علي حسين… جريدة المدى
عاش ومات شاعر الكورد عبد الله كوران وهو ينتمي إلى فكر وثقافة مضادة لاثنين: العنصرية، والاستغلال.. كلاهما كان رحلة حياة بدأها وهو صبي يشتهي الشعر ويتغنى بالمعلقات العربية وانتهى ليُصبح شيخ شعراء الكورد وليتحفنا بمعلقته الكبيرة “أخي العربي”:
“أخي العربي
يا ذا العينين السوداوين
مُرّاً كان نصيبك
مُرّاً كان نصيبي
قد جرعنا المرارة من كأس واحدة
فأضحت أخوتنا عسلاً شهيّا”
كان عبد الله كوران مثل جميع العراقيين يحلم بمجتمع التآخي والمحبة، وبخطاب وطني يجمع العراقيين، قال للجواهري ذات يوم وهما يؤسسان حركة أنصار السلام ومعهم الشيخ المعمم “عبد الكريم الماشطة”: “ربما لن نستطيع العيش في مجتمع ديمقراطي مرفه، لكن علينا أن نؤسس هذا المجتمع للأجيال القادمة”. ولم يكن يتوقع كوران أن يظهر ذات يوم محلل سياسي ” عباس غدير ” من على شاشة إحدى الفضائيات يسخر من كلمة “كوردي”. .
منذ سنوات وهذه البلاد تعيش في ظل تجمعات سياسية هدفها ألا تنعم هذه البلاد بالاستقرار، فوجدنا من يسخر من الشيعة بألفاظ لا يمكن كتابتها، وفريقاً يُحمّل سُنّة العراق وزر جرائم نظام البعث، في الوقت الذي ما يزال البعض يعتبر إخوتنا الكورد “عصاة”. وشاهدنا من يقول بكل جرأة إنه يرفض أن يتولى المسؤولية الأمنية مواطن سني أو كوردي حتى وإن كان نزيهاً ومتفانياً في خدمة وطنه، فالسيد المحلل يرى أن الشيعي حتى وإن كان سارقاً هو الأفضل، فيما وجدنا من يرفع شعار “بغداد سنية ولا مكان للشيعة فيها”. صولات وجولات تدعو إلى محو الآخر من الخارطة، لأنه يسبب لهم صداعاً في الرأس، وخفقاناً في الذاكرة.
تذكرت المحلل السياسي “الجهبذ” الذي سخر من زميله الكوردي وأنا أستمع لخطاب رئيس إقليم كردستان الذي ألقاه وسط بغداد بمناسبة يوم السيادة. خطاب بلغة عربية واضحة وسليمة ودقيقة، في الوقت الذي غابت قواعد اللغة عن كلمات قادتنا الذين يتغنون بيوم اللغة العربية، فوجدنا من يجر المنصوب ويرفع المجرور.
اختار نيجيرفان بارزاني أن يتحدث عن السيادة الحقيقية وليست سيادة الشعارات وأغاني معارك المصير، السيادة التي تعني الاحترام الجاد لمؤسسات الدولة والدستور ووضع قرار الحرب والسلم بيد الدولة، والسعي لأن يكون المستقبل زاهياً بالتنمية للأجيال وأن لا ننقل لهم نزاعاتنا وحروبنا الطائفية.
يقترب نيجيرفان بارزاني من عامه الـ “60”، سياسي عراقي كوردي بلا أعداء، بلا حروب، بلا صراعات مصالح، في سجله الحياتي نقرأ رحلة عمر في النضال وفي السياسة والعمران.
عاش نيجيرفان بارزاني حياة مثيرة، في التاسعة من عمره وجد نفسه يكرر تجربة أجداده في الهجرة من بلده بسبب طغيان الحكومات المركزية، يقرر أن يجعل من السياسة مهنة له وعلماً يبحث عنه في أروقة الجامعات، وممارسة يومية من خلال المشاركة في إدارة الإقليم وبناء مؤسساته. لم تشغله شؤون السياسة ومسؤوليات الإقليم عن متعة دراسة التجارب العالمية، ليضيف لما يشاهده في بلدان العالم شيئاً من طاقاته في العمل وفي الإنجاز.
في كل يوم يخرج علينا محلل سياسي من “الوزن الخفيف” ليقول وهو يبتسم: لا مكان لمن لا يؤمن بمعتقداتنا. للأسف يريدوننا أن ننشغل بحكايات عباس غدير ومن على شاكلته، لكي تكون بديلاً للمستقبل، فما نفع التنمية والبناء، المهم “الكرامة” ، حتى وإن أدت إلى ضياع المستقبل.