كنت سنة 2010 أستعد لامتحانات السنة التاسعة ضمنَ الشهادة الإعدادية، وقد حثنا أساتذة التاريخ على التركيز على درس كفاح المغرب من أجل الاستقلال. كان المطلوب حفظ أسماء أعلام الحركة الوطنية المغربية، ثم أبرز المراحل التاريخية العصيبة التي سبقت توقيع اتفاقية الاستقلال سنة 1956. برزَ في مقدمة هذه المحطات “الظهير البربري” (والظهير في المغرب تعني الأمر الملكي)، وهي بحسب المنهج الدراسي وثيقة أصدرتها فرنسا للتفريق بين أبناء المجتمع المغربي من العرب والأمازيغ، فتصدى لها المغاربة بالمظاهرات الغاضبة. وكان الحديث عن “الظهير المشؤوم”، بحسب تعبير بعض أساتذتنا، يبدأ عادة بالإشارة إلى نهج فرنسا الاستعماري “فَرِّق تَسُد”، وينتهي بالإشارة إلى مؤامرةٍ فرنسية لتنصير الأمازيغ، بإبعادهم عن الحاضنة العربية الإسلامية.
أما المنحدرون منا من مناطق أمازيغية فكانوا يخجلون قليلاً من هذا التفصيل التاريخي. فكنتُ أسأل نفسي إذا ما كان أجدادنا أقل وطنية وتعلقاً بدينهم من غيرهم، حتى يحسبهم المستعمِر لقمة سائغة لمخططاته. وهل كانوا من ضعاف العقول الذين يحتاجون وصايةً على شؤونهم القانونية والدينية. وقد ظلت هذه الأسئلة في وعيي، حتى سمعت سنة 2019 عن صدور ترجمة فرنسية لكتابِ الناشط في الحقوق الأمازيغية محمد مونيب “الظهير البربري: أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر”.
كان الكاتب قد رفع دعوى قضائية ضد وزارة التربية الوطنية المغربية، ثم نشر مرافعته في كتاب من المعطيات والوثائق التي تنتقد الرواية الرسمية عن الظهير البربري. وبدا الأمر لي مثل زعزعة للمسلمات التي نشأنا عليها في المدرسة المغربية. وعند البحث، ظهر أن الدعوى رُفعت سنة 2004 ضمن مبادرة حملت اسم “تيضاف” (اليقظة بالأمازيغية)، وتألفتْ من أكثر من أربعمئة شخص وأربعين جمعية مهتمة بالشأن الأمازيغي. وطالبت المبادرة بإعادة النظر في مقرر السنة التاسعة من التعليم الأساس، وإلغاء جزء الظهير البربري في مادة التاريخ، لتحريضه على الكراهية بين المغاربة والمساس بكرامة الأمازيغ. كذلك دعت إلى إعادة كتابة تاريخ البلاد على أسس علمية. غير أن المجلس الأعلى للقضاء رفض الطعن سنة 2009، وسط ابتهاج ومباركة عدد من المنابر الإعلامية المغربية.
ظل الظهير البربري محطة إشكالية في قراءة تاريخ المقاومة المغربية ضد الاستعمار. إذ دق رواد الحركة الوطنية المتأثرين بخطاب القومية العربية نواقيس الخطر عند صدوره في 16 مايو 1930، فعدوه في كتاباتهم نقطة لانطلاق الكفاح ضد الاستعمار، وبداية لالتفاف الشعب المغربي حول مطالبهم. فقد رفعوا شعار الدفاع عن الدين الإسلامي، وإنقاذ الأمازيغ المغاربة من محاولات التنصير والإبعاد عن الحاضنة العربية الإسلامية. أما كتابات النشطاء الأمازيغ فقد انتقدت هذه القراءة لمرسوم اقتصر برأيهم على تنظيم الشؤون القضائية في المغرب، ووسمتها بالعقائدية والسياسية. ورأت أن هذه القراءة شكلت عتبة البداية لشيطنة قضايا الأمازيغ، ووصمهم بالسعي نحو التفرقة بين مكونات المجتمع المغربي. على ذلك، فإنّ الانفتاح على مجموعة من الأبحاث التاريخية الجادة يكشف كيف غطت العصبية السياسية على قراءة أوجه من التاريخ، وحجبت ظروفاً موضوعية وراء إصدار هذا الظهير وسياقه.
قد تظل محاولات فهم صدور الظهير البربري قاصرة دون الاطلاع على الظروف السياسية في المغرب قُبَيْلَ فرض فرنسا اتفاقية معاهدة الحماية سنة 1912. فقد كتب كثيرٌ من الفرنسيين حينها مصورين المغرب أرضاً شبه مهجورة أو خلاء يفتقر أصحابها إلى التحضر، يرزحون تحت عبء سلطة استبدادية هي سلطة “المخزن”. أما الأقل منهم تأثراً بالفكر الاستعماري فقد قسموه إلى منطقتين: “المخزن” الحضرية التي تحكمها الدولة المركزية وعلى رأسها المؤسسة الملكية، و”السِّيبَة”، أو الفوضى، دائمة الخروج على السلطان الذي تعترف بسلطته الدينية أميراً للمؤمنين، دون أن تخضع لأحكامه الإدارية والضريبية، وتفضّل الاحتكام لأعرافها القبلية التي يحترمها ويحفظها كل أفراد القبيلة.
