برز في عصرنا الحديث مفهوم “العدالة الانتقالية” من قلب الصراعات البشرية ذاتها، ليمهد الطريق إلى السلام المستدام. لقد تجاوز هذا المفهوم حدّي الانتصار والهزيمة اللذين كانا يحكمان النزاعات سابقًا، إلى منطق العدالة القائم على الإجراءات القانونية الوطنية أو الدولية التي ترسخ ما يشبه السلام بين المتحاربين. ومن ثم تطور تدريجيًا إلى عملية قانونية سياسية وأخلاقية تهدف إلى معالجة إرث الماضي العنيف، عبر الانتقال من مفهوم “عدالة المنتصرين” إلى مفهوم “عدالة الضحايا”.
هذا التطور لمفهوم العدالة الانتقالية الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 2004 من خلال التقرير الذي قدّمه أمينها العام كوفي عنان بعنوان: “سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات ما بعد النزاع” أصبح إطارًا مرجعيًا لبناء السلام في العالم. ومن الممكن تلخيص ركائزه بالمبادئ التالية: “الحق في معرفة الحقيقة- الحق في العدالة- الحق في جبر الضرر- الحق في ضمان عدم تكرار النزاع”.
تعود إرهاصات مفهوم العدالة الانتقالية الحديثة إلى نزاعات القرن العشرين الدموية، فقد بدأ هذا المفهوم بالظهور في محاكم نورنبرغ حيث حُوكم أفراد وقادة نازيون لارتكابهم الفظائع في الحرب العالمية الثانية، فلقد صنّفت أفعالهم وقراراتهم كجرائم دولية. ورغم أنّ هذه المحاكمات كانت تميل إلى عدالة المنتصر؛ إذ لم تحاسب محاكم نورنبرغ قوات الحلفاء على جرائم الحرب التي ارتكبتها، إلا أنّها أقرّت مجموعة من المبادئ التأسيسية لمفهوم العدالة الانتقالية: مبدأ المسؤولية الفردية، فلم تعد الأوامر الموجهة من القيادات تحمي الأفراد كأعذار وظيفية، بل بات لازمًا على الجندي أو الموظف أن يهتدي بالقيم الإنسانية حتى تجاه عدوه. والأمر الثاني: عدّت الجرائم التي ارتكبتها النازية؛ جرائم ضد الإنسانية، ممّا أخرجها من دائرة الشأن الداخلي، لتصبح قضايا تهم البشرية جمعاء، وتستوجب ملاحقة مرتكبيها أينما كانوا. بعد ذلك جاءت محاكمات جنوب أفريقيا عام 1995 إثر سقوط نظام الأبارتهايد لتشكل نقلة نوعية في تطوير مفهوم العدالة الانتقالية؛ إذ لم يعد التركيز فقط على عقاب الجلاد، وإنّما امتد إلى شفاء الضحية أيضًا. فقد كشفت سلبيات محاكم نورنبرغ عن أنّ العقاب ليس الطريق الوحيد للعدالة، فلقد برز نموذج “العدالة الإصلاحية” أي الاعتراف بالذنب مقابل العفو لقطع دابر إرث الثأر.
ومن ثم كان لمحاكم رواندا بعد الحرب الأهلية فيها القدرة على منح الروح لتلك المبادئ والإجراءات القانونية الجامدة في المحاكم الدولية، فقد لعبت المحاكم المحلية “الغاكاكا/Gacaca”، التي اعتمدت على التقاليد الشعبية المحلية لرواندا برئاسة الحكماء في القرى والمدن بفرض العقوبات والمصالحات، دورًا كبيرًا في توطين مفهوم العدالة الانتقالية في ثقافة الأفرقاء المتصارعين في رواندا. لقد كانت هذه النماذج وغيرها في العالم، وخاصة بعد سقوط الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية؛ الأرض التي نبتت فيها بذور مفهوم العدالة الانتقالية، وتجسّد ذلك في المحكمة الجنائية الدولية في عصرنا، لكن هذا التأسيس لمفهوم العدالة الانتقالية كانت له إرهاصات قديمة جدًا وإن لم تؤطّر ضمن مصطلح مخصوص كما هي الحال اليوم. لقد دأبت المجتمعات عبر تاريخ البشرية عقب كل حرب أو نزاع على تضميد جراحها عبر أشكال عديدة تكاد تشبه مفهوم العدالة الانتقالية، أو أنّها قد تتجاوزه في بعض الأحيان، مستخدمة رمزية الأسطورة أو القيم الدينية أو السجالات الفلسفية أو المبادئ والقواعد القانونية وحتى الأدبية.
