نصار يحيى.. كاتب سوري .. المصدر من صفحة الكاتب
مدخل بمثابة مقدمة عامة:
“الشيخ والمريد”
دعونا ننطلق من هذا العنوان، إلى مدخل للكتاب المنشود: السردية الأسدية وطقوس العبادة.
لماذا اخترتُ هذا العنوان: الشيخ والمريد؟
هو بالاصل عنوان كتاب، للباحث المغربي الدكتور عبدالله حمودي [1]. موضوع دراسته عن الطرق الصوفية المنتشرة بكثرة في المجتمع المغربي.
ينطلقَ من سؤال جوهري، كيف يمكننا أن نفسر: حالة أغلبية شعبية خاضعة للحرمان، تبدو راضية رغم ذلك؟
حاولَ الإجابة من خلال الإحالة الى عقلية العبيد ..”عقلية الإنسان المقهور”..العبد يسعى بشكل دائم للتقرب من السلطة، ليشعرَ بالأمن والأمان، كسعي المريد نحو رضا شيخه داخل الزاوية..
هنا مربط الفرس كما يقال، الذي ينقلنا إلى المحاور الرئيسية لتلك السردية، التي تتناول كيفية ترسيخ الحاكم المستبد ثقافة الولاء والطاعة لدى المحكومين، من خلال تسميتهم بالرعية.
لذلك كان من الطبيعي الخروج إلى فضاء أوسع، هو على صلة إنما له رقصته الخاصة، وإن وجد نوعًا ما من التناص فهو ببعض الخطوط العريضة؛ استغرقته للمؤلف من زاوية أنثروبولوجية، تلك الزوايا الصوفية، التي يكون حجر الرحى فيها، تلك العلاقة بين المريد وشيخه، تغدو علامة فارقة من الشعور الدائم بتفاوت الهوة بينهما.
لماذا تستعصي هذه العلاقة على التمرد من قبل المريد؟
لندخل في البدء من زاوية اللاشعور الفردي -حيث الزاوية الصوفية كما تكلم عنها حمودي- هنا تأخذ العلاقة صيغة المعلم والتلميذ، أو الشيخ والمريد التي تصل الى ثنائية السيد والعبد، بعلاقتها اللاشعورية بين السادية والمازوخية.
بطبيعة الحال هذا اللاشعور الفردي، لايعيش في جزيرة نائية، كما حي بن يقظان لابن طفيل، إنما ينتمي إلى جمع، إلى عصبية ما داخل المجتمع، ثم حين تتنازع العصبيات فيما بينها، تتهيأ الظروف التاريخية لصعود ذلك “الفرد الطموح”، الذي ينجح في التربع على العرش والانفراد بالسلطة، محولًا نفسه إلى الآمر المطلق، غير أنّ هذه السلطة لا تستمد قوتها من “الغلبة” وحدها، بل من أسطرة متبادلة، يتواطأ فيها طموح الحاكم مع حاجة الجماعة إلى استثناء تتماهى معه، هنا قد تظهر لعبة “النسَبْ” الخاص به، التي تأخذ شكلًا مغايرًا للطبيعة البشرية؛ في السردية الأسدية لم تظهر بشكل جلي، إنما توارتْ تحت عباءة “حزبية رفاقية”، يومَ تربع على العرش الأسد الاب (1970) بصفته قائدًا ملهمًا أو قائد الضرورة التاريخية، تتطور “الحكاية” باللعبة المتبادلة بين حاجة “الجمهور” وصفاته “الاستثنائية” عندما يتم تبني الشعار “التاريخي” في مؤتمر البعث (1985): قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد. مع تكرار “بالروح وبالدم”، سيُفتدى “الملهم الخالد”.
هل عكستْ تلك الحالة تمظهر علاقة المريد بشيخه؟
المريد كتكثيف “للحالة الجمعية الرفاقية” والتي باتتْ في “مسكنٍ” ما يشبه الحشد الذي تكلمت عنه حنة أرندت في سياق تفكيك الحالة الستالينية والنازية..ستحاول السردية الغوص بين خصوصيته الاسدية.