يبقى هذا التقسيم جزافاً كما يرى يحيى بولحية، الباحث المغربي في التاريخ المقارن في جامعة محمد الأول بمدينة وجدة. يبين في مقاله “المخزن في مغرب القرن التاسع عشر، ناظراً ومنظوراً إليه” المنشور سنة 2013، أن الدولة المغربية تشكلت على امتداد فترات زمنية طويلة، وبلغت أوج قوتها ونضجها في فترات الدول العصبية، أي الدول القائمة على الروابط القبلية كالمرابطين والموحدين. ومن ثم انتقلت السلطة السياسية في القرن السابع عشر إلى العلويين – وهي أسرة شريفة يعتقد بانتسابها إلى الحسن بن علي بن أبي طالب – وقد حافظوا على ثبات مؤسسات الدولة وقوتها، مع بعض فترات الاضطراب السياسي التي شهدتها بعض المناطق دورياً.
اعتبر بولحية أن الفصل الدقيق بين مناطق المخزن والسيبة مهمة بالغة الصعوبة. إذ إنّ الكثير من القبائل كان أفرادها “أحياناً رعايا للسلطان وأحياناً ثواراً”. وكان زعماؤها المنتفضون، برأيه، يسعون إلى لفت انتباه السلطان إلى مشاكلهم الجبائية أو الأمنية، ما جعل أغلب صراعاتهم العنيفة مع المخزن تنتهي بطلب الشفاعة الذي سرعان ما تقبله السلطة.
وحتى مفهوم “المخزن” المتكرر في الكتابات التي تتناول السلطة السياسية بالمغرب، يصعبُ تعريفه. يورد المؤرخ المغربي الطيب بياض في كتابه “المخزن والضريبة والاستعمار” المنشور سنة 2011، أن المخزن “أخذ مع الدولتين الشريفتين السعدية والعلوية دلالة إدارية […] ومع مرور الوقت، تم شحن لفظ المخزن بمعاني ودلالات، ليس بالضرورة لنعت مؤسسة معينة قد تستمد مشروعيتها من الحقل الديني فقط، بل انضافت إليها عناصر انتزعت من حقلها العلماني لتطعيم مؤسسة المخزن التي أصبحت في تمثل المغاربة مبدأ السلطة أو عنوانها”. بهذا المعنى يكون المخزن مؤسسة سياسية تحكم، ويأتي على رأسها السلطان ذو السلطات “المتداخلة والمركبة من كونه شريفاً [ينتسب إلى آل بيت النبي محمد] [. . .] كما أنه إمام يسهر على حماية الشريعة الإسلامية، ويتقدم سائر الفقهاء والعلماء وينتصح غالباً لنصحهم، ويقوم كذلك بدور القائد العسكري بالنسبة للجند وخلال المحال إما حضورياً أو استخلافاً”.
لذلك تظل قراءة الوضعية السياسية للمغرب في الكتابات الأوروبية بحاجة إلى قدر من التحفظ. إذ غلبت على جزء كبير منها الذاتية والإسقاط للمفاهيم السياسية الغربية على البلاد، كما يوضح يحيى بولحية. كذلك ركزت الأطروحات الاستعمارية على وجود السيبة أو الفوضى والتمرد، وأضفت عليها صبغة الانفصال عن السلطة المركزية من أجل تسويغ التدخل الاستعماري، الذي كان يهدف حسبهم إلى تحديث وتقوية الدولة وحمايتها.
وتظهر هذه النزعة جليةً في كتابات أوغست مولييراس، واحد من علماء الإناسة الفرنسيين الذين اهتموا بالمغرب في القرن التاسع عشر. وينقل بولحية نصاً من كتابه “المغرب المجهول”، المعرب سنة 2007، هذا الوصف: “تتمتع جل المحافظات بالاستقلال، ولا تعترف سوى بالسلطة الروحية لسلطان فاس [. . .] وتمثل بلاد السيبة أربعة أخماس مساحة المغرب، ويقتصر الخمس المتبقي على بلاد المخزن”.
وفي ظل هذا التداخل بين سلطة المخزن والتدخلات الخارجية، شهد المغرب في القرن التاسع عشر تصاعداً في الضغوط الاستعمارية. فكانت كثيرٌ من تمردات التشكيلات القبلية احتجاجاً على تفشي الوهن في أركان الدولة، تعبّر بها عن رفضِها هذه التدخلات التي باتت تمس هيبة الدولة وقدسية مؤسسة السلطان، على حد تعبير بولحية. ومع ذلك، قادت الضغوط الخارجية العسكرية والاقتصادية، لاسيما الفرنسية، إلى توقيع السلطان مولاي عبد الحفيظ على معاهدة الحماية في 30 مارس 1912، وهي الوثيقة التي صيّرت المغرب خاضعاً للنفوذ الفرنسي، مع إبقاء السيادة المغربية شكليةً.
تكونت الوثيقة من تسعة فصول منحت البلد الحامي، مُمَثَّلاً في مقيمه العام، صلاحيات واسعة شملت كل الجوانب الإدارية والقضائية. فأصبحَ للمقيم النفوذ في إدخال كل الإصلاحات التي يراها ملائمة، وكذا تمثيل البلد المحمي دبلوماسياً.
