ملخص
على رغم الفوضى التي أحدثتها سياسات ترمب عالمياً، أخفقت الصين في تحويل تراجع النفوذ الأميركي إلى مكاسب حاسمة. فبكين تملك ثقلاً اقتصادياً ودبلوماسياً هائلاً، لكنها ما زالت تفتقر إلى الحلفاء والجاذبية السياسية، والقدرة على إقناع العالم بأن نموذجها بديل موثوق للهيمنة الأميركية.
منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، عمد إلى ترهيب الدول حول العالم وتوبيخها وإكراهها، منفراً الأصدقاء والجيران والحلفاء والمنافسين والخصوم والدول المحايدة على حد سواء، حتى أصبحت الولايات المتحدة، بحسب وصف الباحث ستيفن والت في مجلة “فورين أفيرز”، “هيمنة أميركية مدمرة”. وقد خلقت سياسات ترمب فراغاً جيوسياسياً عالمياً هائلاً، بدا وكأنه صمم خصيصاً لكي تستفيد منه الصين من خلال توسيع حضورها ونفوذها.
لكن بالنسبة إلى المخططين الاستراتيجيين والدبلوماسيين الصينيين، فإن استغلال الأخطاء غير المبررة التي ارتكبتها واشنطن من تلقاء نفسها لم تكن بالسهولة المتوقعة. ففرص الصين لتوسيع نطاق وجودها العالمي وتعزيز مصالحها تتباين من منطقة إلى أخرى ومن مجال إلى آخر، كما أن سجلها حتى الآن يبدو حافلاً بالنتائج المختلطة في أفضل الأحوال: بعض التقدم، وبعض الجمود، وبعض الانتكاسات.
وفي وقت اتجهت الأنظار نحو القمة المهمة المرتقبة بين ترمب والزعيم الصيني شي جينبينغ، المسار المستقبلي للتنافس الأميركي – الصيني لن يتحدد بطبيعة الحال من خلال اجتماع واحد. والأهم من ذلك بكثير هو أن أفعال ترمب وسياساته خلال العام الماضي قد أتاحت فرصة ذهبية لشي وحكومته، ليس لتعزيز مصالحهم الخاصة فحسب، بل أيضاً لإحداث تحول حقيقي في ميزان القوى العالمي.
ومع ذلك، فبدلاً من أن تجني الصين مكاسب استراتيجية ضخمة، برز واقع أكثر تعقيداً ودقة، إذ بدأت الدول في مختلف أنحاء العالم تنتهج سياسة التحوط وتسعى إلى تقليل هشاشتها واعتمادها على كل من الصين والولايات المتحدة. وتذكر هذه النتيجة بأن التنافس الأميركي الصيني ليس لعبة محصلتها صفر، فخسارة طرف لا تعني بالضرورة مكسباً للطرف الآخر. واليوم، قد يكون الطرفان معاً بصدد خسارة نفوذهما العالمي في الوقت نفسه.
أدوات الصين المحدودة
في تنافسها الجيوستراتيجي العالمي مع الولايات المتحدة، تستخدم الصين مزيجاً من الأدوات لتوسيع نفوذها وتعزيز مصالحها. ويمكن قياس هذه الأدوات ضمن أربع فئات، وهي الدبلوماسية، والقوة الناعمة، والقوة العسكرية، والاقتصاد.
على الصعيد الدبلوماسي، تظهر الصين حضوراً لافتاً ومستوى عالياً من النشاط حول العالم. فهي تمتلك سفارات وقنصليات في 182 دولة، ويحظى نحو 5 آلاف دبلوماسي صيني بتقدير كبير بسبب خبرتهم وكفاءتهم. وعادة ما يتحدث السفراء الصينيون بلغات الدول التي يعملون فيها ويلقون خطابات عامة فيها (خلافاً للسفراء الأميركيين الذين نادراً ما يفعلون ذلك). كما أن حجم العلاقات الثنائية بين كبار المسؤولين الصينيين (بمن فيهم رئيس الدولة، شي جينبينغ) ونظرائهم الأجانب هائل، ويتجاوز بكثير حجم تبادلات الولايات المتحدة. صحيح أن شي بات يسافر إلى الخارج بوتيرة أقل نسبياً مقارنة ببداية عهده، إلا أن الصين تستطيع أيضاً إيفاد رئيس الوزراء ونوابه الأربعة وبعض أعضاء المكتب السياسي الـ24، ووزير خارجيتها (الدبلوماسي المخضرم وانغ يي)، و26 وزيراً، ومسؤولين من دائرة العلاقات الدولية للحزب الشيوعي الصيني، وجميعهم يجوبون العالم بانتظام ويستقبلون نظراء أجانب في بكين. علاوة على ذلك، فإن الحكومة الصينية نشطة للغاية داخل المؤسسات الدولية والمنظمات متعددة الأطراف، في تناقض حاد مع انسحاب إدارة ترمب الأحادي من 66 هيئة من هذا النوع.
