يدخل الملف الأمني إلى صلب العلاقات السورية – السعودية، بعدما كانت ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار تتصدر مسار التقارب بين دمشق والرياض. بحسب مصادر «أساس»، طرح الرئيس أحمد الشرع خلال مباحثاته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الرياض انضمام سوريا إلى «اتفاق مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، في وقت أضافت التسريبات عن مشاركة سوريا في حرب اليمن بعداً أكثر حساسية على اللقاء.
كشف «أكسيوس» و«رويترز» يوم الأربعاء عن مباحثات سعودية– سورية بشأن مشاركة عسكرية سورية محتملة في الحرب على الحوثيين في اليمن، تتراوح بين مساعدات دفاعية لحماية المملكة، أو نشر قوات بمهام هجومية إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض. وأفاد مسؤول أميركي بأنّ الموضوع طُرح خلال اجتماع الشرع وابن سلمان. وبحسب «أكسيوس»، لا تعارض إدارة دونالد ترامب الفكرة من حيث المبدأ، لكن مسؤولين أميركيين حذروا من أنها قد تمنح الصراع بعداً دينياً وطائفياً أوضح.
في المقابل، نفى مستشار الرئاسة السورية أحمد موفق زيدان هذه الأنباء ووصفها بالكذب، وقالت وزارة الإعلام إن أي تعاون عسكري سيجري حصراً عبر القنوات الرسمية والأطر الثنائية القائمة.
بين الطرح الذي نقله «أساس» والتسريبات الأميركية والنفي السوري، يتضح أن النقاش بين دمشق والرياض تجاوز الاقتصاد إلى سؤال الدور الأمني لسوريا في الترتيبات الإقليمية الجديدة.
من التأسيس إلى التنفيذ
جاءت زيارة الشرع بعد يوم واحد من اجتماع طارئ للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية لـ«اتفاق مكة»، عُقد على خلفية التهديدات الأمنية التي تواجه السعودية. وخلص إلى الانتقال نحو التطبيق العملي لالتزامات الدفاع المشترك، بما يشمل توفير القوات والقدرات المتفق عليها وضمان سرعة نشرها في المملكة.
كانت السعودية وتركيا وباكستان قد أسست الاتفاق في 7 آب على قاعدة اعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجوماً عليها جميعاً. ومع بدء بناء المؤسسات، عيّنت اللجنة الثلاثية الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أميناً عاماً للحلف لثلاث سنوات، على أن تكون الأمانة العامة في الرياض. وأعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن أكثر من ست دول أبدت اهتماماً بالانضمام، وأن بحث العضويات الجديدة سيأتي بعد دخول الحلف مرحلة التشغيل الكامل.
خيار سوري قيد الانتقال
الاهتمام السوري بالاتفاق ليس جديداً. ففي آب أعلن وزير الخارجية أسعد الشيباني، من إسلام آباد، أن دمشق تدرس الانضمام من دون قرار نهائي. ووفق «أساس»، انتقل الخيار إلى موضوع طُرح مباشرة في لقاء الشرع وابن سلمان.
تكتسب الخطوة أهميتها من علاقات دمشق بالدول الثلاث: تركيا شريك أساسي في الملفين السياسي والأمني، والسعودية انتقلت علاقتها بدمشق من الانفتاح السياسي إلى الاستثمار وإعادة الإعمار، وباكستان توسّع تعاونها ليشمل جوانب سياسية وأمنية. وبالتزامن مع وجود الشرع في الرياض، تسلّمت الخارجية السورية رسالة رسمية من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لم يُعلن مضمونها، ولا يمكن ربطها مباشرة بالاتفاق.
من الاقتصاد إلى الأمن
حتى الآن لم تذكر البيانات الرسمية السورية والسعودية «اتفاق مكة»، وركزت المباحثات المعلنة على العلاقات السياسية والاقتصادية وإعادة الإعمار والاستثمارات السعودية في الطاقة والبناء والصناعة والزراعة والتجارة. لكن معلومات «أساس» تشير إلى مسار أمني أكثر حساسية يرافقها، ويعززه مستوى التمثيل السعودي في اجتماع بن سلمان والشرع: وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ومستشار الأمن الوطني مساعد العيبان، إلى جانب الشيباني من الجانب السوري.
شهد الحضور السعودي في سوريا تصاعداً تدريجياً، بدأ بالدعم السياسي وانفتح على الاقتصاد وإعادة الإعمار. وكانت الرياض أول وجهة خارجية للشرع بعد توليه الرئاسة، قبل أن تساهم المملكة، مع قطر، في تسديد متأخرات سوريا للبنك الدولي، بالتوازي مع مشاريع واستثمارات في البنية التحتية والمطارات والاتصالات والمياه. وإذا كان هذا المسار قد وضع الاقتصاد في قلب العلاقة، فإن البحث في «اتفاق مكة» يضيف إليها بعداً أمنياً، ويفتح سؤالاً أوسع عن موقع سوريا في الترتيبات الإقليمية التي تشارك فيها أبرز الدول الشريكة لدمشق.
في ختام اللقاء، وجّه الشرع دعوة رسمية إلى ابن سلمان لزيارة سوريا، من دون إعلان موعد. وتتحدث مصادر «أساس» عن تحضيرات لها، وتقول إن حصولها قد يترافق مع خطوة أمنية جديدة، من دون تحديد طبيعتها أو ربطها مباشرة بالاتفاق.
هكذا، ما بدأ في آب بإعلان دمشق أنها تدرس الانضمام إلى حلف مكة صار في تشرين الأول موضوعاً مطروحاً مباشرة بين الشرع وابن سلمان.
لا تضع مباحثات الرياض سوريا داخل «الاتفاق»، ولا تؤكد إرسال قوات إلى اليمن، لكنها تنقل العلاقة إلى سؤال أصعب: أي تعاون أمني قد يجمع دمشق بالرياض، وأين يقع موقع سوريا في الترتيبات الدفاعية الإقليمية الجديدة؟