كيف تُستبطن سلطة الزعيم المستبد، داخل اللاشعور الفردي؟
هذه السلطة التي يرتكز عليها المستبد، لا تعمل فقط على إخضاع الفرد لارادتها، بل إعادة تشكيل علاقته بذاته، حين تتحول الطاعة من استجابة لإكراه خارجي، إلى بنية نفسية ووجودية يعيد الفرد من خلالها، إنتاج السلطة داخل ذاته وفي علاقته بالآخرين، عند هذه الحالة لا يغدو غياب المستبد أو رحيله، كافيًا للتخلص من الاستبداد؛ ما كان متجسدًا في الفرد قد باتَ معششًا في المخيال الجمعي، حيث بنية الإنسان المقهور.
تلكَ الوضعية تسللت عبر التاريخ، من لحظة ظهور الحاكم / الخليفة، الملك، الرئيس، الأمين العام، وولي الأمر، ثم حاشيته.
لطالما هذه البنية تحاكي البنية الرعوية، التي انتقلت من فكرة الأب الأول “البطريرك”، باعتبار أن افراد رعيته هم “قُصّرْ” ولن يصلوا إلى حالة النضج والمسؤولية، لذا اقتضى فرض الوصاية عليهم.
إن استرحنا من التاريخ ومباشرة الى الحالة السورية؛ ستكون متسلسلة هذه الوضعية عبر أجزاء الكتاب.
لننطلق من المرحلة الاستبدادية التأسيسية، استيلاء البعث على السلطة آذار 1963.
مع عدم تغافل مرحلة الوحدة المصرية، السورية والتي كانت كحجر أساس، أُجّل تدشينه بمجيء البعث.
أخذت العلاقة بين الحاكم (الحزب) والمحكوم (المجتمع السوري)، بغياب أي نوع من العقد الاجتماعي المفترض، إنما سلطة وضعت نفسها فوق المجتمع، بشعارات عالية النبرة: وحدة، حرية، اشتراكية.
مستلهمة نموذجها – مع اختزاله سورياً- من الوضعية العامة لحالة النموذج “الاشتراكي” التوتاليتاري الجديد، حيث الادعاء للحاكمية البشرية المضطهدة، إنما ينوب عنها حزبها عبر امينها العام الدكتاتور الجديد..
شيئا فشيئا يُنادى عليه (الأمين العام) بصفته القائد الملهم، والمعصوم عن الخطأ، تحت يافطة عريضة تُكتب على جبين المحكومين، بما فيهم حاشيته و ندمائه في المأكل والمشرب.
ستشهد سوريا تلك المرحلة الانتقالية لاستقبال قائد الضرورة، مابين حكم البعث الأول في آذار/ مارس 1963، ومجيء “المعصوم عن الخطأ” حافظ الاسد في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1970.
يستريحُ (الشيخ والمريد) بمحطته هذه، عندما تتشكل الوضعية الجديدة للحفر نحو “عقلية الانسان المقهور”
تمتْ الدعوة للمفكر اللبناني مصطفى حجازي، يحملُ معه كتابه: (التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور):
بادئ ذي بدء -حجازي- علينا التذكير باستشهاد من الكتاب:
“لا يجد الإنسان المقهور من مكانة في علاقة التسلط العنفي، سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدونية كأمر مرفوض..” [2]
تأخذ عند بعض الجماعات ذات الصيغة المظلومية، المناجاة للزعيم المنقذ بديلاً عن/ إمامٍ ما وقع في جبٍ عميق، ويُنتظرْ مجيئه مع صعود الفجر إلى غياهب اللطم و النقر على الخشب..
تربع الأسد الأب على كرسيه، سوف يطلق عليه “الأب القائد” واحيانا للمسيرة وأخرى للضرورة، وكما تعلم أن لغتنا العربية غنية جداً بمفردات التبجيل والتقديس، وكلما زاد “النغم” ازدادَ شعور الرعية بالرضا و “العرفان بالجميل”.
تتجلى رمزية “أبانا” الذي تسلط على الحكم ثلاثين عاماً، بأنه “ليس كمثله شيء”.