لكن على رغم اتساع البصمة الدبلوماسية الصينية، إلا أنها ليست بالضرورة مؤثرة. فبكين لا تقود الأجندة الدبلوماسية الدولية، وليست القوة الأكثر نفوذاً في أية منطقة من العالم. فهي لا تتدخل على الإطلاق في أكثر القضايا أو الصراعات إشكالاً في العالم، ونادراً ما تتوسط في المفاوضات بين الأطراف المتنازعة (كما هو الحال حالياً في الصراع الإيراني). وغالباً ما تكتفي بكين بإطلاق دعوات عامة للسلام والتفاوض، لكنها نادراً ما تدفع نحو مفاوضات مباشرة تفضي فعلياً إلى حل النزاعات، ويظهر هذا الغياب الدبلوماسي المبالغة الصينية في تقدير قوتها العالمية.
وعلى نحو مماثل، ما زالت القوة الناعمة للصين محدودة، على رغم ضخ بكين موارد هائلة (تتراوح بين 10 و20 مليار دولار سنوياً) في الدبلوماسية العامة والإعلام العالمي وبرامج المساعدات الخارجية على مدى العقد الماضي، سعياً منها إلى تحسين صورتها السلبية في الخارج. وعلى رغم أن “مبادرة الحزام والطريق الصينية” كانت أكثر تأثيراً، لكنها بدورها حققت نتائج متباينة. كما أن قلة من الناس تولي اهتماماً بالتصريحات الرسمية التي تدلي بها الحكومة الصينية أو بالمبادرات العديدة التي أطلقها شي جينبينغ الرامية إلى تعزيز نفوذ الصين، مثل “مبادرة التنمية العالمية”، و”مبادرة الحضارة العالمية”، و”مبادرة الأمن العالمي”، و”مبادرة الحوكمة العالمية”، و”مجتمع ذو مستقبل مشترك للبشرية”. وعلى رغم هذه الجهود والإنفاق المكثف لتحسين صورتها، لم تحقق بكين عوائد تذكر على استثماراتها. فبحسب استطلاعات “مركز بيو للأبحاث”، ظلت النظرة الدولية إلى الصين خلال العقد الماضي “سلبية” في الغالب (54 في المئة في 24 دولة شملها الاستطلاع عام 2025). وعلى رغم وجود بعض المناطق التي تظهر آراء “إيجابية” في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا، فإن استطلاعات الرأي حول الصين في أوروبا والعالم الناطق بالإنجليزية، وفي مناطق متبقية، تظهر نتائج متباينة في أفضل الأحوال وسلبية بوضوح في أسوأها.
أما القوة العسكرية الصينية، عند النظر إليها من منظور عالمي، فهي لا تزال ضعيفة جداً. فعلى رغم امتلاك الصين أسلحة نووية وأسطولاً بحرياً ضخماً وترسانة من الصواريخ الباليستية وقدرات سيبرانية وفضائية، فإنها تفتقر إلى القدرة على بسط نفوذها العسكري التقليدي خارج حدودها. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع جيش التحرير الشعبي نشر ودعم لواء عسكري (يتراوح قوامه ما بين 4500 و5 آلاف جندي) على بعد 1500 ميل خارج حدوده، فضلاً عن تنفيذ انتشار عسكري متعدد الأفرع في الجهة الأخرى من العالم، مثلما تفعل الولايات المتحدة حالياً في منطقة الخليج. كما أن البحرية الصينية تعد الأكبر عالمياً من حيث عدد السفن القتالية، إذ تمتلك 370 سفينة، إضافة إلى ما بين 60 و70 غواصة، لكنها نادراً ما تبحر خارج غرب المحيط الهادئ والمحيط الهندي. وبينما تمتلك الولايات المتحدة 51 حليفاً رسمياً تربطها بهم معاهدات دفاع جماعي، ونحو 750 قاعدة عسكرية حول العالم، لا تملك الصين سوى حليف واحد بموجب معاهدة رسمية (وهو كوريا الشمالية)، كما لا تدير سوى قاعدة عسكرية واحدة خارج أراضيها (تقع في جيبوتي).