منحت الوثيقة أيضاً فرنسا حق القيام بالتدخلات العسكرية بمختلف المناطق المغربية متى بدا لها الأمر ضرورياً، لغرض نشر الأمن أو “التهدئة”. وهي لفظة تكرر استعمالها طيلة الوجود الفرنسي، وكانت مبرراً لكثير من القرارات التي يتخذها المقيمون العامون الفرنسيون، وأولهم الجنرال هوبير ليوتي (أو ليوطي، كما يقول المغاربة)، الذي تولى منصبه في مايو 1912 ووضع أسس الحكم الاستعماري بالمغرب.
اتسمت سياسة ليوتي مع الدين الإسلامي وعادات المغاربة وأعرافهم بقدر من التوقير والاحترام. إذ ينقل المؤرخ الفرنسي دانييل ريفي في كتابه “ليوطي ومؤسسات الحماية الفرنسية بالمغرب” المترجمَ للعربية سنة 2021، مقولة للجنرال جاء فيها: “لم أتمكن حتى اللحظة من إحكام قبضتي على المغرب، إلا بفضل سياستي الإسلامية، إني متأكد من جدواها، وأطلب بإلحاح ألا يفسد عليّ أحد لعبتي”. وقد جعلته هذه السياسة يحوز ثقة عدد من المغاربة الذين وصلوا إلى حد مناداته باسم “الحاج ليوطي”، والشك بأنه مسلم يخفي إسلامه.
وضمن السياق ذاته، نوّه ملك المغرب محمد بن يوسف بإنجازات ليوتي في خطاب ألقاه في المعرض الاستعماري بمدينة فينسين الفرنسية سنة 1931، الذي كان ليوتي نفسه مفوضه العام. وقد وصفه الملك بالفرنسي “الكبير الذي عرف كيف يحافظ للمغرب على تقاليد وعادات أسلافه، إضافة إلى إدخال التنظيم العصري الذي لا مفر منه لكل بلد يريد تطوير مسيرته”.
وإذا كان ليوتي قد أظهر بعض اللين، فقد مال لإظهار الحزم في أحيان كثيرة أيضاً. إذ كررت القوات الفرنسية عمليات “التهدئة” في عدد من البوادي والمناطق الجبلية التي رفضت وضع السلاح حتى سنة 1934، وبدا أن خطاب المقيم العام وطرائقه الناعمة لم تنجح معهم. كانت أغلب هذه المناطق أمازيغية في جبال الأطلس الكبير والمتوسط أو حتى الريف، الذي كان جزءاً من المنطقة الشمالية الخاضعة للحماية الإسبانية. وقد ألحق الريفيون بجيش إسبانيا هزيمة مدوية في معركة أنوال سنة 1921، مما اضطر فرنسا للانتباه من هذا الخطر القادم من الشمال، والتحالف مع إسبانيا لدحر زعيم حرب الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1926.
ويبدو أن المقيم العام الفرنسي تأخر في تقدير حجم التهديد القادم من الريف، إذ ظل ينظر في البداية إلى الصراع شأناً إسبانياً. وكان حريصاً في الوقت نفسه على كسب النخب الحضرية المغربية، ولاسيما أبناء الأسر التي كان يعوّل عليها في تكوين نخبة متعلمة يمكن التعاون معها في إدارة البلاد. في المقابل، كان ينظر بقلق إلى تأثر هذه النخبة بالتيارات الإسلامية والقومية العربية القادمة من المشرق، خشية أن تدفعها تلك التأثيرات بعيداً عن الإطار المغربي الذي سعى إلى ترسيخه.
إلى جانب العمليات العسكرية و”التهدئة”، وسبل التعامل مع النخبة، شملت سياسة الحماية أيضاً إعادة تنظيم مؤسسات الدولة ومرافقها. فقد كرس ليوتي اهتمامه لتحديث المغرب عمرانياً وإدارياً واقتصادياً وإنشاء البنى التحتية، ومع ذلك، كانت هذه الإصلاحات وسيلة من وسائل تكريس الهيمنة الاستعمارية. هذا ما تشير إليه هاجر المودن، الباحثة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس، في مقالها “النظام القضائي في عهد الحماية” المنشور سنة 2025.
تروي هاجر أنّ سلطات الاحتلال الفرنسي قادت أيضاً إصلاحاً قضائياً تدريجياً كان يهدف إلى السير بالمغرب إلى “قضاء عصري”. ويُعد ظهير 30 يوليو 1913 الظهير الأول الذي أسس للنظام القضائي الجديد بمنطقة الحماية الفرنسية، ونص على الحفاظ على المحاكم الشرعية الموروثة من النظام السابق مع تقسيمها إلى قسمين. القسم الأول محاكم ابتدائية في البوادي والمدن الصغيرة، والثاني محاكم أكبر في الحواضر الكبرى، تعمل عمل جهات استئنافية للأحكام التي تصدرها المحاكم الابتدائية. وهكذا تكون سلطات الحماية قد حافظت على القضاء الشرعي الديني في صيغته التقليدية في الشكل والاختصاص، غير أنها جعلته جزءاً من جهاز إداري يخضع للمقيم العام الفرنسي.
توالت بعد ذلكَ ظهائر أخرى تتولى وضع قواعد النظام القضائي. منها ظهير محاكم الطائفة اليهودية المغربية سنة 1918، وظهير 15 سبتمبر 1914 الذي نص على أن “القبائل البربرية بإيالتنا [نسبةً إلى مولاي يوسف] الشريفة تبقى شؤونها جارية بمقتضى قوانينها وعوائدها الخصوصية تحت مراقبة ولاة الحكومة”، وهو ما أضفى طابعاً قانونياً على الأعراف المحلية مصدراً للتقاضي.