وأثناء ذهابه إلى العالم السفلي، كانت تتم مراسم تنصيب ابنه الوريث؛ جسده يغيب وروحه ترفرف، بين جوقة المصفقين (أعضاء مجلس الدبيكة).
وبينما هم يعلنون البيعة للابن، كان طيفه “يختال المكان”، يحمل لوحة صفراء كتبَ عليها: لن أغفرَ لمتردد و متلكأ..
“ذلك هو الشيء هو الكائن الذي لا اعتراف به مباحاً”..
بدأت الاشارة ترسو على شاطئ كتابه الأحدث: الإنسان المهدور / مصطفى حجازي [3]
تنأى بنفسها تلك العلاقة ما بين الشيخ والمريد، ليحل محلها حالة الانتهاك الكلي، من أخذ مكان الشيخ “الرئيس الطاغية”، كان أبوه يطلب من الحاشية تصوير وتسجيل “مهرجانات البيعة الابدية”، عبر أفلام خاصة، يركن في المساء على ضوء الشموع، يضع تلك “الفيديوهات” على شاشة سينما كبيرة بعرض حائط القصر، والصوت مرتفع إلى أعلى من جبل قاسيون. يرتدي بيجامته، يطلب من العائلة الحضور معه، يبدأ العرض، صوره مرتفعة وشاهقة، تماثيله ترنو إلى “الدبيكة” وحملة الفوانيس.
تغدو المشهدية على محاذاة جسده المغطى بسياج “الياسمين”، يُهرول إلى “الكرنفال” يتوسطهم، تتراءى حنجرات “الجمع” بصوت ضجيجِ الطبلة، يحتضونه، ويحملونه على الأكتاف، بعضهم يلمسُ يداه، ثم ينزل إلى قدميه:
هنا “سموه حيث خرج من القصر” إلى ساحات “الوغى” في التصفيق والتهييج والجعير.
حملوا “الوريث” على طناجر الحي، قبل تبييضها من ركام القهر وطلب القبول بالاعتراف.
في القهر هناك اعتراف بكيان الإنسان رغم القيام بترويض إرادته وصولاً إلى إخضاعه..أي اعتراف مشروط بكيان الآخر (أعترفُ بكَ مادامتَ تخضع لمشيئتي..
أما الهدر هناك سحباً للاعتراف أصلاً بقيمة الكيان ..أو الوعي أو المكانة؛ الهدر بالأصل يتراوح بين الحالات الفظة الصارخة التي تتخذ طابع هدر الدم والتصفية..
خرج السوريين على الحاكم الوريث في آذار 2011، يطالبون باعتراف من نوع جديد، يُعيد لهم كرامتهم المفتقدة من ستة عقود، قالوا له: سنخلع تلكَ العباءة المسيجة بالحديد والنار، نحن لم نبايعكَ، إنما عبوديتنا من بايعتكَ..
يصل الصوت إلى شرفات الطريق المطل على غرفة نومه، يتعرّق، يزمجر، يناجي صورة أبيه المعلقة فوق رأسه: أبتاه هل تسمع؟
يا بني اهدرْ دماؤهم، اجعل أجسادهم فريسة للوحوش..
يركضُ وزير النياشين: عليكَ بسفّاح الجماجم، سادن الجحيم، اجعله يرمي حممه الحارقة للاجساد والانهار والاشجار وحيطان البيوت.
قال لجنوده: ارفعوا شعار أنا أو يُحرق البلد.
طغى الهدر واستوطن الساحات والشوارع والسطوح..جرى الدم يسيلُ بين حفايا كروم العنب الثكلى.
وكانت المحطة الأخيرة كتاب يحمل عنوان: سيكولوجية التوتاليتارية للمؤلف البلجيكي ماتياس د سيمت [4]
هنا اختلجت المشاعر والأحاسيس بعنوان كتاب حنة أرندت أسس التوتاليتارية..
ما يدفع للاهتمام أكثر، هل للتوتايتارية سيكولوجية خاصة بها وكأنها كائن بشري؟
بمعنى آخر يلتقي الكاتب مع حنة أرندت حول الجمهرة (الحشد) التي هي أساس وبنيان التوليتارية (النظام الشمولي).