وعلى رغم هذا النقص في القوة العسكرية، تتمتع الصين بلا شك بنفوذ اقتصادي وتجاري دولي هائل. فهي ثاني أكبر دولة في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي (19.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025)، والشريك التجاري الرئيس لأكثر من 120 دولة، وقد حققت فائضاً تجارياً مذهلاً في السلع بلغ 1.2 تريليون دولار أميركي عام 2025، ولديها 23 اتفاق تجارة حرة مع 30 دولة ومنطقة. واستطراداً، يشهد الاستثمار الصيني المباشر في الخارج نمواً سريعاً مع توسع شركاتها متعددة الجنسيات عالمياً، إذ ظهر 130 منها في قائمة “فورتشن غلوبال 500” لعام 2025. وفي ذلك العام نفسه، بلغ إجمالي الاستثمار الصيني المباشر في الخارج 174 مليار دولار، مدفوعاً بزيادة نسبتها 17.6 في المئة في الاستثمارات داخل الدول التي تنفذ فيها الصين مشاريع بنية تحتية ضمن “مبادرة الحزام والطريق”.
لكن حتى مع هذا الثقل الاقتصادي الهائل، ظلت قدرة الصين على الاستفادة من تنامي العداء تجاه الولايات المتحدة محدودة، فما ينجح في بعض المناطق لا ينجح بالقدر نفسه في مناطق أخرى.
القارة في حالة انجراف سياسي
قد تكون محدودية نفوذ الصين أكثر وضوحاً في أوروبا منه في أي مكان آخر، فأوروبا تجد نفسها اليوم في وضع غير مسبوق، إذ إنها عالقة بين ثلاث قوى عدوانية، هي روسيا والصين والولايات المتحدة. وقد تداخلت الحرب الروسية العدوانية على أوكرانيا مع العداء العام الذي تنتهجه إدارة ترمب، ومع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران (التي لا تؤيدها الدول الأوروبية)، في وقت ينظر فيه الأوروبيون إلى الصين منذ نحو عقد من الزمن على أنها تهديد اقتصادي وأيديولوجي واستخباري وسيبراني خبيث. وكما جاء في تقرير حديث صادر عن الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية (DGAP): “لا تفقد الولايات المتحدة صدقيتها في سياستها الخارجية وضماناتها الأمنية فحسب، بل ينظر إليها بصورة متزايدة على أنها طرف خبيث تتسم سلوكياته بأنها مختلفة عن سلوكيات الصين، لكنها تشبهها أحياناً”.
وحتى قبل أن يشن ترمب هجماته المتكررة على الحلفاء والشركاء الأوروبيين، لم تكن الصين في موقع جيد يسمح لها بالاستفادة من الوضع. فقد ظلت علاقات بكين مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وكذلك مع المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي في بروكسل، فاترة في أحسن الأحوال لسنوات عديدة. وحتى مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في وسط وجنوب شرقي أوروبا، تدهورت العلاقات في السنوات الأخيرة. فالتجمع الذي أنشأته الصين مع دول وسط وشرق أوروبا (CEEC)، وانطلق وسط ضجة كبيرة عام 2012، تقلص عدد أعضائه من 17 إلى 14 عضواً، وهو الآن في حالة احتضار سياسي.
في الواقع، لقد جعلت تحديات عديدة من الصعب للغاية على بكين الاستفادة من المشهد الجيوسياسي المتغير في أوروبا. ومن بين أبرز العوائق الشراكة الوثيقة بين الصين وروسيا، ودعم بكين الفعلي للعدوان العسكري الروسي، إذ ينظر الأوروبيون إلى الصين على أنها متواطئة بصورة كبيرة مع موسكو في حربها ضد أوكرانيا، وربما في مخططات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوسعية تجاه بقية أوروبا. وإلى جانب هذا العامل الاستراتيجي، فقد أدت حالات متكررة من التجسس والاختراقات الإلكترونية وعمليات التأثير السياسي في عدد من الدول الأوروبية إلى تفاقم النظرة الأوروبية السلبية تجاه الصين.
