تتحرك المنطقة مجددا على حافة إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات، لكن هذه المرة عبر بوابة دمشق. فالدعوة التي وُجهت إلى الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة واشنطن لا تبدو مجرد خطوة بروتوكولية أو محاولة لإعادة تطبيع العلاقات السورية الأميركية، بل تحمل في طياتها أبعادا تتجاوز الملف السوري نفسه نحو ترتيبات أمنية وإقليمية أكثر تعقيدا، يتصدرها مستقبل حزب الله
دمشق- تثير الدعوة التي تلقاها الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة الولايات المتحدة منتصف يونيو الجاري تساؤلات واسعة بشأن طبيعة التحولات التي تشهدها العلاقة بين دمشق وواشنطن، خصوصا في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع واحتمالات اتساع دائرة المواجهة بين إسرائيل والمحور الإيراني في المنطقة.
ولا تبدو الدعوة الأميركية حدثا بروتوكوليا عاديا، خاصة أنها تأتي متزامنة مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح فيها بشكل مباشر إلى إمكانية أن تضطلع سوريا بدور في مواجهة حزب الله داخل لبنان، وهو ما فتح الباب أمام قراءات تتحدث عن محاولة أميركية لإعادة توظيف سوريا ضمن ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
وقال مصدر دبلوماسي إن الشرع تلقى دعوة لزيارة واشنطن في الرابع عشر من يونيو، من دون تأكيد نهائي بشأن قبول الدعوة أو جدول الزيارة المحتمل. وإذا تمت الزيارة فستكون الثانية للرئيس السوري إلى الولايات المتحدة منذ وصوله إلى السلطة في ديسمبر 2024 عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وكان الشرع قد زار البيت الأبيض في نوفمبر 2025 في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ استقلال سوريا عام 1946، في خطوة عكست التحول التدريجي في طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع السلطة السورية الجديدة، رغم الخلفية الجهادية السابقة للرئيس السوري.
ومنذ توليه الحكم، حاول الشرع تقديم نفسه كشريك إقليمي قادر على المساهمة في الاستقرار ومحاربة التنظيمات المتشددة، وسعى إلى إعادة دمج سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، مع التركيز على أولوية رفع العقوبات وجذب التمويل الخارجي لإعادة الإعمار وإنقاذ الاقتصاد السوري المنهك بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار المؤسسي.
في المقابل، أبدت إدارة ترامب قدرا متزايدا من الانفتاح تجاه دمشق، تجسد خصوصا في رفع جزء واسع من العقوبات، إضافة إلى إشارات سياسية متكررة تشيد بأداء القيادة السورية الجديدة. وبلغ هذا التقارب ذروته عندما وصف ترامب الشرع، عقب لقائهما في السعودية خلال مايو 2025، بأنه “قائد قوي جدا” يمتلك فرصة لإعادة بناء بلاده.
لكن خلف هذا التقارب السياسي تبرز حسابات أمنية واستراتيجية أكثر حساسية، خصوصا بعد تصريحات ترامب الأخيرة لقناة “إن بي سي”، حين قال إنه يريد “هجوما أكثر دقة على حزب الله”، مضيفا أن الولايات المتحدة “يمكنها أن توصي سوريا” بالمساعدة في ذلك.
وتكشف هذه التصريحات عن تصوّر أميركي متزايد يرى في دمشق أداة محتملة لإعادة ضبط التوازنات على الحدود اللبنانية – السورية، وربما للضغط على حزب الله من خاصرته البرية واللوجستية، في وقت تواجه فيه إسرائيل صعوبة في حسم المواجهة مع الحزب رغم اتساع العمليات العسكرية.
ويرى مراقبون أن ترامب قد يعتبر إسناد مهمة احتواء حزب الله أو إضعافه لسوريا خيارا أقل كلفة من التورط الأميركي المباشر أو استمرار الاستنزاف الإسرائيلي. فمن جهة، يسمح هذا السيناريو بمواصلة الضغط على إيران دون الذهاب إلى حرب شاملة، ومن جهة أخرى قد يؤدي إلى استنزاف حزب الله عبر صراع حدودي طويل يحد من قدراته العسكرية والإقليمية.