يستطرد باللقاء معها: الأساس المشكل للتوتاليتارية: “الاعتقاد الساذج بإمكانية إنتاج كائن شبه إنساني مثالي ومجتمع طوباوي..”
لكنه سينفرد عنها بالقول: إن تعزيز الخوف والقلق في المجتمع، ينتجُ ظاهرتين سيكلوجيتين، تتمثل في النرجسية وهوس التنظيم..
من أين يبدأ القلق والخوف الدائمين؟
سيذهب بنا كتاب سيكولوجية التوتاليتارية، الى المراحل الطفلية الأولى (6-9 أشهر). عندما يبدأ الطفل إدراك ذاته بالمرآة.
يجري مقارنة بينه وبين بعض الكائنات التي تتعرف على نفسها بالمرآة، ومنها الدلافين وبعض الاصناف المتطورة من القرود هنا يستفيد من دارون، إنما سيتحقق الاختلاف بينهما (الطفل وتلك الاخرى): أن الإدراك عند الطفل يترافق مع شيء لا يحدث للحيوانات الأخرى، يتمثل في الفرحة العامة التي يبديها.
تبدأ المسيرة المتناقضة للطفولة البشرية، بطرح سؤال: ما الذي تريده مني أمي حتى تبقى راضية عني؟
أكثر اللحظات مرارة تلك التي تنجم عن شعوره أنه يتعرض للإهمال من قبل الأم، في مرحلة عمرية ما بين الثلاث سنوات والأربع.
مايهمنا بهذه اللحظة من هذه الشذرة الاخيرة:
تجاوز حالة القلق والخوف لدى الإنسان، بمرحلة النضج، عندما يحل النظام أو القانون الاخلاقي الصارم مكان تلك الام، ولطالما لدى النظام التوليتاري يبقى الزعيم الأوحد هو المبتدى والمنتهى، في مصادر التنغيص لجموع الحشد أو الجمهرة، التي تماهت مع الزعيم وباتت تتساكن في مخيالها معه..
ثم التركيز على الخصائص السيكولوجية التي يتمتع بها الشعب التوتاليتاري:
استعداد الأفراد التضحية بمصالحهم الشخصية لصالح المجموع العام..
عقلية الوشاية الارتيابية..
كيف تتحقق الالية الدفاعية للفرد ضمن الجمع؟
عبر الانتماء والتماهي مع الحشد (الجمع/ العصبية)، ستحقق له حالة من النشوة التي تشكل الدافع الحقيقي لاعتناق السردية التي تساهم في الجمهرة. من زاوية الاعتراف به: أخاً، رفيقاً، نصيراً، وهلم جرا من “هسهسات” الجسد، حينما يعبرُ تلك الوصايا بالقبول والرضى، أو الأدق بالولاء والخنوع.
هل بالإمكان الانتقال إلى الحالة العيانية السورية..؟
تغولْ “مرحلة الاضطهاد” من المراحل الاولى لحكم البعث آذار/ مارس 1963، أو قبلها بقليل سنوات الوحدة مع مصر من شباط / فبراير 1958 لغاية أيلول / سبتمبر 1961.
تزامنَ ذلك بتأميم الحياة العامة بشتى شظاياها لجهة الحزب الحاكم (حزب البعث)، كذلك العمل على تأسيس وتدشين بنية ونظام جديدين من الولاء والطاعة.
انظر فقط كيف يتساوى الحاكم والمحكوم بلقاء سيادته:
يذهب إلى قبره مسجى بتصفيق الجمهور من شتى الألوان والملل والنحل، وفجأة يُنصّب “الوريث” يلثغ بالسين، لكن للدقة والأمانة التاريخية فإنه تقدم على “سماحته” بأنه لا يلدغ بحرف الراء..يحكىُ أنّ أباه قد أمرَحاشيته بعد وفاة أخيه الموعود بولاية العهد، أن يلقنوه كل صباح تلك العبارات التي يتكرر بها حرف الراء:
أمرَ أميرُ الأمراء، بحفرِ بئرٍ في الصحراء، لتشربَ منه الطيور، إلا طيراً ببغاءِ.