ويضاف إلى هذه التوترات تدفق هائل من السلع الصينية المصنعة التي أغرقت بها أسواق أوروبا، مما أسهم في تراجع عدد من الصناعات الأوروبية. وقد تضافر تعمق عملية الحد من التصنيع مع انخفاض مبيعات المنتجات الأوروبية (وخصوصاً السيارات الألمانية) في السوق الصينية. وفي عام 2025، بلغ العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين 359.9 مليار يورو (أي ما يعادل نحو 421 مليار دولار). ونتيجة لذلك، بدأت القارة الأوروبية تعيش “الصدمة الصينية” الجديدة.
في غضون ذلك، أثارت الاستثمارات الصينية الخفية في القطاعات الصناعية الاستراتيجية مخاوف في بروكسل، ولكن في غياب آلية ملزمة لفحص الاستثمارات على مستوى القارة، فإن أفضل ما استطاع الاتحاد الأوروبي فعله هو تقديم وعود كلامية وتطمينات عامة في شأن “تقليل الأخطار”. كما أن الاتفاق الشامل للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، الذي جرى التوصل إليه من حيث المبدأ في ديسمبر (كانون الأول) 2020، لم يصدق بعد من البرلمان الأوروبي، فضلاً عن أنها لم تدخل حيز التنفيذ. ومما زاد الطين بلة، أن أوروبا فوجئت وأصيبت بالإرباك العام الماضي بسبب تكتيك بكين المتمثل في قطع صادرات المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات لكسب نفوذ في حربها التجارية والجمركية مع إدارة ترمب، إذ إن فقدان الوصول إلى هذه المواد قد يشل بعض الصناعات التحويلية المتقدمة في أوروبا (بما في ذلك شركة إيرباص وشركات الصناعات الدفاعية).
ولهذه الأسباب مجتمعة، لم تكن الصين في وضع يسمح لها بالاستفادة من المواقف والسياسات العدائية التي انتهجتها إدارة ترمب تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، فقد دفع هذا الابتعاد من واشنطن عدداً من القادة الأوروبيين إلى التوجه نحو بكين بحثاً عن فرص ثنائية في مجالي التجارة والاستثمار، وكإجراء احترازي للتحوط ضد عدم القدرة على التنبؤ بالسياسات الأميركية.
الجنوب العالمي
إن ستة عقود من الجهود الصينية الدؤوبة لبناء علاقات مع الدول النامية، إلى جانب الإهمال النسبي الطويل الأمد من جانب واشنطن، وضعت بكين في موقع أفضل بكثير للاستفادة من النهج غير المتسق الذي تتبعه إدارة ترمب تجاه ما يعرف بالجنوب العالمي.
وعلى رغم أن إدارة ترمب أعطت الأولوية لنصف الكرة الغربي وأعلنت عزمها بوضوح على كبح جماح “المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي” (أي الصين)، فإن نفوذ بكين في المنطقة أكبر بكثير مما تدركه واشنطن. فعلى مدى العقدين الماضيين، رسخت الصين وجودها بعمق داخل اقتصادات منطقة الكاريبي وأميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، لتصبح ثاني أكبر شريك تجاري لأميركا اللاتينية (بحجم تبادل تجاري بلغ 236 مليار دولار في عام 2025). وإلى جانب التجارة، استثمرت الصين ما يقدر بـ160 مليار دولار في المنطقة منذ عام 2010، معظمها في قطاعي التعدين والطاقة.
لكن أفضل الفرص المتاحة للصين لإزاحة النفوذ الأميركي في العالم النامي خلال فترة إدارة ترمب تكمن في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث كان الاهتمام الدبلوماسي الأميركي تاريخياً متقطعاً في أفضل الأحوال، في تناقض واضح مع الانخراط الصيني المستمر. فقد كانت بكين الشريك التجاري الأكبر للمنطقة على مدى 20 عاماً. وتهيمن البضائع الصينية على معظم الأسواق الأفريقية، من السيارات والآلات إلى المنسوجات والملابس وصولاً إلى الهواتف المحمولة ومعدات الاتصالات.
