في صيف 2016، حمل ورد حيدر كاميرته إلى قرية حصين البحر، مسقط رأسه في طرطوس، وصوَّر لعدة أسابيع، وبعدها أخفى الفيلم في الدُّرج، ينتظر أن يرى النور، كحال حياة كاملة عاشها السوريون حتى بات الانتظار روتيناً خاصاً بهم. ومع سقوط نظام الأسد، انفتح الدرج أخيراً، واستعاد الفيلم حقه في أن يُرى.

حين أسأله كيف يُعرِّفُ نفسه، لا يبدأ بالسينما ولا بالإخراج، ولكن بكلمة واحدة: «محارب». لا يقصد حرباً مع الآخرين، بل مع نفسه، ومع المكان، ومع أسئلة الهوية والمبدأ والأخلاق. يبتعد عن إسناد البطولة للحرب في أعماله ليُصوّر ما تتركه وراءها، تاركاً لشخوصه أن تحكيها من خلال الذاكرة والعائلة والخوف والعلاقات الإنسانية.

«قد يكون الحدث بسيطاً، لكن إذا ذهبت بعيداً في تشريحه، ترى أثره على الشخص، وعلى محيطه، وعلى المجتمع. تشريح التفاصيل هو ما يوصلنا إلى الموضوع».

تبدو الدراما له محاولة لفهم الإنسان ونقل أكبر قدرٍ مُمكن من القصة للمتلقي، وفي أعماله قد تبدو عناصرُ مثل لون الجدار، أو قطعة الأثاث، أو زاوية الضوء، أو حركة الممثل عابرةً، لكنها عنده أساسٌ في بناء المعنى. كما يتعامل مع السينوغرافيا والديكور والإيقاع البصري بوصفها جزءاً من السرد نفسه لا خلفية تُزيِّنه.

يجد ورد متعته في التركيز على لغة العيون وحركات اليدين، معتبراً الكاميرا أداة لقراءة ما تعجز الشخصيات عن قوله. هذا التكنيك لا يكتمل دون علاقة إنسانية مع الممثل؛ فهو يعتبر الإخراج لقاءً إنسانياً، ويُحاول أن يتعرف إلى الممثل، وأن يفهم مفاتيح شخصيته، وأحياناً يكتشفان معاً ما لم يكن الممثل يعرفه عن نفسه. وفي بعض الأحيان، حين يحمل المُمثل ألمه الشخصي إلى الدور، يكون الإخراج أيضاً احتواءً، وليس فقط توجيهاً.

ورد حيدر، كاتب ومخرج سوري من مواليد دمشق 1993، حاصل على بكالوريوس في الإخراج السينمائي من ماليزيا، وعلى ماجستير في إدارة المشاريع. له أفلام قصيرة ووثائقية وتجريبية عدة، وحصل على عدد من الجوائز في مجال التصوير السينمائي والإخراج.

أمّا بداياته مع المسلسلات، فقد كانت بإخراج لوحات من الجزء 15 من مسلسل بقعة ضوء عام 2022، ثم مسلسل عقد إلحاق، وبعده مسلسل كنبة أورانج بموسميه الأول والثاني، ومشروع زغرودة سورية.

الإرث والهوية

كحفيدٍ لكاتب بارز وقريب لمعارض سياسي، قد نتوقع أن ورد سيخطو خُطاهما وينتهجُ السياسة كمسار حياة؛ فجده الكاتب السوري حيدر حيدر، الذي قضى سنوات من حياته في المنفى، وخاله أمضى سنوات في السجن السياسي في عهد الأسدين، الأب والابن.

لكن والديه، اللذين يعترف ورد بفضلهما الكبير عليه، تركاه يكتشف ذاته ويكوّن قناعاته بنفسه. فإلى جانب عمل والده في مجال طب الأسنان، عملَ أيضاً في المسرح والسينما ما جعله شخصاً يميل إلى الفن أكثر من السياسة، وهذا المناخ دفع ورد إلى طرح الأسئلة والاستكشاف، وعدم التسليم بالأفكار بسهولة.

