عندما سقط النظام العراقي عقب الغزو الأميركي عام 2003، لم يحتج العراقيون إلى تفكير كثير ليسألوا أنفسهم: من نحن؟ كانوا عراقيين، ولدوا وعاشوا في هذا البلد، كما وُلد آباؤهم وأجدادهم. غير أن السؤال عاد ليُطرح بقوة بعد تشكيل أول مجلس للحكم في العراق، في ظل سلطة الاحتلال الأميركي.
كان المجلس المؤلف من 25 عضواً موزّعاً وفق انتماءات طائفية وعرقية، في صيغة كرّست منذ اللحظة الأولى فكرة العراق مجموعة مكونات، أكثر مما قدّمته دولة تجمع مواطنيها. وتفيد أبحاث أكاديمية، منها دراسات لكلية لندن للاقتصاد، بأن المحاصصة، التي كانت لها جذور في أوساط المعارضة العراقية قبل 2003، أصبحت بعد الغزو جزءاً مركزياً من بنية النظام السياسي. وهنا انفجر السؤال، بصورة كبيرة وعميقة ومؤلمة، خصوصاً لدى شريحة واسعة من العراقيين التي وجدت نفسها أمام سلطة جديدة تفرّق أكثر مما تجمع، وتنظر إلى العراق مجموعة مكونات تتنافس على حصص السلطة.
لم يجد النظام الذي تشكل عقب الغزو نفسه مضطرّاً إلى طرح السؤال الذي كان يجب أن يكون أول الأسئلة: من نحن؟ وأي عراق نريد؟
كان يفترض أن يكون هذا السؤال حجر الأساس في بناء عراق ما بعد النظام السابق، لكن القوى السياسية التي عادت إلى البلاد مع الاحتلال لم تكن معنية كثيراً بالإجابة عنه. كان يكفيها أنها عادت إلى عراقٍ بلا نظام صدّام حسين، أما شكل الدولة وهويتها وعلاقتها بمواطنيها، فكانت تفاصيل يمكن تأجيلها.
ومن هنا بدأت المشكلة، تحوّل السياسي إلى ممثل لطائفته أو قوميته أو مذهبه، أو هكذا قدّم نفسه، بينما غاب العراق الجامع عن خطابات سياسية كثيرة، ودخل البلد، مع مرور السنوات، دهليزاً ضيقاً يزداد ضيقاً كلما تقدّم عمر النظام وأحزابه.
ظل العراق يعيش، سنوات ما بعد 2003، في ظل خطابات متعدّدة، لكل منها جمهوره وذاكرته ومخاوفه ومصالحه، من دون أن ينجح النظام في صياغة خطاب وطني قادر على تجاوز الانقسامات. ولم تكن المشكلة في تعدّد العراقيين؛ فالتعدّد جزء أصيل من العراق، وكان يمكن أن يكون مصدر ثراء اجتماعي وثقافي واقتصادي. المشكلة أن النظام السياسي تعامل مع هذا التعدد بوصفه حصصاً سياسية، لا تنوعاً اجتماعياً يمكن أن يكون أساساً لدولة جامعة.
