علي حسين.. جريدة المدى
إذا أردت أن تعرف حال الديمقراطية العراقية أتمنى عليك أن تشاهد مقطع فيديو للمرحوم أحمد الجلبي مضى عليه أكثر من عشرة أعوام وفيه يتحدث عن أثرياء العراق الجديد وكيف جمعوا ثرواتهم فيقول: “البعض منهم كان صاحب (جنبر) أي بسطية يرتزق منها، فإذا به يصبح من أصحاب مئات الملايين من الدولارات وتتحول البسطية إلى بنك كبير، ونواب ضباط صار عندهم ملكية تزيد على المليار دولار، كل هذه الأموال من جلد الشعب العراقي، من أمواله، من حقوقه”، ويخبرنا المرحوم الجلبي أن أكثر من 550 مليار دولار نُهبت حتى عام 2014.
لأننا حديثو العهد بالديمقراطية، فسنحتاج إلى مدة طويلة من الزمن لنستوعب الفرق بين نهب المال العام، ومصطلح “تقاسم الكعكة العراقية”، فحتى هذه اللحظة فالسياسي والمسؤول يعتقد أن لا فرق بين سرقة أموال البلاد وبين تقاسم المغانم، مادام الاثنان قريبين من مفهوم تقاسم السلطة في العراق، وأزعم أن مصطلح “تقاسم الكعكة” هو النموذج السائد الآن وهو التعبير الحقيقي عن الحالة الديمقراطية التي وصلنا إليها، والتي نبهنا إليها ذات يوم النائب محمد الزيادي عندما أخبرنا بأن الأمم المتحدة اجتمعت وناقشت وقررت وأصدرت بياناً اعتبرت فيه الديمقراطية العراقية أفضل ديمقراطية في العالم. تتذكرون هذا النائب الديمقراطي؛ محمد الزيادي، الذي ما إن أعلن عن فوزه بمقعد في البرلمان حتى قرر أن يحضر الجلسة الأولى للبرلمان وهو يرتدي ملابس قديمة وبسيطة، معلناً أنه يتضامن مع الفقراء، وأنه لن يرتدي الغالي والنفيس، بعدها اكتشف النائب أن ارتداء بدلة غالية الثمن سيقربه من الناس وستنافس محافظته المثنى عواصم اليابان وسنغافورة في عدد الأثرياء .
منذ عام 2003 والمواطن العراقي يعيش مع الوعود التي أطلقتها الحكومات عن مشاريع الإسكان والتنمية والصحة والتعليم والكهرباء، وفي كل يوم تُسرق أموال البلد، لكن السادة النواب بعضهم مشغول البال بما يجري في إيران، والبعض الآخر ينتظر رضا السفير الإقليمي، والكثير حائرون في حل لغز “العقيدة أم الوطن”، في الوقت الذي يطالبون فيه الشعب أن يتحمل، وأن يشدوا الأحزمة، لكن ماذا عن الطبقة التي انتعشت أحوالها بعد عام 2003 وحولت الجنابر إلى مصارف بملايين الدولارات؟ .
عام 1965 كانت سنغافورة جزيرة بلا موارد تجارية، ولا طبيعية، وعندما سُئل رئيس الوزراء لي كوان يو ماذا سيفعل؟ أجاب: “سنشكل حكومة نظيفة، وسنحرص على إخضاع كل دولار من الإيرادات العامة للمساءلة، والتأكد من أنه سيصل إلى المستحقين من القاعدة الشعبية من دون أن يُنهب في الطريق”.
كان الاقتصاد هو المشكلة الأكبر التي واجهت لي كوان يو، فكان الحل بإقامة المشروعات الكبرى، وجلب الاستثمارات الأجنبية، لم يكن صاحب “جنجر”، ولم يخرج على الناس بخطابات وشعارات ثورية، لم ينافق ولم يستخدم الدين لأغراض سياسية.