| لعبت المحاكم المحلية “الغاكاكا/Gacaca” دورًا كبيرًا في توطين مفهوم العدالة الانتقالية في ثقافة الأفرقاء المتصارعين في رواندا |
من عدالة الثأر إلى عدالة المؤسسة
تعد “أوريستيا”، ثلاثية الكاتب المسرحي اليوناني إسخليوس، من أوائل التجسيدات للعدالة الانتقالية التي تهدف إلى إيقاف متتالية الثأر والدم. تبدأ المسرحية بتضحية القائد أغاممنون بابنته “إيفجينيا” لكي تهب الرياح وتدفع أسطوله نحو طروادة كما جاء في ملحمة هوميروس “الإلياذة”. لم تكن زوجته ” كليتيمنيسترا” راضية عن هذه التضحية، وما إن عاد زوجها منتصرًا من حرب طروادة حتى قتلته هي وعشيقها. وهنا يجد الابن “أوريستيس” نفسه أمام معضلة أخلاقية تذكّرنا بـ”هاملت” لشكسبير، فهو إن لم يثأر لأبيه فسيغضب آلهة السماء، وإن قتل أمه فستطارده ربات الانتقام “الإيرينيات” اللاتي يمثلن عدالة الدم القديمة: العين بالعين. يقتل الابن أمه، فتطارده ربات الثأر فيهرب إلى مدينة أثينا، وهناك تتدخّل الإلهة “أثينا” رمز الحكمة والعقل؛ وبدلًا من أن تحكم بنفسها أو تبطش بربات الانتقام لتخلّص أوريستيس، وهو ما يشبه عدالة المنتصر في محاكم نورنبرغ، تبدع أثينا حلًّا ثوريًا، فتؤسّس أول محكمة مدنية في التاريخ. قامت أثينا باختيار هيئة المحلفين من خيرة مواطني المدينة، واستمعت المحكمة إلى مرافعة الادعاء/ ربّات الثأر، ومرافعة محامي الدفاع، الإله أبولو نيابة عن أوريستيس. تصل المحاكمة إلى نهايتها وعلى المحلفين التصويت، إمّا لإدانة أوريستيس أو تبرئته، لكن الأصوات تتعادل، وهنا تتدخل أثينا بصوتها مرجّحة كفّة المتّهم كاسرة حلقة الثأر، حيث ترتبت نتائج عديدة على هذه المحاكمة، فقد انتقل حقّ العقاب من الأفراد والعشائر وحُصر في المحكمة التي تمثل مدينة أثينا. وكان هذا الانتقال من الثأر إلى سيادة القانون، الذي يجب أن يخضع له الجميع، نقلة نوعية لإيقاف ردود الفعل الثأرية التي لا تنتهي. والأمر الثاني الذي استجد في هذه المحاكمة هو تكريس مبدأ جبر الضرر، فبعد تبرئة أوريستيس ثارت ربّات الانتقام رفضًا لقرار المحكمة وتوعّدن بتدمير أثينا ونشر الأوبئة انتقامًا من منعهن من الأخذ بالثأر.
لم تقم أثينا بقمعهن، وهي القادرة، لأنّها لو فعلت لأسّست لسلام هشّ، لكنّها قامت بجبر ضررهن عبر الاعتراف بمظلوميتهن وبأهمية دورهن في العدالة، وعرضت عليهن بدلًا من طبائعهن القديمة طبائع جديدة، بأن يصبحن حاميات المدينة عبر تغيير اسمهن من الإيرينيات إلى “الإيومينيديات/ الخيرات” وبذلك حوّلت أثينا طاقة الغضب التدميرية لدى الضحايا إلى طاقة إيجابية تسهم في بناء السلم الأهلي عبر الاعتراف بما تعرضوا له من ظلم، وأنّ النظام الجديد القائم على أنقاض الصراع لن يُبنى من دونهن.