ومن ثمّ جاءَ ظهير 16 مايو 1930، أو ما عُرِف لاحقاً باسم “الظهير البربري”، الذي مرّ القضاء العرفي عبره من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التقنين وتوحيد الإجراءات القانونية وتبسيطها. وكانت الغاية توطيد “التهدئة” بمنح القبائل نوعاً من الاستقلال القضائي المراقَب. وقد حمل هذا الظهير ختم السلطان مولاي محمد بن يوسف.
لم يمر سوى وقت قليل من صدور الظهير البربري حتى بدأ رواد الحركة الوطنية في مهاجمته، محتلاً مكانة بارزة في كتابات بعضهم. من أهمها كتاب علال الفاسي “الحركات الاستقلالية في المغرب العربي” الصادر سنة 1948. وقد كتبه مؤلفه الشاب حينها بتوجيه من الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية، كما يخبرنا بنفسه في المقدمة، وتناول فيه الحديث عن المخططات الاستعمارية الفرنسية في بلدان الجزائر وتونس والمغرب.
حاول الفاسي في كتابه التأريخ للمقاومة المغربية بمختلفِ أشكالها السياسية والدبلوماسية والمسلّحة، واستعرضَ فيه كل التحولات التي عرفها المغرب في بداية سنوات الحماية وتفاعل شباب المدن المتعلمين معها. يسرد الأحداث حتى يصل إلى يوم صدر الظهير فيقول: “كل هذا وغيره كان يسير بنا للعمل السياسي المنتظم، ولكن 16 مايو سنة 1930 هو الذي عَلَّم نقطة البداية في تاريخ الحركة الوطنية الجديدة”.
وتكتسب هذه الكلمات دلالتها من مكانة الفاسي في تاريخ الحركة الوطنية وتاريخ المغرب المعاصر عموماً، إذ لم يكن موقفه تعبيراً شخصياً معزولاً. فقد قاد الفاسي محطات من النضال التحرري ودافع عن استقلال المغرب في مختلف المنابر العربية والعالمية، وامتد نشاطه إلى ما بعد مغادرة الاحتلال الفرنسي. فأسس مع عدد من المناضلين سنة 1944 حزب الاستقلال الذي شكل في فترة ما عصب الحياة السياسية الحزبية في المغرب. وبالتالي أسهم الفاسي، مع زملائه في الحركة الوطنية، في صياغة رواية واسعة التأثير عن الظهير البربري، الذي رأوا في أهدافه التفريق بين العرب وإخوانهم الأمازيغ في المغرب، وإبعاد هؤلاء عن الحاضنة الإسلامية.
اعتبر علال الفاسي أن تجربة المعمرين (المستوطنين) الفرنسيين في الجزائر من قبل، صورت لهم أن الحل الوحيد للتغلب على مقاومة السكان هو تجنيس المغاربة. لكنه يرى أن السكان كانوا “أعظم كبرياء من أن يقبلوا جنسية قوم يعتبرونهم روميين محتقرين في نظرهم”. وبالتالي فهو احتقار ناشئ عن تعصب ديني للإسلام لا يزول إلا بتنصير المغاربة، خصوصاً أن القسم الأكبر منهم من البربر. وهؤلاء في نظر الأوربيين “وإن كانوا يسمون أنفسهم مسلمين فإن إسلامهم سطحي، واتفاقهم مع العرب ليس إلا اتفاقاً قائماً على المصلحة الناشئة عن تغلب العرب وتسلطهم”، كما يقول الفاسي.
وبما أن الظهير مرتبط بالقضاء، فإن الفاسي تحدث منذ البداية عنه ورآه خطةً لتنصير الأمازيغ. فأوردَ في الكتاب مقتطفاً من مقال بعنوان “المدرسة الفرنسية لدى البربر” نشر سنة 1921، لموريس لو جلاي، وهو أحد موظفي الإقامة العامة، يقول فيه: “يجب أن نحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البربر، وأن تكتب اللهجات البربرية بحروف اللاتينية [. . .] يجب أن نعلم كل شيء ما عدا الإسلام”.
وقد كان لهذه الآراء حضورها في العالم العربي والإسلامي، بعد أن حرص رواد الحركات الوطنية على أن تنتشر مقالاتهم المعارضة سياسةَ التفرقة البربرية. فكُتِبت رسائل الاحتجاج المساندة كفاحَ المغاربة من مختلف البلدان المسلمة، وأُرْسِلت العرائض لرئيس الجمهورية الفرنسية والقناصل الفرنسيين في بلدان كمصر وفلسطين.
أما عن مضمون الظهير نفسه فقد اكتفى الفاسي بوصفه بأنه “غامض الدلالة [. . .] يُجَرد الحكومة الشريفة من سيادتها على القبائل البربرية، وأحدث محاكم عرقية لم يعرفها المغرب في تاريخه بحال”، أو بأنه “يجعل مما بقي من بعض الأعراف الجاهلية قانوناً ثابتاً”.
أما ما أسال حبر علال الفاسي فهو ما أسماه “الثورة”، التي تلت صدور هذا الظهير وسط الشعب المغربي. فقد تولت “كتلة الشباب” (مجموعة من الشباب الوطنيين المتعلمين الذين نشطوا في مواجهة الظهير البربري)، على حد تعبيره، على عاتقها مهمة توعية الرأي العام بالخطر الذي يدبر في الخفاء. وسرعان ما بدأت المساجد في سلا والرباط تمتلئ بالحشود المتظاهرة. وابتكر المغاربة أسلوباً احتجاجياً جديداً، هو قراءة دعاء “اللطيف”، الذي كان يقرأ بالعادة عند حلول الكوارث من زلازل أو قحط. لكنهم غيروا لازمته لتصبح: “اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، وألا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر”.
