علي حسين..جريدة المدى
لم يكن نصير الجادرجي الذي ودع عالمنا أمس، مجرّد سياسي يتفاخر بعراقيته، ونموذج للوطنية السمحة، بل كتاباً غنياً لحقبة من الزمن. يرحل نصير الجادرجي فترحل معه ذكريات ومواقف جيل كان حلمه الوحيد إقامة دولة تقوم على العدل الاجتماعي، ونظام سياسي يحفظ كرامة الإنسان، كان ذلك جيل من الوطنيين آمنوا بأن العمل السياسي خدمة وطنية وليست جهادية على الشعب أن يدفع ثمنها. وأن الدفاع عن مصالح الناس لا تتطلب حمايات وقصوراً ومقاولات وشعارات طائفية.
وإذا سنحت لك الفرصة لقراءة سيرة نصير الجادرجي، فستجد من الصعب أن تحدد إذا كان صاحب السيرة يتصرف مع الناس باعتباره ينتمي إلى طائفة معينة أم إلى حزب بعينه. يبدو ذلك مستحيلاً، بل من المحظورات أن تجد رجلاً بحجم نصير الجادرجي يتحدث بالطائفة والعشيرة والمكوّن، لا يمكن أن يحسب السياسي على طائفته، إلا في زمن ساسة بيع المناصب، زمن أصبح فيه كل شيء سهلاً، المال العام أصبح خاصاً، والمنصب لا يُسعى إليه من خلال الاجتهاد والعمل والخبرة، بل الوسيلة إليه هي التزوير والانتهازية، ذات مرة وجدت نصير الجادرجي منزعجاً لأن أحد الكتاب وصفه في مقال بالشخصية السنية، فقد كان يرى أن الصفة التي يجب أن ترافقه هي “الشخصية الديمقراطية”.
ظلّ نصير الجادرجي، على مدى ثلاثة وتسعين عاماً، صورة عن العراق الذي أحبّه وعشقه، لا الطائفية أغرته، ولا المحاصصة اقتربت من بابه، كان مثل العراق الذي حلم به، أنيقاً، طافحاً بالأمل. ولم يكن يدري أنّ العراق سيدير له ظهره في أواخر حياته، ليعيش ما تبقى له من العمر بعيداً عنه، في الوقت الذي نجد خيل السياسة يترافسون فيما بينهم من أجل المغانم والمكاسب.
ودّع نصير الجادرجي عراقه الذي كان يأمل أن يراه يذهب باتجاه المستقبل، فإذا به يثير معارك الماضي، ويصرّ ساسته على أن لا حل لمشاكل العراق إلا المحاباة وإعادتنا إلى القرن الأول الهجري.
في هذه البلاد فقط، يغيب صوت نصير الجادرجي وتعلُّو أصواتٌ تشتم العراق وتتمنى زواله من الخارطة، وتشاهد فيديوهات لساسة ونواب يصرخون في الفضائيات: “أين حصتنا؟”.
عاش نصير الجادرجي سنواته الثلاث والتسعين مؤمناً بأن هذا الوطن المثير للدهشة لن يكفّ عن صوغ نفسه كل يوم، يختلف أبناؤه على أشياء كثيرة، لكنهم يتفقون جميعاً على شغف حب هذه البلاد والدفاع عن حريات الناس وآمالهم ومستقبلهم.. والأهم أن يتعلموا الجرأة التي يملكونها، والشجاعة التي يجب أن ترافقهم، والإقدام والتضحية التي يجب أن تكون شعاراً لهم.
لا يهمّ، في كل الأحوال الحمد لله على نعمته أن نكون ونظلّ عراقيين على طريقة نصير الجادرجي، لا على طريقة برلمان الصدفة.