يذكر ورد جده كإنسان ترك أثراً في تكوين شخصيته ونظرته إلى العالم، أكثر من كونه صاحب إرثٍ أدبي، ففي سنين الطفولة كانت علاقتهما موسمية، لبُعد المكان وقلة اللقاءات. لكن مع سنوات المراهقة، زادت الزيارات، وطالت الحوارات وتعمقت، وعندها بدأ يتعرف أكثر إلى جده، من خلال مبدئيته ومواقفه التي ظلّ متمسكاً بها؛ «لم يُهادن سلطة، ولم يساوم».

يعيش ورد حياته وفق قاعدة فهمها من جده، وهي: «إذا كنت غير قادر على دخول المعركة، فلا تكن على الضفة الغلط»، مُعترِفاً باختلافه عن جده في أسلوب المواجهة. وكان الجد هو بطل الفيلم السري الذي صوره ورد في صيف 2016، ولأن ورد رفض حذف أي مقطع، ونتيجة الحساسية الأمنية وقتها والتي قد تُعرِّضُ حياته وحياة الأسرة للخطر، أخفى الفيلم.

عند سقوط النظام قرَّر ورد أن يُعيد الحياة إلى الفيلم ويباشر مرحلة ما بعد الإنتاج. لا يتحدث الفيلم الذي لم يُعرَض بعد عن سيرة كاتب فحسب، بل عن مرحلة من التاريخ السوري، وعن رجل لم ينل ما يستحق من قراءة وتقدير.

تنقّلَ ورد منذ طفولته بين بيئات مختلفة؛ فقد ترعرع في أحياء دمشق القديمة، وتعود أصوله وأصول عائلتي والده ووالدته إلى طرطوس وجبلة واللاذقية، ولعبت زياراته للساحل في مواسم الصيف والأعياد دوراً في تشكيل ذاكرته. لاحقاً، في سنوات الدراسة، انتقل بين مدارس تختلف في مستوياتها، حتى انتقل للعيش في ماليزيا؛ وجعله ذلك التنقل يشعر بأنه ليس ابن بيئة واحدة، وكان هذا الشعور يربكه في البداية ويضعه أمام أسئلة وجودية: عن هويته وانتمائه، لكنه وجد مع الوقت في ذلك ثراءً أكثر منه عبئاً. فتبدو شخصياته بعيدة عن الهوية المغلقة، وإذ جعله ذلك يرى الانتماء تجربةً تتشكّل باستمرار، أكثر من كونه تعريفاً ثابتاً.

يرى ورد في الحروب قسوة يصعب احتمالها. ومع اندلاع الثورة السورية واتساع قراءاته، ازداد اهتمامه بتاريخ السياسة أكثر من ممارستها. وحب عائلته للسينما والمسرح، إضافة إلى قضائه ساعاتٍ طويلةً في مشاهدة الأفلام، كل ذلك جعل خياره في الإخراج تعبيراً عنه، فالكاميرا تمنحه ما لا تمنحه السياسة: القدرة على رؤية الإنسان وهو يعيش حكايته.

 

الانتظار والذاكرة والفن

في أعمال ورد، ينعكس واقع العيش في زمن مُعلّق، ويرى أن أزمة السوري الحقيقية ليست في نقص الخيارات وحدها، بل في غياب رفاهية الاختيار ذاتها. أين سندرس؟ ماذا سنعمل؟ أين سنعيش؟ وما الذي ينتظرنا؟ أسئلة يراها جزءاً من حياة يعيشها معظم السوريين، وإن اختلفت تفاصيلها تبعاً للظروف.