لكن هذا الطرح يصطدم بجملة من التعقيدات التي تجعل من الصعب على دمشق الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحزب في المرحلة الحالية.
فسوريا الخارجة حديثا من سنوات الحرب والانقسام لا تزال تواجه تحديات داخلية ضخمة، تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة ولا تنتهي عند إعادة هيكلة الجيش ودمج الفصائل المسلحة المختلفة ضمن بنية عسكرية موحدة. كما أن السلطة الجديدة تدرك أن أي انزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد يقوض كل الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار الداخلي واستقطاب الاستثمارات والمساعدات الدولية.
ويشير محللون إلى أن القيادة السورية الحالية تبدو أكثر ميلا إلى البراغماتية السياسية وتجنب المغامرات العسكرية الكبرى، خصوصا أن أولوياتها الأساسية تتركز على ترميم الاقتصاد، وتحسين الخدمات، واحتواء التوترات الداخلية، وليس فتح جبهات صراع جديدة ذات كلفة بشرية ومالية مرتفعة.
كما أن الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله لا يبدو خيارا سهلا من الناحية العسكرية والأمنية. فالحزب مازال يمتلك بنية قتالية متماسكة وخبرة ميدانية كبيرة وشبكات نفوذ معقدة على جانبي الحدود السورية – اللبنانية، إضافة إلى قدرات استخباراتية وأمنية تمكنه من التأثير داخل الساحة السورية نفسها.
وتخشى دمشق من أن يؤدي أي صدام مفتوح مع الحزب إلى إعادة تنشيط خلايا أمنية وشبكات نفوذ مرتبطة بالمحور الإيراني داخل سوريا، بما قد يعيد إنتاج حالة الفوضى الأمنية ويهدد الاستقرار الهش الذي تحاول السلطة الجديدة ترسيخه.
ويضاف إلى ذلك العامل اللبناني شديد الحساسية. فالإرث الثقيل للوجود العسكري السوري في لبنان بين عامي 1976 و2005 مازال حاضرا بقوة في الوعي السياسي اللبناني، وأي تدخل عسكري سوري مباشر داخل الأراضي اللبنانية قد يثير مخاوف واسعة حتى لدى بعض القوى المناهضة لحزب الله، التي لا ترغب في عودة أي شكل من أشكال الوصاية السورية القديمة.
كما أن تركيا، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع السلطة السورية الجديدة، تبدي بدورها تحفظا واضحا تجاه أي توسع للصراع داخل الجغرافيا السورية. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أكد أخيرا أن ما يجري في سوريا ولبنان ينعكس مباشرة على الأمن القومي التركي، في إشارة إلى رفض أنقرة تحول سوريا إلى ساحة إضافية للصدام الإقليمي.
وفي ضوء هذه التعقيدات، يرجح كثير من المراقبين أن تحاول دمشق تقديم صيغة وسطية لواشنطن تقوم على تشديد الرقابة على الحدود مع لبنان وقطع خطوط التهريب والإمداد اللوجستي لحزب الله، بدلا من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
وقد يمثل هذا الخيار حلا عمليا للطرفين، إذ يسمح لواشنطن وتل أبيب بتضييق الخناق على الحزب وإضعاف قدراته تدريجيا، بينما تتجنب دمشق الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة قد تطيح بمسار إعادة بناء الدولة السورية.
وفي جميع الأحوال، فإن مجرد طرح اسم سوريا كطرف محتمل في معادلة مواجهة حزب الله يعكس حجم التحول الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الأخيرة، ويؤكد أن دمشق عادت لتصبح رقما فاعلا في الحسابات الإقليمية والدولية، لكن ضمن توازنات شديدة التعقيد قد تجعل أي خطوة غير محسوبة مدخلا إلى انفجار جديد في المشرق بأكمله.