دعونا نقف عند الموقف الاضهادي بالاستعارة من الدكتور مصطفى حجازي:
يمكن تحديدها بأنها مرحلة الاسد الاب، ثم لحظة التوريث واستمرار الابن حتى حراك ثورة الكرامة في آذار/ مارس 2011.
هذا الاستبطان للاضطهاد القهري، جعل من المكونات السورية -على اختلاف عصبياتها الدينية والمذهبية والاثنية- تستدعي “الحالة القهرية” بانها تبطن شيء وتظهر شيء “التُقية”.
لايعني ذلك ان لم يكن هناك أركان وعناصر السلطة القهرية من خارج الدكتاتور.
على العكس تماما بهكذا مشهدية، يعلمنا التاريخ أن نسبة الراضخين، ومقدمي أكثر لحظات الولاء وهم ابعد عن التمرد، والاقسى في مواجهة من هو أدنى منهم، هم نسبة ليست قليلة ولا تقتصر على مكون ما ..
هنا نستفيد من القول:
كيف يتوحد المضطَهد مع المستبد او المعتدي؟
لطالما تتراءى الصورة الذهنية، عن مقومات الذات بصيغتها الراضخة.
يتفسر لدينا القول بأن : “الانسان الاضطهادي لايكتفي بادانة نفسه، بل بحاجة لادانة الاخرين..”
لننتقل إلى الإنسان المهدور
كما مر معنا أن الانسان المهدور هو أشد قساوة من حالة الانسان المقهور، هنا ليس اعتراف بانسانيتكَ، إنما انتَ مهدور دمكَ وروحكَ وكل من يمت بصلة إليكَ، بما فيها مسكنك و “محارمك”..
لذلك كان من الطبيعي في الصرخات الأولى من الاحتجاج (التظاهر): حرية..حرية..كتعبير عن الخروج من عصر الولاء والطاعة ، المتزامن لهتك الكرامة الإنسانية، واستباحة الجسد بشتى صنوف القتل تحت عناون الهدر:
الدم والعرض والمكان حيث تنتمي، وقد أخذ -في الوضعية السورية- صراع عصبيات طائفية مع الحاكم وأخرى متهمة حتى لو كانت معه (الاكثرية).
عمل “الحاكم” وحاشيته على التذكير “بالمأتمية المظلومية”، حينما كان قاطنو الجبال يخشون سكان المدن.
وصلتْ الرسالة (للحاكم الطاغية الصغير)، فهبّ العرشُ هبة واحدة:
إما أنا أو الابادة لكم جميعاً بشراً وحجراً وأشجارا. عُبر عنه بصريح العبارة دون تورية: إما الأسد أو نحرق البلد”
-واقع الحال لم يهربْ كفأر، إلا بعد أن حرق البلد. في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.
أعادتْ العصبيات المذهبية والاثنية رسم خرائطها، تحت حجج و متواليات حسابية، وكان من الطبيعي أن تشعر العصبية الاكثرية -التي فُتكَ بها أكثر من غيرها بكثير- أنها تخرج من المظلومية التاريخية، وأنها على قاب قوسين من تحقيق حلمها بالوجود، الذي غُيبَ طيلة عقود ستة. وما رافق ذلك من سلطة مستبدة، أخذتْ شكلاً أكثر توحشا ليصل إلى الإبادة بعد 2011 .
لماذا يعود المكبوت أحياناً، لمن تمرد عليه، أو كان يعتقد أنه حُوصر في مكان معتم لن يرى الضوء؟
يبدو أن الطبيعة البشرية عند اشتداد ازماتها، وتلقفها أنها مهددة كوجود، وأنه هُدر دمها وشجرها وحجارتها، كما فعل الطاغية بالمكون الاخر الاكثري، تُستحضرْ بقوة التي كانت تخبو بين ظلال الذاكرة اللاشعورية الجمعية، خاصة في مرحلة الاسترخاء عندما يشفعُ الليل هفوات ضجيج النهار، حينها هي وهو يستظلان بتجمع عابر للعصبيات بشتى مظاهرها.