في الماضي، كان ينظر إلى الاستثمارات الصينية في أفريقيا عموماً بصورة إيجابية، باعتبارها توفر فرص عمل للسكان المحليين، لكن في السنوات الأخيرة أدى تدفق رجال الأعمال والعمال والمستثمرين الصينيين إلى القارة إلى إزاحة العمالة الأفريقية وإثارة استياء متزايد. ويوجد الآن نحو 10 آلاف شركة مملوكة للصينيين تعمل في أفريقيا، كما يقيم في القارة أكثر من مليون صيني. وعلى رغم الأثر الإيجابي العام لبرامج المساعدات الصينية الممتدة منذ سنوات طويلة، فقد بدأت هذه المبادرات تثير الشكوك والاستياء بسبب تدفق العمال الصينيين وبناء بنية تحتية مرتبطة باستخراج الموارد الطبيعية. ونتيجة لذلك، ظهرت رواية تتهم بكين بممارسة استعمار صيني جديد، كما بدأت النظرة العامة الأفريقية للصين تتراجع في السنوات الأخيرة، بعد أن كانت لعقود الأكثر إيجابية في العالم.
العلاقات مع الحلفاء
في الشرق الأوسط، تواجه الصين قيوداً ناجمة عن حضورها المحدود وعدد من نقاط الضعف الموروثة. فتاريخياً، كانت الأنظمة الملكية المحافظة المناهضة للشيوعية في المنطقة تنظر إلى الصين بريبة عميقة. إضافة إلى ذلك، ظلت علاقات بكين سطحية مع معظم حكومات المنطقة وجيوشها ومجتمعاتها (باستثناء رئيس هو مصر).
ومع ذلك، خلال العقد الماضي، كثفت الصين انخراطها في المنطقة. ومن أبرز نجاحاتها وساطتها بين إيران والسعودية، التي أدت إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مارس (آذار) 2023. ولكن تبين أن هذا الانفراج بين طهران والرياض سطحي وهش، فبعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في فبراير (شباط) الماضي، ردت الجمهورية الإسلامية بضربات على أهداف في السعودية.
وقد تكون الصين في الوقت نفسه مستفيدة ومتضررة من الصراع الإيراني الحالي، فواشنطن انجرت مرة أخرى إلى أعمال قتالية في الشرق الأوسط، مما يعني بالضرورة صرف انتباهها الاستراتيجي عن الصين. (وقد أظهر غلاف حديث لمجلة “ذي إيكونوميست” حديثاً صورة لشي جينبينغ يبتسم بسخرية وهو ينظر إلى ترمب، مع عنوان يقول: “لا تقاطع عدوك وهو يرتكب خطأ”، في إشارة إلى مقولة نابليون). ولا يقتصر هذا الوضع على مجرد تشتيت الانتباه الاستراتيجي، فمن أجل خوض حربها الأخيرة في الشرق الأوسط، اضطرت القوات الأميركية إلى نقل قوات وذخائر كثيرة من منطقة شمال شرقي آسيا. وكانت تلك القوات والمعدات مخصصة لردع الصين عن غزو تايوان، أو لاستخدامها في حرب محتملة إذا فشل الردع.
أما الجانب السلبي للحرب بالنسبة إلى الصين فهو أن الدولة الحليفة لها، إيران، تعرضت لضربات قاسية عسكرياً واقتصادياً. فقد قدمت بكين شتى أنواع الدعم لطهران على مدى عقود، وفي عام 2025 بلغت حصة الصين 22 في المئة من إجمالي تجارة إيران، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي. وفي عام 2021، تعهدت بكين باستثمار 400 مليار دولار في إيران على مدى 25 عاماً. كذلك، تشتري الصين بصورة منتظمة أكثر من 80 في المئة من صادرات النفط والغاز الإيرانية، كما ساعدت بكين طهران في تطوير مجمعها الصناعي العسكري مع تمكينها من الالتفاف على العقوبات الدولية.
ولذلك، ليس من المبالغة القول إن بكين وفرت شريان الحياة الأساسي للنظام الإيراني المعزول وجيشه ومجتمعه، لكن بكين قد تخسر هذه العلاقة القائمة على التبعية إلى حد كبير، حتى لو تمكن النظام في طهران من البقاء بعد الصراع الحالي، بل إن أحد النتائج المحتملة للحرب قد يكون ظهور نظام إيراني أكثر غضباً وثقة بالنفس وعدوانية في طهران، وهو أمر لن يخدم مصالح الصين في دول الخليج الأخرى وعموم الشرق الأوسط.