ويبيّن الفاسي أن هذه الاحتجاجات قابلتها السلطات الفرنسية بالقمع حد الاعتقال أو الجلد بالسياط أحياناً. فدفع هذا المناضلين لتشكيل وفد أرسلوه لمقابلة الملك محمد بن يوسف، ورفع عريضة تحمل أهم مطالبهم وفي مقدمتها إلغاء الظهير البربري وتكوين قضاء موحد لجميع المغاربة، وجعل اللغة العربية وحدها لغة البلاد الرسمية. ولم ينس الفاسي وصف تفاعل الملك الإيجابي مع أعضاء الوفد، الذين ألقى رئيسهم عبد الرحمن ابن القرشي خطاباً مؤثراً “بكى له جلالته”.
تبدو هذه الإشارة الأخيرة لافتةً في ضوء الرسالة التي وجهها الملك إلى شعبه غداة الاحتجاج على الظهير البربري. وقد أورد الرسالة أبو بكر القادري، أحد أبرز وجوه الحركة الوطنية، في كتابه “مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية” الصادر سنة 1992. جاء فيها: “وبعد، فغير خفي أن للقبائل البربرية عوائد قديمة يرجعون إليها في حفظ النظام [. . .] وقد أقرهم عليها الملوك المتقدمون من أسلافنا ومن قبلهم [. . .] وكان آخر من أقرهم على ذلك مولانا الوالد [. . .] وحيث أن ذلك من جملة الأنظمة المحترمة، اقتضى نظرنا تجديد حكم الظهير المذكور، لأن تجديده ضروري لإجراء العمل به بين الجمهور. وقد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحلم، وأشاعوا، ولبئس ما صنعوا، أن البرابرة بموجب الظهير الشريف تنصروا، وما دروا عاقبة فعلهم الذميم وما تبصروا”. لكن القادري عدها من اختلاق الاستعماريين وأذنابهم. إذ برأ الملك منها، ونَسَبَ كتابتها صراحةً للصدر الأعظم (منصب يعادل رئيس الوزراء اليوم) محمد المقري، الذي عدته الحركة الوطنية حليفاً للاستعمار الفرنسي، بغاية التدليس على المغاربة وإحراج المحتجين.
وإذا كان علال الفاسي قد افتتح كتابه ببعض الصفحات عن الكفاح المسلح في البوادي، منوهاً بتجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي، فإن القادري قد بدأ كتابه مباشرة بالحديث عن لحظة صدور الظهير البربري سنة 1930 لأنها لحظة انطلاق الحركة الوطنية. إذ وصف الظهير بأنه كان “يرمي واضعوه من الفرنسيين إلى تقسيم الشعب المغربي على نفسه، وخلق نزعات عنصرية في داخله، وإبعاده عن حقيقته الإسلامية التي وحدته خلال القرون، والعمل على إلحاقه بالعائلة الفرنسية المسيحية الداخلية”.
وتتضح هذه القراءة بصورة أكبر في تركيز القادري في حديثه أيضاً على المبشرين المسيحيين الذين كانوا يتنقلون في المناطق الأمازيغية. واعتبر أن هدف المقيم العام ليوتي كان “قبول الحضارة الفرنسية أي الخروج من الإسلام، واعتناق النصرانية”. ومع أن الوصول إلى ذلك قد تعذر تحقيقه دفعة واحدة، فقد توسل الاستعماريون، بحسبِ القادري، في سبيل تحقيقه بإحياء “الأعراف الجاهلية”، التي لم تكن منتشرة إلا في مناطق قليلة جداً من المغرب “توالت عليها النكبات والفتن، حتى افتُقِد فيها العلماء والمصلحون والقضاة والفقهاء، فصار الناس يستفتون الجهال والمسيطرين”.
تثير كلمات القادري والفاسي، ومن سار في دربهم من رواد الحركة الوطنية، سؤالاً أوسع عن الآثار التي ترتبت على تفسيراتهم وثيقةَ الظهير البربري في العقود اللاحقة. فبعد انتهاء الاستعمار، عادت الوثيقة إلى الواجهة من زاوية أخرى، مع ازدهار خطاب “الحركة الأمازيغية” المهتمة بقضايا الأمازيغ وحقوقهم. إذ انتبه نشطاؤها إلى أن ثمة نقطة واحدة تجدر معالجتها قبل أي تناول لوضعية الأمازيغية في المغرب، وهي مسألة الظهير البربري، وذلك الإرث الطويل من اعتبار الأمازيغ دعاة فرقة، أو حتى الارتياب بشأن تمسكهم بالدين الإسلامي.
هكذا وجدت الحركة الأمازيغية – بكثير من مكوناتها من مثقفين وجمعيات ومؤسسات – نفسها في موقع المدافع عن نفسه، أو هذا ما قد يُستشف من كتابات نشطائها على الأقل. وقد تأسست الجمعية الأولى للدفاع عن الثقافة والهوية الأمازيغية سنة 1967 بالرباط، وحملت اسم “الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي”. وهي التسمية التي أُريد لها أن تكون فضفاضة، لأن أي حديث عن الأمازيغية في الستينيات كان يعني التعرض للمنع والمتابعات الأمنية والاضطهاد.
