
دمشق-سانا
بعد خمس سنوات على صدوره، يخرج كتاب “الشرّاقة” للكاتبة والإعلامية السورية سعاد قطناني من دائرة الصمت إلى فضاء القراءة والنقاش، بعدما ظل الحديث عنه متعذراً في وسائل الإعلام الرسمية السورية خلال سنوات النظام البائد، لما يحمله من شهادات حية عن المعتقلات السورية وتجارب الناجين والناجيات منها.
وفي هذا الكتاب، تجمع قطناني بين التوثيق والسرد الأدبي، مستندةً إلى ذاكرة شفوية مثقلة بالألم، لتعيد تقديم الحكايات الفردية بوصفها جزءاً من ذاكرة وطن، وتحول الشهادة من رواية شخصية إلى وثيقة أخلاقية وأدبية تواجه محاولات الطمس والنسيان، حيث ينتقل الكتاب من تسجيل الوقائع، إلى مساءلة معنى الحرية والذاكرة والإنسان، عبر نصوص تستلهم أدب السجون، وتمنح أصوات الضحايا حضوراً يتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الأدب.
الشراقة.. نافذة الذاكرة في مواجهة القهر
في تصريح لـ سانا، أوضحت قطناني أن كتابها ينطلق من الإنسان الذي يحاول التمسك بكرامته وسط أقسى ظروف القهر، مبينةً أن عنوان “الشرّاقة” مستوحى من الكوة الصغيرة التي يطل منها السجان في سقف الزنزانة أو بابها، والتي يفترض أن تصل المعتقل بالعالم الخارجي، لكنها تتحول إلى مفارقة مؤلمة، إذ لا تفتح إلا على مزيد من العذاب.
وقالت:”اخترت هذا العنوان لأنه يمثل الفاصل الدقيق بين عالم الإنسان الذي يتمسك بالحلم، وعالم السلطة التي تريد إقناعه بأن الحلم نفسه جريمة”.
وأضافت: إن الكتاب كُتب في مرحلة شعرت خلالها بأن النسيان قد يصبح أخطر من الجريمة نفسها، مؤكدةً أن غايته الأساسية كانت إنقاذ الذاكرة من الضياع، لأن “الموت الحقيقي ليس غياب الضحايا، بل غياب حكاياتهم”.
الشهادة تتحول إلى لغة أدبية
أشارت قطناني إلى أنها لم تكتفِ بنقل شهادات برنامج “يا حرية” الذي كانت تعده وتقدمه على شاشة تلفزيون سوريا ليروي قصص المعتقلين كما وردت، وإنما أعادت كتابتها بلغة تحافظ على روح التجربة الإنسانية، موضحةً أن بعض المآسي لا يمكن أن تنقلها الوثائق أو الأرقام، وإنما تحتاج إلى لغة قادرة على احتواء الألم والخوف والحنين.
وقالت: “لم أفرغ التسجيلات على الورق، بل أفرغت روح الكلمات، حتى أصبحت الشهادة أدباً يتجاوز أصحابها، وصوتاً لذاكرة وطن بأكمله”.
ويرسم الكتاب صورة للمعتقل باعتباره زمناً معطوباً أكثر منه فضاءً مادياً، إذ تتجاوز التجربة حدود الجدران لتصبح محاولة ممنهجة لتفكيك الإنسان من الداخل، وتجريده من ذاكرته وهويته وقدرته على تعريف ذاته.
وترى الكاتبة أن الشهادة الإنسانية أقدر من السجان على حفظ الحقيقة، لأنها تنتمي إلى الإنسان الذي استطاع، رغم القهر، أن يحافظ على جوهره الإنساني.
الذاكرة… نافذة لا يستطيع السجان إغلاقها
يمنح الكتاب الذاكرة دور البطولة في مواجهة القمع، إذ ترى قطناني أن “الشراقة” الحقيقية ليست تلك الفتحة الصغيرة في الزنزانة، وإنما الذاكرة ذاتها، فهي النافذة التي ظل المعتقل يطل منها على أمه وطفولته ومدينته، ويرفض عبرها سقوطه الكامل في العدم.
وتؤكد أن الحرية لا تبدأ بخروج المعتقل من السجن، وإنما بقدرته على منع السجن من الاستقرار داخله، معتبرةً أن إعادة دمج الناجين في الحياة مسؤولية مجتمعية وثقافية لا تقل أهمية عن تحريرهم.
من التوثيق إلى أدب الشهادات
يستند الكتاب إلى سلسلة لقاءات أجرتها الكاتبة مع عدد من المعتقلين السابقين، من بينهم الروائي مصطفى خليفة، والكاتب محمد برو، والكاتب مالك داغستاني، إضافة إلى شهادات فدوى محمود، وإبراهيم بيرقدار، وعمر الشغري، ورياض أولر، ونظمي محمد، وغيرهم.
وتتجاوز هذه الشهادات إطار المقابلة الصحفية، لتغدو نصوصاً أدبية تحافظ على صوت أصحابها، وتعيد بناء المشهد عبر التفاصيل الإنسانية ولغة الصمت والإيماءة، بما يجعل الكتاب أقرب إلى أدب الشهادات والذاكرة منه إلى التوثيق الخبري التقليدي.
ذاكرة تقاوم النسيان
يبرز “الشرّاقة” أهمية الرواية الشفوية كمصدر ثقافي وتاريخي، وتنطلق مادته من شهادات سجلتها الكاتبة ضمن برنامج “يا حرية”، قبل أن تعيد صياغتها في عمل يحافظ على أصالة التجربة ويمنحها بعداً أدبياً، في محاولة لتثبيت الذاكرة الإنسانية وحمايتها من التلاشي.
ويختتم الكتاب برسالة تؤكد أن كسر أبواب المعتقلات لا يمثل نهاية رحلة الحرية، بل بداية استعادة الإنسان لوطنه وذاكرته، وأن سقوط الاستبداد يكتمل عندما تستعيد الضحايا أسماءها وحكاياتها، لتغدو الذاكرة انتصاراً دائماً على النسيان.
سيرة في سطور
سعاد قطناني كاتبة وإعلامية سورية من مواليد اللاذقية، عملت في إعداد وتقديم برامج سياسية وثقافية واقتصادية في عدد من المؤسسات الإعلامية، من بينها BBC عربي وتلفزيون سوريا.
صدر لها عدد من الكتب، منها انكسار الصورة، وعشر عجاف، والشراقة، وتركز في أعمالها على التوثيق الثقافي والإنساني، ولا سيما توثيق الشهادات الشفوية وتجارب السوريين في المنفى والاعتقال، جامعةً بين الحس الصحفي والكتابة الأدبية في مقاربة الذاكرة والهوية والإنسان.