خبراء في سياسة التحوط
في مختلف أنحاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ الشاسعة، تواجه بكين فرصاً متعددة للاستفادة من أخطاء ترمب، لكن كما هو الحال في أماكن أخرى، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الصين قادرة فعلاً على استغلال هذه الفرص، وتعد الهند أفضل مثال على ذلك. فقد أدت رسوم ترمب الجمركية المتقلبة، التي يطبقها تارة ويتراجع عنها طوراً، إلى تنفير الحكومة الهندية والمجتمع الهندي معاً، مما تسبب في أكبر توتر في العلاقات بين البلدين منذ عقود، ووفر فرصة للصين. إلا أن انعدام ثقة الهند بالصين متجذر بعمق، ولذلك عجزت بكين عن استثمار الوضع. وفي الوقت نفسه، تحولت دول أخرى في جنوب آسيا، مثل بنغلاديش وجزر المالديف ونيبال وسريلانكا، إلى ساحات تنافس في الصراع الإقليمي الصيني الهندي، مع سعي الصين باستمرار إلى توسيع حضورها وتعزيز علاقاتها مع كل من هذه الدول خلال السنوات الأخيرة.
أما في المناطق الأبعد شرقاً، تعد منطقة جنوب شرقي آسيا أرضاً خصبة للصين لتوسيع نفوذها على حساب الولايات المتحدة، فرابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) تعتبر حالياً أكبر شريك تجاري للصين (والعكس صحيح أيضاً)، إذ وصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى رقم مذهل بلغ تريليون دولار أميركي في عام 2025. ولكن كما هو الحال في مناطق أخرى من العالم، فإن السلع الصينية المصنعة تغرق جنوب شرقي آسيا. ومن أصل الفائض التجاري العالمي الهائل للصين، البالغ 1.2 تريليون دولار، تستحوذ دول “آسيان” على ما يقارب ربع هذا الفائض. وكما أوضح الباحثان جيسيكا لياو وزينيل غارسيا أخيراً في مجلة “فورين أفيرز”، فإن هذا العملاق الاقتصادي الصيني يولد مشاعر استياء واحتمال رد فعل عكسي داخل المنطقة.
وعلاوة على ذلك، كثيراً ما ينظر إلى الدبلوماسية الصينية في جنوب شرقي آسيا على أنها متسلطة وأحياناً تلاعبية، في حين تثير القوة البحرية الصينية ومطالباتها الإقليمية الحازمة في بحر الصين الجنوبي قلقاً واسعاً. علاوة على ذلك، فإن عمليات بكين السرية للتأثير في الرأي العام داخل دول المنطقة، ودعمها للجالية الصينية فيها، يعيدان للواجهة شكوكاً تاريخية موروثة من ستينيات وسبعينيات القرن الـ20، عندما حاولت الصين استخدام تلك الجاليات كطابور خامس للضغط على الحكومات غير الشيوعية.
لقد أصبح التنافس الجيوستراتيجي الأميركي – الصيني جزءاً متجذراً في بنية النظام العالمي
وعلى رغم هذه التوترات المتصاعدة، تحقق بكين تقدماً محدوداً داخل “آسيان”. فقد أظهر استطلاع رأي موثوق أجراه معهد بحوث “يوسف إسحاق لدراسات جنوب شرقي آسيا” في وقت سابق من هذا العام، وشمل نخباً إقليمية، أن الصين بات ينظر إليها بإيجابية غير مسبوقة. وما تزال غالبية واضحة من المشاركين تعتبر الصين الفاعل الاقتصادي الأكثر نفوذاً في المنطقة، وللمرة الأولى تفوقت الصين على الولايات المتحدة من حيث اعتبارها القوة السياسية والاستراتيجية الأهم في المنطقة.
لكن دول جنوب شرقي آسيا ورابطة “آسيان” لم تنظر قط إلى علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين بمنطق ثنائي قائم على الاختيار بين طرفين ولا يقبل الوسط. في الواقع، تظهر هذه الدول براعة في سياسة التحوط، وكثيراً ما سعت إلى تعزيز علاقاتها مع أكبر عدد ممكن من القوى، وهو توجه وصفه الدبلوماسي السنغافوري المخضرم بيلاهاري كوسيكان بمصطلح “دبلوماسية متعددة الشركاء”.
واستكمالاً، لم تجد الصين فرصاً كثيرة لتحدي النفوذ الأميركي المهيمن في شمال شرقي آسيا ومنطقة أستراليا – آسيا، فأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية دول حليفة قوية للولايات المتحدة، وتنظر جميعها إلى الصين بعين الريبة، وتربطها ببكين علاقات ثنائية متوترة.
