علي حسين… جريدة المدى
لا تشغل بالك، عزيزي المواطن، بمحاولة الوقوف على الجهات التي تدعم الشيخ أو رجل الدين سعد المدرس، ولا تضرب أخماساً في أسداس وأنت ترى كيف تتغاضى عنه لجنة المحتوى الهابط، بحجة أن المدرس رجل دين، ويحمل صفة “خط أحمر” لا يجوز الاقتراب منه حتى لو شتم أعراض النساء العراقيات.
في كتابه المهم “نظام التفاهة” يضع أستاذ الفلسفة الكندي ألان دونو هذه الجملة المعبرة عن الحال الذي وصلنا إليه: “إن التافهين قد حسموا المعركة، ربحوا الحرب، وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه، حيث يلحظ المرء صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والانحطاط: تدهورت متطلبات الجودة وتم تغييب الأداء الرفيع في كل شيء، كما برزت الأذواق المنحطة وجرى إبعاد الأكفاء ما جعل شريحة كاملة من التافهين والجهلة ومحدودي التفكير يسودون ويتصدرون المشهد في العالم”.
منذ أن قُتل شباب تشرين ونحن نعيش مع مهرجانات وفضائيات وجيوش إلكترونية يصر أصحابها على أن المحتجين هم من سرقوا أموال العراق، وعطلوا الكهرباء ومنعوا بناء المصانع، وخربوا مشاريع الزراعة العملاقة، وأجهضوا التنمية والصحة والإسكان.
بل ذهب الخيال بالبعض أن يوهم الناس البسطاء بأن مشاكلهم اليومية لا تتعلق بغياب الخدمات والبطالة، وأن معركتهم الحقيقية ليست مع سراق المال العام ومروجي الخطب الطائفية، وأن الأزمة العراقية ليست السعي إلى تخريب.. وإنما أزمتنا الحقيقية هي مع عوائل متظاهري تشرين الذين وصفهم سعد المدرس بأنهم “بعثية وأمهاتهم غير شريفات” واعتذر عن الوصف، لكن يا سادة هذا بالنص ما قاله رجل يدعي أن مهمته النصيحة وبث روح المحبة بين الناس ومحاربة الفساد والمفسدين.
وقفت أمام خطبة سعد المدرس هذه التي يلقيها مع نفسه، وتذكرت ما قاله أمير المتقين علي بن أبي طالب: “إني أكره لكم أن تكونوا سبابين”.
سعد المدرس يشتم نساء عراقيات بصوت عالٍ ذنبهن الوحيد أن أبناءهن خرجوا في تظاهرات يطالبون بالخدمات ومحاسبة الفاسدين وإصلاح النظام السياسي، وهذه أمور تزعج المدرس الذي يرى أننا نعيش أزهى عصور التنمية والرفاهية، ما دام جنابه يقبض الملايين من وراء هذه الخطب والفيديوهات.
للأسف لا أدري لماذا يريد رجل دين مهمته بث الفضيلة وإشاعة خطاب المحبة والتسامح، وإعلاء شأن القيم الأخلاقية أن يصر في معظم خطبه على أن يشتم الذين يختلفون معه ويحرض عليهم، وليس في نبذ السراق والمفسدين وأمراء الطوائف، عندما نستمع إلى مثل هذا الخطيب علينا أن نشعر بالخوف على مستقبل البلاد، لأن من يقول هذا الكلام اليوم فربما يطالب غداً بتحويله إلى تشريعات تقضي برجم كل من يخالفه الرأي.
في عالم تحكمه النماذج التافهة، يرى صاحب كتاب “نظام التفاهة” أنه يمكن تدنيس العقل بشكل دائم من خلال عادة الاهتمام بأشياء تافهة من عينة خطب المدرس.