لكن هذه الأوضاع تغيرت تدريجياً مع دخول عقد التسعينيات. جاء خطاب الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1994 الذي شجع فيه على الاهتمام باللغة الأمازيغية، أو “اللهجات”، كما وصفها. ثم أخذ الانفتاح مساراً أكثر رسوخاً مع صعود الملك محمد السادس إلى العرش سنة 1999، فأُطلقت خطوات تهدف إلى إدماج الأمازيغية في الفضاء العام وأسلاك التعليم، وصلت إلى حد وضع “الأمازيغية لغة رسمية” في دستور المملكة سنة 2011.
هذا الاهتمام بالأمازيغية لم يكن يلقى دائماً رضى كل المغاربة، وهو نقاش شغل في كثير من المرات صفحات عدد من الصحف المغربية. شارك في النقاش مثقفون ومفكرون مغاربة، من أمثال محمد عابد الجابري والأمير مولاي هشام ابن عم الملك، وتشبع بمخاوف من تشظي الهُوية أو التفتيت والتجزئة في صفوف المواطنين. وهي هواجس أعادت إلى النقاش صدى الضجة التي أحدثها صدور الظهير البربري سنة 1930.
دفعَ ذلك الصحفيَ محمد بودهان في كتابه “‘الظهير البربري’: حقيقة أم أسطورة؟” الصادر سنة 2012، إلى القول: “هكذا خلق ‘الظهير البربري ثقافة أمازيغوفوبية رافضة للأمازيغية، وأسس لا شعوراً سياسياً معادياً للانتماء الأمازيغي، لا زال يحرك ويوجه ويفسر المواقف الأمازيغوفوبية للنخبة المثقفة وللطبقة السياسية بالمغرب اتجاه كل ما هو أمازيغي”. وبالتالي يرى بودهان أنّ الظهير تحول إلى إطار مرجعي فكري وسياسي وعقائدي للتفكير في الأمازيغية وفهمها ومناقشتها.
يضيف بودهان إنّ الكثير من التهويل والذاتية رافقا قراءة مفكري الحركة الوطنية للظهير البربري. لكن بعض كتابات نشطاء الحركة الأمازيغية مالت إلى اللغة ذاتها، وهو ما يظهر في حديث بودهان نفسه عن الظهير. شدد مثلاً على أن الغزو والاحتلال والاستعمار لم يبلغ في آثاره السلبية “حتى واحداً على مليون [. . .] من الضرر البالغ والمدمر الذي ألحقه بهم ‘الظهير البربري’. إنه يشكل، بالنظر إلى ‘الإبادة’ الرمزية التي مارسها بفعالية كبيرة على الأمازيغية، محرقة [ووردت بالإنجليزية هولوكوست] حقيقية لها وللذين ينتمون إليها. لقد كاد هذا الظهير أن يكون قضاء نهائياً ومبرماً على الأمازيغية والأمازيغيين كوجود هوياتي ولغوي وثقافي وحضاري”.
يرد بودهان على الشك في إخلاص الأمازيغ لدينهم الإسلامي وتأثرهم بالحملات التبشيرية. وقد لوّح بقصة الشاب محمد بن عبد الجليل الذي اعتنق المسيحية سنة 1928، مع انتمائه لعائلة حضرية فاسية عربية كان أفرادها أعضاء بارزين في الحركة الوطنية.
لا تحُول هذه النبرة التي تبدو مندفعة في أسلوب محمد بودهان دون انفتاح كتاباته، في كثير من الأحيان، على البحث في الظروف التاريخية لصدور هذه الوثيقة الإشكالية. وهو المسعى الذي يفتتحه بالتوقف عند الاسم الحقيقي غير المعروف لما دُرج على تسميته “الظهير البربري”. حرص بودهان على إيراد التسمية الفرنسية لهذه الوثيقة، ثم ترجمتها إلى العربية ليحصل على الجملة التالية: “ظهير 16 ماي 1930 المنظم للقضاء بالقبائل ذات العرف الأمازيغي، والتي لا تتوفر على محاكم شرعية”. واعتبر بودهان أن إقحام “البربر” في التسمية التي أطلقها رواد الحركة الوطنية على هذا الظهير كان يسعى لتوريط الأمازيغ، وبيّن أن الإشارة إلى “القبائل ذات العرف الأمازيغي” يجعل معيار تطبيق أحكامه جغرافياً لا عرقياً.
يشاطرُ الناشط الأمازيغي محمد مونيب رأيَ بودهان، إذ صرح في لقاء على قناة التلفزية الأمازيغية المغربية سنة 2012 أن القراءة المتمعنة لفصول الظهير تبين أنه يشمل كل الرعايا المغاربة على اختلاف أعراقهم في المناطق ذات العوائد البربرية. وكتب في كتابه “الظهير البربري، أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر” الصادر سنة 2003، بأن المستهدف من حملة نشطاء الحركة الوطنية على هذا المرسوم لم يكن التنظيم القضائي، بل الأمازيغ. وبأنه “لم يفت هؤلاء السياسيين والمسؤولين المدلول العرقي للتسمية التي فرضوها، بل ذهبوا إليها قصداً وأصروا على استعمالها من أجل الهيمنة وفرض إيديولوجية معينة ترمي إلى تصنيف المواطنين المغاربة إلى عرب متحضرين واعين بهويتهم وعقيدتهم [. . .] و’بربر’ بدائيين متخلفين هم لعبة بين أيدي المستعمر”.