يظهر الى السطح تماهي الفرد بالجماعة، بحيث تأتي الاجابة بالايجاب، مع عدم غياب التمايز عن الجماعة، ردًا على القول المأثور الديني: “وهل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون”؟
ولا مناص من أن يحاول “المتمرد” أن يستعصي على أقرانه من “الجمهرة” بين الهنا والهناك، حتى لا يقع في مطب التأسيس، ثم رصف حجارة التوتاليتارية، بصفتها “الجمع العمومي” الذي جعل من نفسه مطيةً لهذا أو ذاك..
علينا أن ننوه -ان استطعنا سبيلا- ان الحشد (الجمهرة) لاتقتصر فقط على موالاة السلطان، قد تجد لنفسها سلطاناً آخر:
الانتماء الى عصبية ما هُزمت، تمشي مهيضة الجناح، يسكنها جرح ونزيف نرجسي، يبحثُ عن الملاذ الآمن بالحنين لذاك “الفردوس المفتقد”، هو متخيل ومعاش في آن.
إنه التيه وقد غاصَ “المنقذ” في طين المستنقعات.
يُعاود اللاشعور الجمعي “بعودٍ ما أبدي”، نحو محاكاة “مخلص” جديد، لطالما قد التقى في غياهب أحلامه المهدي المنتظر المغيّب، بين ظهراني كهوفٍ غدرتْ بها المراكبُ.
قد يتساءل القارئ: ماهو الرابط المباشر في كتابكَ المنشود والمعنون (السيرة الأسدية وطقوس العبادة)، وهذا المدخل؟
علي أن أوضح، بأنّ هذا الكلام -المدخل- هو إطلالة ما على الترسبات الممكنة التي تنزاح نحو اللاشعور، الذي يغدو جمعيًا، ويؤسس منظومة سلوكية محكومة بالولاء والطاعة، تجنبًا لخطر محدق من الحاكم المستبد، لذلك ستجد من الطبيعي أن يلجأ إلى الاحتماء بهذا “الزعيم”، كمنقذ من “الضلال” والقلق من مصير ربما تتلاعب به الرياح..
ما يهم في سياق الكتاب، أن السرد يحاول قراءة الشخصية الأسدية (الآب والابن)، منذ لحظة التأسيس -الانقلاب التشريني عام 1970- وقبلها بقليل حينما سيطر حزب البعث على الدولة -8 آذار/ مارس 1963- كمرحلة مهدّتْ “للاب القائد” في التمكن من الانفراد بالسلطة، وتحويلها إلى جمهورية وراثية، وكأنها مزرعته الخاصة، كان ذلك قبل كل شيء، اعتداء على الحزب الحاكم نفسه (حزب البعث)، إذ باتَ مشرّعًا لسلطة “الوريث” جاعلًا منها أمرًا مفروغًا منه، فارضًا إياها بوصفها حقيقة بديهية، لا يملك المجتمع إزاءها إلا التسليم والإذعان. شأنها شأن أي توريث ملكي، أو معتقد ديني يقوم على توريث المصطفين منه؛ ربما هنا ترتقي الصيغة البشرية إلى صيغة قدسية، كي تظهر المعصومية، بحيث لا ينالها أية إشارة “معترضة”.
—————————————————————————————————————————
[1] كتاب الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. المفكر المغربي عبدالله حمودي. صدرت طبعته الأولى بالإنكليزية 1997. تمت ترجمته إلى العربية 2000. عن دار توبقال.
[2] انظر كتاب التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. الدكتور مصطفى حجازي. صفحة 39. صادر عن المركز الثقافي العربي. المغرب. طبعة تاسعة 2005..
[3] كتاب د.مصطفى حجازي. الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية. صدر عن المركز الثقافي العربي. المغرب الدار البيضاء . طبعة أولى 2005.
[4] سيكلوجية التوتاليتارية كتاب للمؤلف البلجيكي ماتياس د.سميث. صدر عن دار الساقي 2024. ترجمة مالك سلمان.