ملاحظة ضرورية: هذا حوار متخيّل مع ماريو فارغاس يوسا وبول أوستر، لا يسعى إلى تمثيل آراء شخصيات تاريخية تمثيلًا حرفيًا، بل إلى وضعها في مواجهة أسئلة معاصرة.
المكان: محطة استراحة شبه خالية على مسار دراجات بمحاذاة نهر بوتوماك، فرجينيا. الوقت: منتصف الأسبوع، ظهيرة صيف حار.
بلال خبيز (يحييهما وهو يضع خوذة الدراجة على الطاولة الخشبية):
حسنًا يا سادة، نحن هنا في منتصف الأسبوع تمامًا، حيث المسار شبه خال من حشود الدراجين المذعورين من احتمال خسارة خلودهم البدني. أراقبكما منذ ساعة. السيد أوستر يبدو متأنقًا كأنه خرج للتو من شاشة تلفزيون قديمة، والسيد يوسا يدقق في شقوق الإسفلت كما لو كان يبحث عن ثأر قديم أو ركام دولة.
سؤالي لكما يبدأ من هذا المكان: لقد قضيت حياتي أراقب الناس لا لأعاشرهم، والمعاشرة بالنسبة لي تورطٌ يفسد المراقبة، بل لأتعلم من مراقبتهم كيف أنجو. الدراجة التي أركبها ليست أداة ترف، بل هي آلة هرب تمنع العالم من حشري في بروفايل أو هوية ضيقة. حين أتحرك، أختبر لسعات البعوض الحقيقية، لكنني أملك السرعة لأكون أسرع من الثعالب والكلاب. دراجتي هي آلتي التي تنجح في تعقيمي في مواجهة المخاطر العظمى، لكنها أيضًا هي امتداد لقدمي بحيث تبقيني على اتصال وثيق مع الطبيعة المعتدية. لهذا أنا عالق بينكما بدقة. بين تعقيمك التلفزيوني يا بول، وبين وحشيتك البيولوجية يا ماريو. أين نضع الجسد المعاصر في هذه المقايضة؟
بول أوستر (ينظف نظارته، ينظر عبر زجاج السيارة المفتوح قليلًا خلفه):
يا بلال، الهرب الذي تمارسه فوق الدراجة هو الحنين بعينه. في روايتي “موسيقى الحظ”، كان الشاب يقود سيارته عبر الولايات بلا هدف سوى الحركة، لأن السيارة هي التمهيد الحتمي لعصر التلفزيون الذي نعيشه اليوم. التلفزيون والسيارة ليسا أدوات عزل بالمعنى الشرير، بل هما “الصالة المكيفة الكبرى” التي تحمي الإنسان من فجاجة الصدفة وقسوة الطبيعة. الأشجار عبر الشاشة رائعة، لأنها مجردة من حشراتها اللاسعة التي تشكو منها، والثلج جميل لأنه لا يقتل البشر المحميين بالزجاج والتكييف. ألا ترى أن دراجتك، برغم سرعتها، هي محاولة بائسة لتأجيل الاندراج الكامل في هذا الوهم التلفزيوني المعقم؟ أنت تريد الأمان، والصالة المكيفة هي المكان الوحيد الذي يمنحك رفاهية ألا تكون أحدًا.
ماريو فارغاس يوسا (يقاطع بحدة، يضرب الطاولة بيده الجافة):
هذا هراء بورجوازي يا بول. وهم الخلود المعقم هذا هو المشكل الحقيقي لعصرنا. أنت وجميع دعاة البيئة والرياضة والدايت في هذه الصالة الأميركية تحاولون تحنيط الجسد، بينما الحقيقة العارية هي أن الجسد وُلد ليموت، وُلد لِيُنفق ويُستهلك. المتعة ليست جائزة نخبئها في خزنة، بل هي آلية تبديد.
(ينظر إلى بلال)
أنت تقول إنك تتعرض للسعات البعوض؟ هذا ممتاز. هذا هو الدليل الوحيد على أنك لست جثة مؤتمتة بعد. عندما كتبت في “مديح زوجة الأب” عن التدقيق في نزع شعر الوجه، كنت أبدي أسفي على الشعر المنتوف، على الحيوانية البدائية التي يستأصلها المجتمع المعقم ليصنع وجوهًا ملساء تشبه تماثيل العرض. وفي “دفاتر دون ريغوبيرتو”، إطلاق الريح من المرأة النائمة هو النداء الحقيقي للجنس، لأنه النداء البيولوجي الفج الذي يكسر سجن الأخلاق والبروفايلات. حركتك على الدراجة يا بلال، إذا كانت لصيانة خلودك فهي تواطؤ مع أوستر، أما إذا كانت لإنفاق الجسد وتبديد طاقته ليموت براحة، فهي الحقيقة الوحيدة.