ويستند مونيب في هذا الطرح أيضاً إلى الدور الذي أدته المناطق الأمازيغية في المقاومة المسلحة. يقول إن هؤلاء الأمازيغ هم من كان دوي الرصاص لا يكاد يتوقف بجبالهم حتى ينطلق مرة أخرى، وإنّ أكثر من 80 بالمئة من المقاومة المسلحة المغربية كانت من فعل أمازيغي.
ولفت إلى أن المحاكم الجنائية الفرنسية التي ملكت حق النظر في الجرائم بمجال نفوذها كانت موجودة قبل صدور الظهير، ولم يكن الهدف منها سوى ترهيب المواطنين بإصدار أحكام إعدام في حق المقاومين. وهو الأمر الذي لم يكن في السابق “يثير أدنى استنكار من النخبة الحضرية”، على حد قوله، خاصة وأنهم كانوا يغضون الطرف عن المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال الفرنسي في جبال الأطلس والريف، بينما يستنكرون في مقالاتهم المعاملة السيئة التي قد يتعرض لها أي فرد من أفراد الحركة الوطنية من تضييق أو اعتقال.
هذه المعطيات قادت مونيب للتساؤل عن السبب الذي جعل الحركة الوطنية تنظر إلى هذه المحاكم القمعية وسيلةً من وسائل التبشير عندما يتعلق الأمر فقط بالمتقاضين الأمازيغيين. وذهب إلى أن نوايا الفرنسيين أياً كانت، لا تنفي أن الشك في وطنية الأمازيغ وتمسكهم بالدين الإسلامي موقف عنصري قائم بالأساس على كونهم ليسوا عرباً. واعتبر أنّ مثل هذه المواقف في تلك المرحلة العصيبة من تاريخ البلاد تُعد خيانة للوطن.
فالاستمرار في استحضار الظهير البربري كل حين حتى الآن، يراه مونيب تحريضاً عرقياً. ويعده جرحاً لكرامة المواطنين الذين لن يجدوا أمام شعورهم بالخزي أمام هذه الاتهامات التي تطالهم، سوى تسمية هذه الوثيقة “ظهير البورجوازية الفاسية” أو “ظهير الحركة العرقية الشوفينية”.
قد يُرى في قراءات الفاسي والقادري وبودهان ومونيب الظهيرَ البربري شيءٌ من الذاتية بالنظر إلى انخراط أصحابها المباشر في القضايا السياسية والهوياتية المرتبطة بالظهير، وإن جاءوا من موقعين متعارضين في هذه القضية. وهذا ما يؤدي في أحيانٍ إلى ليّ بعض الحقائق أو تشويه وجهها. في المقابل، توفر أبحاث وكتابات تاريخية جادة أخرى قدراً أكبر من التوازن في قراءة القضية، ومن بينها أعمال المؤرخ والباحث الفرنسي جيلز لا فوينت، الذي عُرِف بانكبابه على التاريخ الاستعماري الفرنسي في المغرب.
يكتب لا فوينت في مقاله “دوسيي ماغوكان سيغ [. . .]” (ملف مغربي عن الظهير البربري لسنة 1930) الصادر سنة 1984، أن هذا الظهير لم يكن يختلف من وجهة نظر الفرنسيين عن بقية الظهائر التي صدرت طوال فترة الحماية. غير أن الظروف السياسية والاقتصادية والنفسية لإصداره قادت إلى ردود فعلٍ شديدةٍ، في رأيه. ويعزو لا فوينت هذه الردود إلى عوامل لم يكن يتوقعها رجال القانون الذين ساهموا في صياغة الوثيقة، ولا المغاربة الذين تصدوا لها.
كان المغرب، حسب لافوينت، يعيش فترة عصيبة تكالب عليه فيها الجفاف والقحط وزحف الجراد على الأراضي الزراعية. ثم نافستْ البضائع الأجنبية منتوجاتِ الصناعة التقليدية، مما أدى إلى تآكل في النسيج الحضري، وتراكم معه شعور جماعي بالغضب من سلطات الحماية. إضافة إلى مجموعة من الأحداث التي تسببت بما عده “صدمة نفسية” للشعور الديني للمغاربة، وجعلهم يرتابون في النوايا الفرنسية بخصوص تنصير الأمازيغ. ويؤكد لافوينت أن المقيمية العامة لم تفصح عن مثل هذه النية في أي وقت وبأي شكل من الأشكال، مع أن إقامة المدارس الفرنسية إبان تلك الفترة في المغرب قد ترافق مع ازدياد ملحوظ لنشاط الحركات التبشيرية.
أقلق بناءُ المزيد من الكنائس الجديدة في المغرب السكانَ، الذين اعتبروها دليلاً على الرغبة في استقبال “مسيحيين مستقبليين” منهم. خاصةً مع انتشار خبر اعتناق الشاب الفاسي محمد بن عبد الجليل للمسيحية، أو الشائعات بشأن استعمال المراقب المدني الفرنسي في قبائل زمور أموالَ الأوقاف المخصصة لإنشاء مسجد، في بناء كنيسة في المنطقة. يضيفُ لا فوينت إنّ أبناء الطبقة المرفهّة المدينية من المتعلمين كانوا على اطلاع بما يُكتب في أعداد مجلة “المغرب الكاثوليكي” الفرنسية، خاصة مقالات بعض رجال الكنيسة المتعصبين على صفحاتها، الذين كان يطيب لهم الحديث عن “الروح البربرية التي تطلق نداءً محتدماً للمبشرين”، وتطلب منهم أن يخلصوها من مأزقها الروحي والوجداني.