هذه الرؤية الإنسانية كانت في المسرح، لكن التطبيق الحقيقي حدث بعد أن استطاع الديمقراطيون في أثينا إسقاط حكم الطغاة الثلاثين الذين نصّبتهم إسبرطة بعد هزيمة أثينا في حرب البيلوبونيز. لقد حكم هؤلاء الطغاة بالحديد والنار وأعدموا مئات الديمقراطيين ونفوا الكثير، لكن المهزومين عادوا وأسقطوا حكم مرتزقة إسبرطة، مما هيأ الأرضية في أثينا لأن تقوم حرب أهلية لن تبقي ولن تذر، فكانت الرغبة بالثأر واسترداد الأملاك من المتعاونين مع الطغاة مطلبًا لا تنازل عنه لدى المنتصرين، فما الحل، لتجنب فناء أثينا؟
أقرّ الديمقراطيون أول “عفو” وكان ذلك عام 403 ق. م. وتعني كلمة “العفو/ Amnestia” في اليونانية التي تتكون من مقطعين “A ” وتعني “لا” و”Mnesis” تعني: “التذكر”. وهنا لم يكن المقصد من كلمة Amnestia: النسيان، بالمعنى الحرفي وإنّما قَسَم يقول: “لن أتذكّر المظالم”. لقد كان التناسي قرارًا فرديًا وجماعيًا، لإيقاف دائرة الثأر، وشرطًا لاستعادة الوئام المدني. هذا العفو لم يكن غفرانًا تامًا للجميع، فلقد عوقب الطغاة الثلاثون إضافة إلى مجلس الأحد عشر الذي نفذ الإعدامات وبعض المتعاونين، أمّا البقية، فلقد شملهم العفو. والآن كيف نقرأ ذلك حديثًا، لقد كان العفو ضمانة لعدم تكرار دائرة الثأر المجتمعي، فبدلًا من إعدام آلاف المتعاونين مع الطغاة، قرّر مرسوم العفو بأن يبقى هؤلاء الذين وقفوا مع الطغاة في المدينة كمواطنين كاملين الحقوق، لكن بعد التزامهم بجبر الضرر بحقّ من اعتدوا عليهم، أو أن يهاجروا بسلام خارج أثينا حتى تهدأ النفوس. لكن هذا المرسوم الجميل كان له زلة قاتلة مثلما يحدث في عصرنا في بعض حالات العدالة الانتقالية، فمنع تكرار العنف وجبر الضرر يحتاج أكثر من إزاحة الطغاة والتعويض على المتضرّرين، فهو يحتاج لأن يقنع الضحية ذاتها بالغفران أيضًا، حتى تتحقق العدالة الانتقالية وهذا ما رأيناه في رواندا. أمّا الذي حدث بعد العفو بأربع سنوات، فقد كان إعدام سقراط الذي اتهم بازدراء آلهة المدينة وإفساد الشباب! لكن كان وراء ذلك الاتهام الفضفاض الذي يشبه اتهامات الأنظمة الديكتاتورية لمعارضيها بوهن نفسية الأمة، أو اتهامات الثوار لمعارضيهم بأنّهم يضعون العصي في دواليب الثورة؛ بأن الديمقراطيين لم يغفروا لسقراط بسبب أنّ اثنين من تلاميذه: “كريتياس وألكيبيباديس” كانا من الطغاة الثلاثين. ومع أنّ مرسوم العفو كان يمنع محاكمة سقراط على توجّهه السياسي، فكان لا بدّ من التحايل عليه عبر تلفيق تهم دينية وأخلاقية للانتقام منه. هذه المحاكمة لسقراط تخبرنا بأنّ العدالة الانتقالية قد تكون سيفًا ذا حدّين.