كسوريين نحن مقيّدون بجواز السفر، وبجنسية تثير الشبهة في كل مكان، وبذاكرة جمعيّة تختلف عن ذاكرة من نلتقي بهم، بقيمٍ لم نَعُد نفهمها في أماكن جديدة. كأننا في بحر، نذهب حيث يأخذنا الموج، ونتأقلمُ غصباً عنا، ونتعلم كيف ننجو.

«نحن مُسيَّرون. يجب أن نكون على أهبة الاستعداد دائماً لنجابه أي وحش أو غول يقف في طريقنا».

الحنين إلى الماضي، كما يراه، قد يتحول إلى نوستالجيا وهمية؛ ننتقي منها ما نريد الاحتفاظ به، ونحذف منها الألم والشوائب، فنعيش على صورة مثالية لم توجد يوماً بهذا الصفاء. وربما لهذا السبب أصبح السوريون يعيشون على الذاكرة أكثر مما يعيشون على الحاضر. فما قبل 2011 يبدو اليوم وكأنه عالم آخر. أربعة عشر عاماً من الحرب غيّرت كل شيء، وكشفت أننا لم نكن نعرف شيئاً عن بعضنا البعض. عقود من التجهيل والاستبداد أسهمت في ترسيخ مظلوميات متقابلة: «ما من أحد يريد سماع الآخر… الجميع يعتقد أنه محق، ولا أحد يراجع ذاته».

ويرى ورد أن أحد أخطر آثار الحرب هو الميل إلى اختزال السوريين في هوياتهم، وتحويل جماعات كاملة إلى متهمين أو أبرياء دفعةً واحدة. فالرغبة في تبرئة الذات، كما يقول، تدفع كثيرين إلى شيطنة الآخر، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من أن تُختزَل في رواية واحدة أو في مكوّن واحد. يمتد هذا الشرخ إلى فقدان الثقة؛ بين السوريين أنفسهم، وبينهم وبين العالم أيضاً. فبعد كل ما حدث، صارت الفجوة أكبر مما يمكن تصوره، وكأن الثقة رفاهية لا يملكها أحد.

ولا يتوقف الأمر عند النوستالجيا. فـ«عقدة الناجي» التي يتحدث عنها علماء النفس لم تعد موجودة بالمعنى التقليدي. والسوري، كما يرى ورد، لم يعد يملك حتى رفاهية الشعور بأنه نجا، لأنه لم ينجُ حقاً. كل شخص تعرّض للأذى بطريقة ما، وإن تفاوتت الدرجات. مواجهة الذاكرة، بالنسبة له، خطوة ضرورية للتعافي.

حجم الصدمات التي تعرّض لها السوريون، من فقد وتهجير واعتقال وخسارات متراكمة، جعل الحديث عن الألم والعلاج النفسي ضرورة، لا ترفاً. يتساءل ورد: «إذا انكسرت رجلك أو انخلع كتفك، تزور طبيباً مختصاً، فما بالك بالعقل، وهو مركز إدراكك كله، حين يتعرض لموجات وصفعات مهولة من الخراب والدم في زمن قياسي؟». ويعتبر أن ما قدّمه وزملاؤه هو مجرد كشفٍ لرأسِ جبل الجليد، وأن ما تحت السطح يحتاج إلى سنوات من الحديث والاعتراف. «نحن بحاجة إلى الطبطبة، والبحث، والعلاج. رحلة علاج طويلة، لأن الألم الذي لا يُحكى عنه لا يختفي، بل يتحول إلى أمراض، وحروب، وجلطات».

وسط هذا المشهد المُثّقل بالانتظار والذاكرة والشروخ، يرى ورد الفنَّ أحد أشكال الحياة، ويصف نفسه بأنه رومانسي وحالم، ولا يستطيع تخيُّل حياة تخلو من الفن، لأنه يمنح الإنسان معنى يتجاوز دورة الحياة اليومية: «برأيي الفن هو خلاص الإنسان». وهو ما ظهر في اختيار شخصية ريما في مسلسل عقد إلحاق كنحّاتة، ويردُّ ذلك إلى إيمانه بأن الفن يحمل جزءاً من روح الإنسان، وأنه يبقى قادراً على إنقاذ شيء حتى في أقسى الظروف.