هل الأفضلية للصين؟
إذا استقرت العلاقات الأميركية – الصينية بعد قمة ترمب وشي جينبينغ، فإن دولاً كثيرة سترحب بهذا التغيير، بعدما وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة في مواقف محرجة وتعرضت لضغوط تدفعها إلى “الاختيار” بين واشنطن وبكين. ولكن حتى لو شعرت هذه الدول بشيء من الاطمئنان نتيجة هذا الاستقرار، فإنها ستواصل سياسة التحوط وحماية استقلاليتها، لأنها لا تثق بأي من القوتين العظميين. وحتى إذا أفضت القمة إلى قدر من الاستقرار في العلاقات الثنائية، فستستمر القوتان في التنافس عالمياً على النفوذ، فقد أصبح التنافس الجيوستراتيجي الأميركي – الصيني جزءاً متجذراً في بنية النظام العالمي.
وإذا كان شي جينبينغ محقاً في قوله إن “الشرق يصعد والغرب يتراجع”، وإن الولايات المتحدة في عهد ترمب تفقد هيمنتها العالمية السابقة، فهذا لا يعني بالضرورة أن ميزان القوى الدولي سيتحول بصورة حاسمة لصالح بكين، فالصين تمتلك قدرات متفاوتة في مجالات القوة المتعددة وفي مناطق العالم المختلفة. وعلاوة على ذلك، كثيراً ما جادل منظرو مفهوم القوة، من عالم الاجتماع روبرت دال إلى عالم السياسة جوزيف ناي، أن الممارسة الحقيقية للقوة تكمن في القدرة في التأثير، وليس بالضرورة في تحقيق أرقام ومستويات عالية في معايير القوة مثل امتلاك اقتصاد قوي أو قدرات عسكرية ضخمة، كما أشار ناي إلى أن القوة يمكن أن تمارس من خلال الإكراه أو المكافأة أو الجذب (القوة الناعمة).
وحتى إذا كانت الولايات المتحدة تشهد تراجعاً عالمياً متواصل وغير موقت، والصين في المقابل تصعد نسبياً، فهذا لا يعني أن بكين تمتلك القوة الفعلية أو النفوذ الكافي لتجاوز واشنطن. فالصين والولايات المتحدة ستظلان لفترة طويلة الدولتين القوميتين الأكثر هيمنة في العالم، إذ لن تتمكن أية دولة أخرى (بما فيها روسيا) أو أية مجموعة دول (مثل الاتحاد الأوروبي أو رابطة “آسيان”) من الوصول إلى درجة القوة الإجمالية والنفوذ الذي تمتلكانه.
لكن هذا لا يعني أن النظام الدولي سيصبح ثنائي القطبية، فالثنائية القطبية الحقيقية، كما شهدناها خلال الحرب الباردة، تتطلب انجذاب عدد كبير من الدول والحلفاء نحو القوى المهيمنة (سواء لتحقيق منافع ملموسة أم بسبب القيم المشتركة أو للحصول على الحماية العسكرية)، مما ينشئ تكتلات وتحالفات متعددة الأطراف وحالات اصطفاف غير قائمة على تحالفات رسمية، فالقوى الحقيقية تشبه المغناطيس، تجذب الآخرين نحوها.
وهنا تكمن ربما أكبر نقاط ضعف الصين: فهي لا تملك حلفاء، ولا توجد دول أخرى تنظر إلى بكين باعتبارها مصدراً للحماية العسكرية، كما أن قوتها الناعمة لا تزال ضعيفة، ونظامها السياسي غير جذاب، ونجاحها الاقتصادي غير قابل للتكرار والاستنساخ، ودبلوماسيتها ليست ذات تأثير كبير. قد يعجب المرء بإنجازات الصين المتعددة، لكن الدول الأخرى لا تنجذب إليها. فثمة خصائص صينية كثيرة لا ينظر إليها على أنها عالمية (خصوصاً ثقافتها ونظامها السياسي)، كما أنها لا تنتقل أو تتجذر بسهولة في مجتمعات أخرى، ولذلك وحتى مع تراجع القوة الناعمة الأميركية في عهد ترمب، لا تزال الصين عاجزة عن تقديم نموذج بديل مقنع للعالم.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 12 مايو (أيار) 2026…. اندبندنت عربية