| تعد “أوريستيا” ثلاثية الكاتب المسرحي اليوناني إسخليوس من أوائل التجسيدات للعدالة الانتقالية التي تهدف إلى إيقاف متتالية الثأر والدم |
محاكمة الماضي بطمسه
إذا كانت أثينا قد ابتكرت مفهوم “التناسي” لإيقاف عجلة الدم، فإنّ روما قدّمت آليات مختلفة تمامًا لمعالجة إرث الطغيان والحروب الأهلية. لقد رأينا في مفهوم العدالة الانتقالية الحديثة التأكيد على الحقّ في كشف ما وقع من جرائم؛ أي الحقّ في الحقيقة وضرورة نشرها، لكن مع روما كان هناك شيء يشبه التناسي الأثيني لكنه أكثر تأثيرًا على التاريخ حتى أنّه يكاد يمحوه؛ وهذا بالتأكيد يسبب ضررًا لمفهوم العدالة الانتقالية لأنّ جانبًا منها يقوم على الذاكرة. لقد كان نهج العدالة الانتقالية في روما يقوم على محو تاريخ الإمبراطور الطاغية الذي ارتكب فظائع بحق معارضيه وشعبه مثل نيرون أو كاليغولا؛ حيث كان مجلس الشيوخ يصدر مرسومًا بـ”محو ذكراه” نهائيًا وذلك عبر مجموعة من الإجراءات: تدمير تماثيله، وكشط اسمه من سجلات النفوس والمباني العامة، وتجريم إطلاق اسمه على المواليد، وأخيرًا إلغاء القوانين التي سنّها. لقد كانت هذه الإجراءات محاولة مؤسساتية لتطهير الدولة من آثار الطاغية وإعلان قطيعة مع الماضي، لكنّها تشبه عدالة المنتصر في محاكم نورنبرغ، وسمّها أكثر من ترياقها. إنّ قاعدة عدم التكرار حتى تتحقق، تقتضي أن يظل تاريخ الطاغية حاضرًا في الذاكرة والكتب ليكون عبرة للأجيال اللاحقة. ومن جهة أخرى أنتجت روما عدالة انتقالية طبّقتها في حروبها الأهلية، ففي زمن الإمبراطور يوليوس قيصر الذي رفض اتباع تقاليد الثأر وخالف سلفه الإمبراطور “سولا” الذي أعدّ قوائم لتصفية خصومه وأتباعهم ومصادرة ممتلكاتهم؛ تبنّى قيصر مفهوم العفو، فعفا عن ألد أعدائه الذين حملوا السلاح ضده مثل الفيلسوف شيشرون وبروتوس وأعادهما إلى مناصبهما السياسية.
في الحقيقة، لم يكن هدف قيصر عدالة انتقالية كاملة كما رأينا في جنوب أفريقيا، فهو وإن تجنّب انزلاق البلاد إلى حرب أهلية عبر المصالحة الوطنية، لكنّه لم يؤسّس لعفو مؤسساتي يستمر عبر الزمن، وإنّما كان مكرمة من القائد الذي انتصر على الجميع، فكان عفوه أقرب للإذلال، لأنّ بقاء معارضيه على قيد الحياة قد جاء بمنحة منه لا بوأد جذور النزاع الحقيقية، لذلك اغتيل يوليوس قيصر على يد من عفا عنهم والتي استلهمها شكسبير عبر مقولة يوليوس لبروتوس: “حتى أنت يا بروتوس؟”. لم تتوقف روما عند هذه العدالات الانتقالية المشوبة بالضعف، فمع الوقت ولا سيما مع تنامي الصراع بين طبقة الأشراف والعامة، أدرك القادة والحكماء فيها أنّ استمرار هذا الصراع سيقود إلى انهيار روما، فلجؤوا إلى استحداث منصب يمثل العامة لحمايتهم، وكتبوا الألواح القانونية الاثني عشر لتمنع احتكار الأشراف تفسير العادات والتقاليد والقوانين. وبذلك أملوا بأن يمنع منصب “ممثّل العامة” وتلك القوانين تكرار الصراعات وضمنًا حماية المهمّشين. إنّ نماذح روما للعدالة الانتقالية تطرح مشكلتين تعكّران تحقيق السلام، فطمس الماضي لا يمحو الجرائم، والعفو غير المؤسسي والذي لا يترافق مع آليات واضحة لجبر الضرر والاعتراف المتبادل بالأخطاء والجرائم سيؤدي في نهاية الأمر إلى أن السلام الذي تحقق، ما هو إلا مرحلة مؤقتة قبل اندلاع دورة عنف جديدة.