بلال خبيز (يبتسم ببرود، ينظر إلى النهر المنساب بجانبهما):
المفارقة يا ماريو، أنني في طريقي لشراء دراجة من ألياف الكربون. والكربون مادة تمتص الصدمات والاهتزازات، تمنح القيادة نعومة مخملية كأن الجسد يطفو، وهي وضعية مستقيمة تريح الظهر. ألا يبدو هذا كأنه هندسة لتعقيم الألم؟
لكنني في ذات الوقت، أشعر بتبكيت الضمير. فبينما أرتب لهذه الدعة والكسل الرخي تحت الشمس، أرى بلادي الأصلية في الشرق كأنها “مستشفى هائل” يعج بالمرضى، والجيش الأميركي فوقنا يتحول إلى بنية تحتية كوكبية، يحمي كابلات البيانات وحقول النفط، ويمنحنا حق العيش داخل الصالة بشرط إهدار حقوقنا وخلع أنيابنا السياسية. نحن هنا “حريم الصياد” الحنون الذي يقتل الأسود في الخارج ويعود لبيته عاشقًا ورقيقًا.
بول أوستر:
هذا بالضبط ما أعنيه بالصدفة والنظام يا بلال. الصياد يؤمن لك الصالة، والمواطنة هنا هي قبول بـ “النسيان المحمي”. أنت لا تحتاج لاسم رنان في الخارج، يكفيك أن تكون رقمًا غير مرئي لكي تتحرك دراجتك بأمان. النسيان داخل الرفاهية أفضل بكثير من النجومية الصاخبة فوق ركام بلد يتداعى. استمتع بكونك لا أحدًا، ودع الموسيقى خلفيتك السمعية.
(يميل أوستر إلى الأمام، ويوجه حديثه ليوسا بنبرة أقل هدوءًا وأكثر حدّة): ماريو، أنت تتحدث عن الجسد كما لو أنه كائن بريّ لم تمسّه يد الإنسان بعد. لكن دعني أذكّرك بشيء من كتبك أنت قبل كتبي. في “شيطنات الطفلة الخبيثة”، لم يكن الجسد حُرًّا ولا فوضويًا. كان مُدجَّجًا بأدوات التدجين، وكان يُعيد تشكيل الآخرين وفق رغباته، لا وفق الطبيعة. تلك الطفلة لم تكن “حيوانية”، بل كانت تمارس هندسة اجتماعية متنقلة، تعيد نحت الرجال من حولها كما تُنحت المدن الحديثة: بالرغبة، بالتهديد، وبالتلاعب. وفي “حفلة التيس”، ألم يكن الجسد نفسه، جسد السلطة، هو الأداة الكبرى للتدجين؟ أليست الديكتاتورية هي أعلى درجات “الصالة المكيفة السياسية”، حيث يعاد تشكيل البشر ليصبحوا قطعًا في ماكينة الطاغية؟ أنت تتحدث عن الجسد كأنه مقاوم بطبيعته، لكن الجسد المعاصر ليس بريئًا ولا طبيعيًا. إنه كائن مهذب، مفلتر، معقّم، يدجّن حتى الناس من حوله.
نحن لا نعيش في الطبيعة يا ماريو، بل في نسخة قابلة للهضم منها. الحيوان الذي نأكله ليس الحيوان، بل الجزء الذي يناسب معدتنا. والبحر الذي نخوضه ليس البحر، بل ما يمكن انتزاعه منه دون أن يعضّنا. حتى الكلب الذي نربيه في البيت ليس كلبًا، بل كائنًا منزليًا معقّمًا، منزوع الخطر، منزوع الطبيعة. نحن لا نريد الطبيعة، بل نريد أن تخضع الطبيعة لشروطنا وتفضيلاتنا. غابة بلا حشرات، وبحر بلا ملح، وحيوان بلا أنياب، ومدينة بلا ذئاب. وهذا يا ماريو هو جوهر المعاصرة: أن يتحول الجسد إلى مُهندس صغير، لا إلى كائن بدائي.
