات واضحة تمنع احتكار القرار وتتيح مشاركة حقيقية في تحديد الأولويات والمواقف.
فليس المطلوب أن يتخلّى أي طرف عن قناعاته، ولا أن تتطابق البرامج السياسية تحت سقف واحد، بل أن تتفق القوى المختلفة على قواعد عادلة لإدارة خلافاتها، وعلى حدّ أدنى من المصالح المشتركة التي لا تخضع للمزاج السياسي أو لحسابات المكسب والخسارة.
إن وحدة الموقف الكردي لا تعني وحدة الصوت خلف قيادة واحدة، بل تعني القدرة على صياغة موقف مشترك بين قوى متعددة، لكل منها رأيها وقرارها وحقها في المشاركة. وهي لا تُبنى بالخوف من الخسارة، بل بالثقة التي تتكوّن من احترام الشركاء، والإنصات إلى انتقاداتهم، وإشراكهم في صناعة القرار قبل أن تصبح النتائج كارثية.
إن اللحظات الصعبة قد تفرض على الجميع البحث عن أرضية مشتركة، لكنها لا تمنح أحدًا حق مطالبة الآخرين بالتنازل عن أسئلتهم أو إسكات اعتراضاتهم. بل إن الأزمات الكبرى تجعل المراجعة أكثر إلحاحًا، والمساءلة أكثر ضرورة، والشراكة أكثر أهمية.
فمن أراد وحدة الموقف، عليه أن يقبل أولًا بوحدة المسؤولية. ومن أراد من الآخرين الوقوف إلى جانبه في مواجهة المخاطر، فعليه أن يمنحهم موقعًا حقيقيًا إلى جانبه في صناعة القرار. أما أن يُطلب منهم الالتفاف حول القيادة
عند اشتداد الخطر، من دون مراجعة لما سبق، أو اعتراف بما تعرّضوا له من إقصاء وتهميش، فذلك لا يؤسس لوحدة مستدامة، بل يؤجل الخلاف إلى موعد آخر.
في النهاية، لا يحتاج الكرد إلى وحدة تُفرض عليهم تحت ضغط اللحظة، ولا إلى خطاب يُحمّل الجميع أعباء المرحلة من دون أن يتيح لهم المشاركة في رسم ملامحها. ما يحتاجونه هو عقد سياسي واضح، يعترف بالتعدد، ويصون حق الاختلاف، ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية.
فلا شراكة بلا اعتراف، ولا وحدة بلا ثقة، ولا مسؤولية جماعية من دون مشاركة حقيقية في القرار.
والرسالة إلى قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، وإلى سائر القوى الكردية، واضحة: إذا كانت وحدة الموقف ضرورة وطنية وقومية اليوم، فيجب أن تكون مبدأً ثابتًا في أوقات القوة كما في أوقات الضعف؛ تُبنى حين تكون الخيارات واسعة، لا حين تضيق السبل، وتُصان بالشراكة، لا بالاستئثار.
لأن الوحدة الحقيقية لا تعني أن يقف الجميع خلف طرف واحد، بل أن يقف الجميع إلى جانب بعضهم بعضًا، على قدم المساواة، ويتحمّلوا معًا مسؤولية القرار ونتائجه، في النجاح كما في الإخفاق.