اعتذار المنتصر وتأسيس الدارما
لقد كان التناسي في أثينا إراديًا يعود إلى رغبة الخصوم بوأد الماضي، لكنّه حاضر في الذاكرة الصامتة. أمّا في روما فلقد كان عفوًا ديكتاتوريًا بقدر ما يطمس التاريخ الدموي، يخبئ الجمر تحت الرماد. لقد ظلّت العدالة الانتقالية مهدّدة في أثينا وروما، فهي لم تصبح ثقافة وأعرافًا وتقاليد.
وإذا انتقلنا إلى الهند سنجد خطوة مهمة في تأسيس العدالة الانتقالية؛ وهي ثقافة الاعتذار التي تنطلق من لدن المنتصر نحو الخصوم والضحايا، فالعدالة الانتقالية لم تكن نتيجة لكواليس السياسة وتوازن المصالح.
في حرب ” كالينغا” انتصر الإمبراطور “أشوكا العظيم” (268- 232) على خصومه بعد حرب دموية مرعبة أدّت إلى مقتل أكثر من مائة ألف شخص وتهجير الباقين في إقليم كالينغا الذي ضمه الإمبراطور إلى مملكته. وكعادة القادة في تخليد انتصاراتهم الدموية خالف أشوكا هذا الأمر، فلقد صدم من هول الوحشية التي ارتكبها، لذلك لم يخلد انتصاره بل فظائعه التي نقشها على الأحجار، لتبقى أبدية الذكرى عبر وثيقة اعتذار واعتراف علني بما ارتكبه. هذا الإجراء يمثل كسر احتكار السلطة للمروية التاريخية ويؤكّد اعترافها بالجرائم التي ارتكبتها، على العكس مما فعل الحلفاء بطمس جرائمهم من خلال محاكمة المهزوم في نورنبرغ.
لم يكتف أشوكا بالاعتراف فقط، فقد عمل على ضمان عدم تكرار الجرائم متأثرًا بالفلسفة البوذية وفلسفة اللاعنف ومفهوم الدارما “المحافظة على النظام والقوانين” فأعلن تخليه عن سياسة غزو السيف، ووجّه أوامره لأبنائه ووزرائه بنبذ الحروب وعدّ الانتصار الوحيد المسموح به هو القائم على الأخلاق. لكن بقي هناك جبر الضرر للضحايا، فكان الإجراء المؤسسي باستحداث مناصب الدارما، فكان من مهماتها الأساسية رعاية رفاهية المواطنين وحماية الأقليات ومراقبة السجون لضمان عدم تعرض السجناء للتعذيب وغير ذلك وامتد جبر الضرر إلى بناء المشافي وحفر الآبار. يضعنا نموذج أشوكا أمام حالة استثنائية في تاريخ العدالة الانتقالية لأنّها عدالة لم تفرضها ضغوط داخلية أو هزيمة عسكرية، وإنما انبثقت من إرادة المنتصر ذاته حين أدرك أن بناء الإمبراطورية بشكل مستدام لا يمكن أن يقوم على جثث المقهورين، فعلى الرغم من نبالة وفرادة نموذج الإمبراطور أشوكا، لكنه يطرح سؤالًا؛ هل يمكن المراهنة على الصحوة الأخلاقية للطغاة أو المنتصرين أم يجب أن تكون هناك مؤسسات مستقلة قادرة على محاسبة مرتكبي الجرائم، سواء أشعروا بالندم أم لم يشعروا، فالعدالة الانتقالية المفروضة من الأعلى نحو الأسفل تشوبها الشكوك؟
| لم يكتف أشوكا بالاعتراف فقط، فقد عمل على ضمان عدم تكرار الجرائم متأثرًا بالفلسفة البوذية وفلسفة اللاعنف |
طقوس المواساة
يقدّم لنا الهنود الحمر، الشعب الذي أبيد على أيدي المستوطنين الأميركيين، الجانب الروحي والإنساني للعدالة الانتقالية. لقد كانت القبائل الهندية تعيش دوامة عنف غير منتهية في أوائل الألفية الثانية. وكانت تسود تلك الحروب شريعة الغاب التي تفرض على عائلة المقتول أو قبيلته شن غارة ثأرية لقتل أو أسر أفراد من قبيلة القاتل لتسكين ألم الفقد والموت عبر الانتقام والثأر. هذا التبادل الثأري حوّل حياة القبائل إلى جحيم مستمر من القتل. كان هيواثا أحد قادة القبائل، وقد قتلت عائلته وعاش عذابات لا تنتهي ورغبات في الثأر لا تحدّها حدود. وفي خضم ذلك، ظهر رجل أطلق عليه لقب: “صانع السلام” أصبح معلمًا لهيواثا وعالج جروحه الجسدية والنفسية والفكرية، فاكتشف هيواثا أنّ العنف يُولد من رحم الحزن غير المعالج أو الذي لم يطفئه ماء العفو، فبدأ بتأسيس طقوس المواساة للاعتراف بمظلومية الضحية، فعندما يقتل شخص تلتزم قبيلة القاتل بتقديم أحزمة “الوامبوم” المصنوعة من الأصداف لعائلة الضحية.