واليوم، بعد أكثر من عقدين، تظهر النتائج بصورة أكثر قسوة، فالدولة التي لم تستطع بناء هوية سياسية وطنية تتجاوز المكونات، تجد نفسها أمام سؤال أكثر خطورة، من يملك قرار القوة؟ ومن يحتكرها؟ الدولة ومؤسساتها، أم القوى التي تسيطر على قرارها، حتى وإن كانت أحزاباً أو فصائل مسلحة؟
من هنا، كان يفترض أن يكون قرار حصر السلاح بيد الدولة أبعد من مجرّد محاولة لإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج سيطرتها؛ كان ينبغي أن يكون جزءاً من عملية أوسع لاستعادة الدولة قرارها، وإعادة الاعتبار إلى مؤسّساتها، ومنع تحوّل العراق إلى ساحة لصراعات تتجاوز حدوده. لكن هذا المسار جاء متأخّراً، وفي ظل ضغوط أميركية وإقليمية ودولية متزايدة، بعدما تحوّل العراق إلى ساحة تستخدمها قوى مسلحة في صراعات إقليمية. ولك أن تتخيل أن الموعد الذي حدّدته الحكومة العراقية، 30 سبتمبر/ أيلول الجاري، لحصر السلاح بيد الدولة، تحوّل من موعد حاسم إلى حديث عن مسار يستمر بعد هذا التاريخ لاستكمال العملية. وهذا وحده يكشف حجم التعقيد، فحين تتراجع الدولة أمام قوى يفترض أنها جزء من منظومتها السياسية والأمنية، لا يعود السؤال متعلقاً بقوة الفصائل وحدها، بل أيضاً بطبيعة النظام الذي سمح لها بأن تصبح جزءاً من معادلة الحكم، ثم عجز عن إخضاعها بالكامل لقرار الدولة.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى، نظام سياسي جاء تحت شعار بناء الدولة والمؤسّسات والديمقراطية، انتهى إلى نظام لا يزال يواجه سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تعود إليها الكلمة الأخيرة في قرار السلاح والحرب والسلم. واستعراض مسيرة النظام السياسي العراقي منذ 2003 يضعنا أمام حقيقة أساسية، وهي أنّ العراق لم ينجح في بناء خطاب هوياتي جامع، فيما اتسعت مساحة الخطابات العرقية والإثنية والطائفية، الأمر الذي فتح الباب أمام تدخلات خارجية واسعة، حتى بدا أحياناً أننا نتعامل مع عراقات متعدّدة لا عراق واحد.
ولعل تجربة سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها نموذجاً مكتمل الأركان، فالتجربة لا تزال في بدايتها وتواجه تحدّيات كبيرة، وإنما باعتبارها تجربة مختلفة في محاولة تقديم خطاب سياسي يركز على الدولة الواحدة واستيعاب المكونات داخلها.
أما العراق، فكان ينقصه منذ البداية خطاب يقول للعراقي إنّ الدولة دولته، وإنّ الطائفة والقومية والمذهب ليست جواز سفره السياسي، وإن حقوقه لا تأتي من حصة حزبه أو مكونه، وإنما من كونه مواطناً عراقياً. وربما يكمن أحد الفروق المهمة بين التجربتَين في طبيعة القوى التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط النظامين. ففي العراق، كان جزء كبير من النخبة السياسية التي عادت بعد 2003 قد أمضى سنوات طويلة في المنفى، وجاء إلى بغداد في ظل الاحتلال الأميركي، حاملاً تصوّرات سياسية تشكلت خارج العراق، وكان بعضها قائماً أصلاً على توزيع السلطة وفق الانتماءات الطائفية والعرقية. وفي سورية، خرجت السلطة الجديدة من رحم سنوات طويلة من الصراع داخل البلاد، وإن مرّت شخصياتها وتشكيلاتها هي الأخرى بتحوّلات ومسارات إقليمية معقدة.
تراجع العراق الدولة الجامعة والوطن الموحّد، حتى بدا أن قوى كثيرة لم تنجح في تمثيل من تدّعي تمثيلهم
لا يعاني العراق من أزمة سلاح فحسب، ولا من أزمة محاصصة، ولا من أزمة نفوذ خارجي؛ العراق يعاني من أزمة أعمق تتعلق بتعريف الدولة نفسها، فالعراقي الشيعي ليس مشروعاً سياسياً منفصلاً عن العراقي السني، والكردي ليس شريكاً مؤقتاً في دولة الآخرين، والسني ليس ضيفاً في دولة الأكثرية، والعربي والكردي والتركماني والمسيحي والإيزيدي وسائر مكونات العراق ليست حصصاً في جدول سياسي؛ هؤلاء جميعاً، ببساطة، هم العراق.
لقد ظل السؤال الأصعب غائباً عن أجندة قوى النظام السياسي بعد الغزو، وبينما ادّعت هذه القوى تمثيل هذا المكون أو ذاك، تراجع العراق بوصفه الدولة الجامعة والوطن الموحد، حتى بدا أن قوى كثيرة لم تنجح في تمثيل من تدعي تمثيلهم. وربما لهذا، بعد أكثر من 20 عاماً، لا يزال العراق يبحث عن العراق؛ عن الدولة التي تتسع للجميع، وعن المواطنة التي تسبق الطائفة والقومية والمذهب، وعن وطن لا يحتاج فيه المواطن إلى وسيط حزبي أو طائفي كي يثبت أنه عراقي.
فهل يستطيع العراق، بعد كل هذه السنوات، أن يجد نفسه من جديد؟