بلال خبيز (ينظر إلى بول أوستر، بنبرة مستدركة تنطوي على عدالة معرفية):
أعتذر منك يا بول، ربما ظلمتك قليلًا قبل قليل حين حصرتك في “موسيقى الحظ” وتعقيمها التلفزيوني. تذكرتُ الآن غرفتك الأخرى. تذكرتُ “في بلاد الأشياء الأخيرة” مشهد الجنس العجول والفاني بين آنا بلوم وفيكتوريا في تلك المدينة المنكوبة. هناك، لم يكن الجسد بروفايلا معقما، بل كان أداة فانية ومستجيبة لنداء العدم البارد. الجسدان جاهزان ولا وقت للتردد. أنت لست مصمم شاشات مكيفة، ولا يمكنني حشرك بهذه الصفة. لأنك تعرف تمامًا فجاجة الجسد المتروك للخراب.
بول أوستر (يهز رأسه ببطء، وتلمع في عينيه مسحة حزن):
أشكرك على هذا الإنصاف يا بلال. نعم، الفارق بين رواياتي يكمن تمامًا في نوع “المستشفى” الذي يقيم فيه أبطالي. في “في بلاد الأشياء الأخيرة”، يقيم الأشخاص في ذلك “المستشفى الهائل والعاري” الذي تحدثتَ عنه. إنها غزة الخيال، الشرق المتروك لبيولوجيته الفجة، حيث ينهار الزجاج المعقم وتصبح الاستجابة لنداء الجسد الفاني هي الحقيقة الوحيدة المتبقية وسط الركام.
أما في “ثلاثية نيويورك”، فالأمر مختلف. الأشخاص يقيمون في “مستشفيات معقمة ومكيفة”، مصممة تكنولوجيًا وبيروقراطيًا لهدف واحد ووحيد: أن تطيل أعمارهم قسرًا. أن تحنطهم في كبسولات الأمان، حتى يموت كل من هم في الخارج كليًا، وحتى يندثر جيل الصراخ والقسوة والأسود، ويُولد جيل جديد معقم تمامًا، جيل يظن أن العالم بدأ من داخل الصالة المكيفة، ولا يتخيل وجود حارس خارج البوابة يمسك بفواتير النفط والحماية.
ماريو فارغاس يوسا (يهز رأسه بأسف):
ولكنك بهذه المقابلة بين مستشفيين تتخلى عن حقيقة الجسد! تصبح سجينًا يحمل رقمًا. السيستم هنا يأخذ رغباتك وأعضاءك السفلية ويصنع منها “بروفايل هوياتي” صارم يربطك به، في حين أنه يترك للعين والفم، الأعضاء الأعلى شأنًا، حرية الخطأ والتجريب، وهامشًا أوسع من الخيارات. وفي الحقيقة فإن السيستم يسعى دائمًا لتقييد كل ما هو طبيعي فينا، وكلما كان العضو أصعب انقيادًا كلما باتت الأسوار التي تسجنه أكثر إحكامًا. السيستم يريدنا بلا حياة، معقمين ومثلجين كأننا موتى مع وقف التنفيذ. هذا مع علمنا أن الحاجة البيولوجية هي نشاط ميكانيكي لا يصنع هوية. لكننا نصر على صناعة الهويات استنادًا إلى أقل حاجاتنا شأنًا وأكثرها تواترًا. نكون نباتيين أو أكلة لحوم، مثليين أو مغايري الجنس، ولا نلبث أن نعرّف أنفسنا بوصف حاجاتنا الطبيعية هي هويتنا. أميركا تمنحك هويتك كـ “أثاث سري” خلف الأبواب المغلقة، لتأخذ منك فاعليتك في المتن العام. هذا اليأس الذي تعيشه هو يأس مداوٍ، لأنه يسمح لجسدك المنهك من المعارك القديمة أن يترجل ويهدأ، ولكن احذر أن يتحول هذا الهدوء إلى تحنيط.
بلال خبيز (يقف، يرتدي خوذته، ويمسك بمقود دراجته):
إذًا، الخيار المشؤوم المتاح أمامي هو أن أكون كائنًا منقرضًا يأكل نفسه في حرارة الخارج وصراخ باحة الانتظار، أو أن أكون برغيًا صامتًا يستمتع ببرود الصالة المكيفة ولسعات البعوض التي تفلت من التكييف. سأركب دراجتي الآن وأكمل طريقي. السرعة هي وسيلتي الوحيدة لأستمع إلى أم كلثوم وحسن الحفار في خلفية رأسي، بينما أفر من تصنيفاتكما ومن ثعالب هذه المدينة المعولمة التي لا ترحم الواقفين.