لم تكن تلك الأحزمة ديّة أو تعويضًا ماديًا وإنّما وثائق رمزية مقدّسة مصحوبة بكلمات التعزية والتي تهدف إلى مسح الدموع من العيون وتطهير الحنجرة من غصة الحزن وفتح الآذان المغلقة لتقبل سماع كلمات السلام. لقد كانت طقوس التعزية تمثل اعترافًا مجتمعيًا بآلام الضحايا. وتهدف في الوقت نفسه إلى التصالح وتناسي الثأر عبر تضامن المجتمع كلّه مع الضحية. لم يكتف هيواثا بذلك، فذهب إلى تأسيس مجلس الشيوخ بين القبائل لإيجاد آليات مؤسساتية دائمة تضمن حلّ النزاعات قبل اشتعالها. ولقد تمثلت العدالة الانتقالية في مجتمعات الهنود الحمر بقيام القبائل المتحاربة بدفن رمز الحرب “البلطة” تحت شجرة الصنوبر التي يقدّسها الجميع. لقد كانت إجراءات هيواثا، وهو الضحية المثالية للعنف، تشبه كثيرًا المحاكم الشعبية في رواندا.
كيف نعيد الجلاد إلى إنسانيته؟
في العام الثامن من الهجرة دخل الرسول محمد فاتحًا منتصرًا إلى مكة التي أرادت قتله، وفتكت بأنصاره وشنّت ضده حروبًا كثيرة. وعلى عادة القبائل العربية في الانتقام، قال أحد قادة جيشه سعد بن عبادة: “اليوم يوم الملحمة” لكن الرسول عزله فورًا مؤسسًا لنموذج للعدالة الانتقالية يسعى لدمج أطراف المجتمع المتصارعة عبر مقولتين، الأولى كانت: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” وبها كسر حلقة العنف بين الفاتحين وأهل مكة. فكلمة “الطلقاء” تعني أنّه لا يوجد أسرى حرب ولا استعباد للمكيين، وإنّما مُنحوا حريتهم الكاملة ليندمجوا تدريجيًا في المجتمع الجديد. ترافق هذا العفو الرسولي بمقولة أخرى هدفت إلى حفظ ماء وجه المهزومين وإن كانوا جلادين يومًا ما، حيث قال رسول الله: “من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن”، وأبو سفيان كان رأس الحربة في مواجهة الرسول. أمّا النتائج التي ترتبت على ذلك، فقد أجهضت أيّة محاولات ثأرية من المهزومين، عبر حفظ ماء وجوههم ودمجهم في المجتمع الجديد، فإذلال أبي سفيان، وهو زعيم مكة، يعني دفن الجمر تحت الرماد ورياح الحرب ستهب لاحقًا، لذلك كان العفو الرسولي. لقد استطاع الرسول بمقولتيه تفكيك حاضنة الثأر في المجتمع المكي وشبه الجزيرة العربية وتوحيد مجتمع القبائل المتنافر وأسس لدولة ورثت إمبراطوريات العالم القديم، حتى إن آل سفيان أسّسوا فيما بعد الدولة الأموية.