في ضوء هذه المعطيات، يطرح جيلز لافوينت سؤالاً عن رواد الحركة الوطنية: “هل كان مصير ‘إخوانهم البربر’ يشغلهم حقاً؟”. تظل الإجابة عن هذا السؤال بحاجة إلى التمييز بين ما يمكن إثباته من نوايا استعمارية أو تبشيرية لدى بعض المستعمرين، وبين ما نُسب إلى الظهير نفسه من أهداف تنصير الأمازيغ. فوجود نشاط تبشيري فرنسي في المغرب، أو حتى وجود مواقف استعمارية مؤيدة للتبشير، لا يعني بالضرورة أن تنظيم الاحتكام إلى الأعراف الأمازيغية كان جزءاً من هذا المشروع.
وقد تساعد دراسة كاثرين هوفمان، عالمة الإناسة الأمريكية، على اختبار هذه الفرضية بتتبع تاريخ المحاكم العرفية نفسها. إذ تكتب في مقالها “لو دغوا كوتيميي أمازيغ أو ماغوك” (القانون الأمازيغي العرفي بالمغرب) المنشور سنة 2013، أن سجلات التدوين لدى المحاكم العرفية كانت أكثر تدقيقاً من سجلات المحاكم الرسمية. وتلفت هوفمان إلى حقيقة أن العمل بنظام المحاكم العرفية استمر حتى استقلال المغرب سنة 1956. وهي النقطة التي غابت عن روايات الحركة الوطنية، التي صورت هذه الأعراف مثل قوانين ابتدعتها الحماية الفرنسية سنة 1930، وانتهى سريان مفعولها بالمظاهرات الحاشدة ضد الظهير البربري.
تؤكد هوفمان أيضاً صعوبة الفصل بين العرف والإسلام في المجتمع الأمازيغي. تقول إنه “بالرغم من أن المحاكم العرفية قد اتبعت نظرياً قوانين مختلفة عن تلك التي يتبعها القضاة الإسلاميون، فإن الوقائع تقول بأن ‘الشريعة’ أدمجت العرف في الأماكن التي طُبقت بها، وتأثر العرف بدوره بالفقه”. ونبّهت إلى أن الكثير من القبائل الأمازيغية كانت تطلق على أعرافها اسم الشريعة.
هذا الحضور الديني البيّن في أعمال الأمازيغ القضائية يتخذ شكله الأمثل في تعاملهم مع القَسَم وسيلة الإثبات الأخيرة لحقوقهم أو لتبرئتهم من تهمة موجهة إليهم. تُوضح هوفمان أن الأمازيغ كانوا يعتبرون الحنث به وبالاً كبيراً يجر اللعنة لا على الحانث فقط، بل على عائلته وكل المحيطين به، خاصة أن القسَم جماعياً أو فردياً كان يؤدّى داخل الأماكن المقدسة كالمساجد أو الأضرحة.
وتخلص هوفمان إلى أن أداء القسم كان طريقة أخرى لمقاومة الاستعمار الفرنسي، وذلك بوضع القدرة على تحديد الحقيقة في يد القوى الروحانية والدينية. فتورد أرقاماً عن عدد طلبات الاحتكام إلى القَسم التي رفعها المتقاضون في قبيلة “أيت عبد الله” الريفية، المتمركزة في منطقة سوس جنوب المغرب، في الفترة الممتدة بين سنتي 1940 و1956 إلى المحاكم العرفية. وهو ما رأته مظهراً من مظاهر ازدياد التدين في أوساط النخب القروية، في مواجهة سياسات الفرنسيين الذين شككوا في إيمان الأمازيغ وعقيدتهم الإسلامية.
وفقاً لهذه القراءة، فالتفكير في الحمولة الدينية للقواعد العرفية قد يزعزع أركان الرواية عن الظهير البربري مشروعاً لتنصير الأمازيغ، أو على الأقل يفسح المجال للتفكير بالقضية من زوايا متعددة غير الدارجة.
أحياناً، تلقي قراءات التاريخ السياسية غلالةً على العيون، فينسى البعض مثلاً بأن البند السادس من وثيقة الظهير البربري ترك القضايا الجنائية بيد المحاكم الفرنسية. ولم يكن هذا بهدف تنصير الأمازيغ في الجبال، ولكن لإعدامهم تحت غطاء قانوني كلما قُبِضَ على مقاوم من المقاومين في قبائلهم التي انتهجت النضال المسلح ضد الاستعمار. وأحياناً أخرى، يفضل آخرون تغييب نضال رجالات الحركة الوطنية الدبلوماسي والسياسي من أجل الاستقلال. وبهذا يصير تاريخ المغرب الجماعي أداةً للتراشق بالتهم الثقيلة التي قد تصل حتى وصم نشطاء الحركة الأمازيغية بالعمالة لفرنسا أو التعاطف مع إسرائيل. وربما وُصمَ المغاربةُ العروبيون بتبييت نية الإبادة العرقية والثقافية ضد الأمازيغ، في وقت تزداد فيه الحاجة لدراسات تاريخية مغربية جادة تعيد التفكير والنظر في مضامين تاريخنا الرسمي.