 

ويحرص ورد على التأكيد أن هذه الأعمال ليست نتاج رؤية فردية خالصة، فعقد إلحاق خرج من ورشة كتابة شارك فيها عدد من الكتّاب، فكانت الشخصيات والحوارات ثمرة نقاشات طويلة قبل الوصول إلى صيغتها النهائية. ورغم وضوح بصمته الإخراجية، يرى أن العمل الدرامي الجيد يُبنى على الحوار والتطوير الجماعي. ويدور المسلسل حول فتاة متبناة تعيش في كنف فنانة تشكيلية وتُعاني الاثنتان من مشاكل واضطرابات وما يرافق ذلك من قصص وأحداث متداخلة مع الواقع السوري.

وعند سؤالنا لمَن هذا الخلاص الذي يحمله الفن؟ هل هو للنخبة باعتبار أن المسلسل عُرِضَ على منصات خاصة قبل عرضه لاحقاً على اليوتيوب، دون أن يلقى الترويج الذي تلاقيه الدراما التجارية؛ اعتبر ورد أن المسألة ليست نخبوية بقدر ما هي مرتبطة بضعف التسويق و«التوجه الشعبي» إن صح التعبير. وقال إن ردود الأفعال التي وصلته حول أعماله تفاوتت بين مَن أُعجب بها جداً ومَن رأى أنه لم قدم أيَّ جديد.

النساء في قلب الحكاية

المرأة بالنسبة لورد، تتبوأ مركز الحكاية، وليست شخصيةً تدور في فلك الذَكَر. ويرى أن الحرب دفعت النساء إلى مركز الحكاية، تماماً كما دفعتهن إلى مركز الحياة اليومية. فمع غياب ملحوظ للرجال في سوريا بسبب القتل أو الاعتقال أو التجنيد أو الهجرة، وجدت النساء أنفسهن يحملن مسؤوليات الأسرة والحياة اليومية، ويقمن بالأدوار التي كان المجتمع ينسبها تقليدياً إلى الرجال. بالمقابل، يحرص على ألا يتحول هذا التوصيف إلى إدانة للرجال، فهم أيضاً ضحايا الحرب، سواء على الجبهات أو في السجون أو تحت القصف أو في المنافي، أو حتى في معاركهم النفسية التي قلّما يُلتفت إليها.

«الرجل ملأ العالم بالحروب. يجب على الأقل أن تكون هناك مساواة في الحضور».

كما يعترف بأن تربيته لعبت دوراً أساسياً في هذه القناعة. نشأ قريباً من والدته، ويستحضر دائماً صورة جدته التي، رغم أُمّيتها، أصرّت على تعليم أبنائها. ومن خلالهما، تعرّفَ إلى معنى الحب غير المشروط، وإلى القوة الهادئة التي تستطيع المرأة أن تمنحها لمن حولها. ويرى في المرأة حناناً وحكمة غائبة عن الرجل؛ ويعترف بأن خيار تقديم المرأة كبطلة ليس ممكناً دائماً بسبب اعتبارات الإنتاج والسوق.

 

في نظره، لعبت الطريقة التي تُقدَّم بها المرأة على الشاشة دوراً في ذلك؛ فالحرب، كما يرى، زادت حدّة النظرة الذكورية في كثير من الأحيان، والدراما كثيراً ما أعادت إنتاج الصور النمطية نفسها بدلاً من مساءلتها. «الدراما السورية فيها نفس ذكوري بمكان ما حالياً، أكثر من قبل».

