علي حسين.. جريدة المدى
لا يتوقف معرض أربيل الدولي للكتاب عن مطاردة القرّاء وملاحقتهم من خلال غابة الكتب التي توسطت منتزه سامي عبد الرحمن، عناوين تقول كلاماً واحداً “اقرأ”، فيما تخبرك دور النشر والطباعة أن النهضة الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها مدينة أربيل تسير جنباً إلى جنب مع النهضة الثقافية والفنية، هذه النهضة التي يقف وراءها قرار سياسي يتطلع إلى المستقبل، بالإضافة إلى مثقفين يصرّون على حمل لواء التحديث.
تميز معرض الكتاب هذا العام الذي تقيمه مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون بالتعاون مع حكومة إقليم كردستان بشعار جميل “أنا كردستاني”، وهذا الكردستاني كان وسيبقى جزءاً أصيلاً من وطنه العراق.
في المعرض تطغى العناوين في كل المجالات والاتجاهات، وكنت أنظر إلى غابة الكلمة هذه، ويسرح الزائر للمعرض من كافة مدن العراق مع أربيل المدينة الجميلة التي تحولت إلى ورشة عمل، فهي لا تودع يوماً واحداً من دون إنجاز يؤسس لمدينة تريد أن يكون لها مقامها ودورها بين مدن العراق التي يتمنى لها الجميع أن تبقى زاهرة.
أكتب عن معرض أربيل الدولي للكتاب لأنني أنتمي إلى قوم لا يمكنهم تخيل عالم لم تظهر فيه الكتب، التي سطّرها مجموعة من الأحرار علّموا البشرية قيمة وأهمية الحياة، لكني بالأمس وأنا أتصفح مواقع الصحف ووكالات الأنباء شعرت بأنّ كاتباً مثل حالي لا يمكن له أن يترك حفلات الصراخ في الفضائيات وصمت البرلمان على مهازل المناصب ، ويذهب ليحدّث القرّاء عن أفلاطون الذي ظل يصر على أن تعاسة البلدان لا يمكن أن تزول ما لم يتمتع حكامها بفضيلة التعلم. “إن طلب العلم شرط لمن يتقلد زمام الحكم، والسبب هو ما يتميز به الحاكم المتعلم من حكمة وصدق”.
دائماً كنت أسأل نفسي: ترى كيف سيكون شكل العالم لو لم يكتب فيه ديكنز روايته “الآمال العظيمة”، ولم يحوّل فيه المتنبي الشعر إلى نصوص في الحِكَم، ولم يعلّمنا عمر بن أبي ربيعة أن مديح النساء أبقى أثراً من مديح كل الحكام؟ هل يمكن أن نتخيل بريطانيا من دون سؤال هاملت الأزلي: أكون أو لا أكون؟ ماذا يبقى من انقلابات أمريكا اللاتينية غير ذكرى حكايات يوسا، وساراماغو، وإيزابيل أللندي ومعلمها ماركيز؟ ماذا يبقى من أميركا لو لم يكتب لها همنغواي “الشيخ والبحر”؟
أنظر إلى الكتب التي غصّت بها قاعات معرض أربيل الدولي للكتاب، وأسرح مع العراق الذي يراد له أن يعيش في عصور التخلف والانتهازية ، العراق الذي كان فيه مصطفى جواد يعلّم العراقيين معنى الشغف باللغة، فيما عبد الله كوران يصرّ على أن يرفع شعار “أخي العربي”، في الوقت الذي كان فيه عز الدين مصطفى رسول يسطّر المعلقات في حب الوطن، ويتغنّى بالثقافة العربية