لقد كانت العدالة الانتقالية الإسلامية صادرة من موقع القوة، لكن مع المسيح تغيرت الرؤية تمامًا، فمن يتعرّض للاضطهاد، وهو على الصليب صارخًا: “يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” كان يريد أن يصل بالعدالة الانتقالية إلى غايتها الإنسانية الكاملة. فعبر هذه الجملة افتتح المسيح ما يُسمى العدالة الانتقالية الإصلاحية، فكلمة “اغفر لهم” تعني انتزاع سلطة الغضب من الجلاد عبر التفوّق الأخلاقي للضحية على الجلّاد، فعندما يغفر المسيح لجلاديه يفشل هدفهم بتحريك دائرة الثأر، ويحرّرهم نفسيًا من وهم سلطتهم ورغبة انتقامهم، لأنّه عبر هذا التسامح الجذري لا يكسر دائرة العنف فقط، وإنّما يحقّق السلام النهائي. إنّه لا يصنع الترياق لسم الأفعى، بل يزيل أنيابها كلّيًا. أمّا مقولته: “لأنهم لا يعلمون” فلقد قدم مرافعة عن جلاديه، فلو ربط عنفهم بالماهية الشيطانية لما كان بالإمكان مسامحتهم، لكنّه نسبه إلى الجهل وعدم المعرفة. بهذه الطريقة التي أوجدها المسيح كان يُعاد تأهيل مرتكب الجرائم بدمجه في المجتمع كما حدث في جنوب أفريقيا بقيادة الكاهن ديزموند توتو، صاحب فلسفة “الأوبونتو” والتي تعني: “أنا موجود لأنّنا موجودون”، فهذه الفلسفة المستقاة من مقولة المسيح تهدف إلى أنسنة الخصم لأنّها ترى الجلّاد عندما يمارس عنفه، يشوّه إنسانيته قبل أن يسلب الضحية حقوقها. وبالتالي فإن كشف الحقيقة واعتراف الجلاد متبوعًا بغفران الضحية ينجز عملية تبادلية ترمّم إنسانية الجلّاد المفقودة وتشفي جراح الضحية في آن واحد.
يتبيّن لنا بعد هذه الجولة في التاريخ أنّ العدالة الانتقالية ليست طارئًا قانونيًا أنتجته محاكم نورنبرغ وأروقة الأمم المتحدة، فهي كانت مطلبًا وحاجة وجودية للمجتمعات البشرية التي سعت إلى إيقاف دوامة العنف عبر تاريخها. لقد أظهرت أثينا وروما كيف نجد التناسي أمام سطوة صدمة الحرب، وكيف على السلطة أن تمنح العفو حتى يتوقف نزيف الدم؛ وإن كانت الضمانات لعدم تكرار حلقة العنف غير كافية. وبالمقابل خطا أشوكا وهيواثا نحو عدالة انتقالية أخلاقية عبر الاعتراف بالجريمة وشجبها ومواساة الضحية من أجل تأسيس السلم الأهلي. أمّا دينيًا فلقد وجدنا براغماتية المنتصر الذي يعفو عن الخصوم من أجل بناء الدولة وتسامي الضحية المطلق الذي بموجبه تعاد أنسنة الجلاد بعد فقدانها بالعنف الذي ارتكبه، بحيث تكون البراغماتية والغفران المطلق قاعدة للبدء من جديد من دون إرث الماضي الثقيل.
إن ما فعلته آليات العدالة الانتقالية في عصرنا الحديث كالمحاكم الجنائية ولجان الحقيقة والمصالحة كان تأطيرًا مؤسساتيًا في صورة إجراءات ملزمة اتفقت عليها الدول لما عرفته الحضارات البشرية قديمًا. لقد أدرك العالم اليوم أنّ السلام المستدام يتطلّب مزج الحكمة القديمة بالتشريع الحديث، فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، هي رحلة البشرية المستمرة لتحويل جراح الماضي الدامية إلى عقد اجتماعي يحمي المستقبل من العنف. ولن يكون ذلك بالاختيار بين المحاسبة أو العفو، وإنّما إيجاد توازن يمنع الإفلات من العقاب ويقيّد، في الوقت نفسه، استمرار دوامة الانتقام، فالمحاسبة من دون مصالحة قد تؤسس لثأر جديد، والمصالحة بلا محاسبة قد تفتح باب الثأر من جديد.