وفي مشروعه الأخير، زغرودة سورية، يبتعد ورد عن دراما الألم ليقترب من مساحة مختلفة. المشروع، الذي صوّره في يوم واحد فقط، جمع أصواتاً نسائية من مناطق سورية مختلفة، يؤدين زغاريد وأغاني أعراس من تراث كل منطقة. ويعتبره محاولةً لاستعادة جزء من الذاكرة السورية التي تتفتت، وبحثاً عن المساحات المشتركة التي ما زالت موجودة بين السوريين؛ عن الفرح، والطقوس، والحكايات التي سبقت الانقسام، معتبراً أن النساء حملن الذاكرة السورية أكثر مما حفظتها المؤسسات:

«هذا ليس برنامجاً عن الماضي، بل عن ما بقي وما يستحق أن يبقى».

رغم كل ما عاشته البلاد، ما زالت الزغرودة حاضرة في الأعراس السورية، وهذا، بالنسبة له، شكل من أشكال مقاومة النسيان، واستحضار للفرح الذي هو كينونة واستمرارية الحياة.

«بالنسبة لي، زغرودة كانت محاولة بسيطة لتذكير السوريين كم نملك من القصص المشتركة فيما بيننا. بالطقوس، والعرس، والفرح. أن نحكي قليلاً عن الفرح، وعن أيام زمان التي يجب المحافظة عليها».

كنبة أورانج.. قبل السقوط وبعده

في تجربة ورد مع مسلسل كنبة أورانج، يتجلى الفرق بين زمنين سوريين؛ زمن كانت الكلمة فيه تنطوي على كثير من المخاطرة في مساحات شديدة الضيق، وزمن بدأت فيه الكلمة تنفتح على مساحات لم تكن متاحة من قبل، دون يقين باستمرارية هذه المساحات.

صُوّرَ الجزء الأول من العمل في ظروف لم يكن فيها الإعلان عن المشروع والترويج له ممكناً. ولم تكن المشكلة في حذف مشهد أو تعديل كلمة فقط، بل في المناخ العام الذي يجعل الفنان يُفكِر مرتين قبل أن يروي. الرقابة في سنوات النظام السابق الأخيرة، كما يصفها ورد، كانت «مريضة وجبانة جداً».

«كنا نصوِّر بالسر. لم نستطع الإعلان عن المسلسل أبداً. كنا نشتغل تحت الطاولة، ونتعامل مع ألاعيب كثيرة لتجنب الرقابة». حتى إنه يوجد حلقة كاملة من الموسم الأول لم تُعرَض، وظلت حبيسة الأدراج إلى اليوم. في زمن النظام السابق، جرى التحايل على الرقابة وتصوير الموسم الأول في بيروت.

أمّا الموسم الثاني فصُوِّرَ بعد سقوط نظام الأسد، ولم يتعرض، حسب ورد، لملاحظات رقابية تُذكَر. واستطاع التصوير بأريحية لم يعرفها من قبل، وأصبح بإمكانه إجراء لقاءات صحفية، والترويج للعمل علناً، وكأن جداراً كان يمنع الكلام قد سقط فجأة.

«في الجزء الثاني استطعنا تسمية الأمور بمسمياتها. كنّا قد تحدثنا عن الاعتقال في الموسم الأول، لكن هذه المرة صرنا قادرين على أن نقول الكلمات التي كنا نخاف منها، وآمل ألا يكون ذلك لحظياً. سنبقى نختبر المياه».

وانعكس هذا التحول على شكل العمل كله، فالفوارق بين الجزأين تظهر في الشارة، واللقطات، والإيقاع، وحتى في التفاصيل البصرية الصغيرة. كما نلحظ تحوُّلاً في شخصية الطبيبة النفسية، التي تلعب دورها في الموسم الثاني الممثلة رنا كرم، إذ لا تستطيع الشخصية إخفاء مشاعرها أو انحيازها. يوضح ورد أن ذلك كان مقصوداً، فالطبيب النفسي في النهاية إنسان لديه عواطفه ومشاكله الشخصية، كما ظهر في إحدى الحلقات عند ذكر عمها المغيّب قسراً في المعتقل، وفي حلقة أخرى يُهددها فيها شخص، بشكل غير مباشر، بعمها. وبهذه الأنسنة للطبيب أو المعالج النفسي، استطاع ورد كسر تابو المعالجة النفسية في الدراما السورية.

يطرح ورد في تجربته الأسئلة التي يخشى كثيرون الاقتراب منها، لأن شخصياته بشر يحملون تناقضاتهم ويتحمّلون أثمان قراراتهم. ففي نهاية الموسم الثاني من كنبة أورانج، يدخل رجلٌ مقنعٌ بزيِّ ميكي ماوس، ويضعنا أمام سؤال أخلاقي يستحيلُ حسمه: هل هو قاتل لأنه يتّّم أطفالاً؟ أم بطل لأنه أنقذ عائلةً من الموت؟ وفي أعمال أخرى، يُناقش وضع امرأة تحمل طفلاً من زوج تكرهه، أو أمومة تتجاوز رابطة الدم. ومن خلال هذه الحكايات، يضعنا أمام أسئلة لا تجد مكاناً في الفضاء السوري العام: كيف تُروى الحرب؟ ومن يملك حق رواية الألم؟ وكيف يُمكن الاقتراب من الجراح دون تحويلها إلى مادة للدعاية أو الاستهلاك؟ ويُضيف: «الحرية وحدها لا تكفي لصناعة دراما أفضل».

ينتقد ورد بشدة أولئك الذين شرعنوا العنف بالأمس، ويحاولون اليوم ركوب الموجة بالذهاب نحو أقصى التطرف لتبرئة ذممهم؛ معتبراً أن الحديث عن هذه الأوجاع يجب أن يقوده أشخاص ناضجون، امتلكوا موقفاً صادقاً ونبيلاً منذ البداية، لا من يبحثون عن «الترند» أو البروباغندا. فالهدف ليس إرضاء طرف على حساب آخر، بل دعوة الطرف الآخر لفتحِ عينه ورؤية ما حدث بدقة، إنصافاً الضحايا.

«المظلوم الأول دائماً هو المواطن السوري العادي. المرحلة القادمة تحتاج إلى أن يسمع السوريون بعضهم بعضاً، وأن تُروى الحكايات بقدر عالٍ من المسؤولية، لا بهدف الانتصار لطرف، بل لفهم ما حدث ومنع تكراره، وسماع كل الأطراف».

مسؤولية الدراما، بالنسبة لورد، ألا تتحول إلى خطاب مباشر أو درس أخلاقي. ويرفض فكرة الدراما الوعظية، ويرى أن مهمة الفنان أن يضع الناس أمام الأسئلة والوجوه والتجارب التي ربما لم يرغبوا في رؤيتها. سألنا ورد عن إحساس المتابع بوجود تناقض بين رؤيته الأخلاقية وبين رفضه للدراما الوعظية؛ وقد أوضحَ أن الفرق كبير بين النمطين، فهو لا يطرح توجيهات وحلولاً، إنما يطرح قصصاً ومشاكل ويترك للمُشاهد حرية التفكير والتحليل.

ويأخذنا مسلسل كنبة أورانج بموسميه في رحلة مع أشخاص يقصدون طبيباً نفسياً، لتتحول جلسات العلاج إلى نافذة على الواقع السوري خلال الحرب وما بعدها.

 

ما الذي يُبقي الأمل؟

بعد كل ما يقوله ورد عن الانتظار، والذاكرة المثقلة، والشرخ الذي تركته الحرب، لا يأتي الأمل عنده كإجابة سهلة أو محاولة لتجميل الواقع. لكنه فعل يومي؛ قدرة على الاستمرار والعمل رغم كل الأسباب التي تدفع إلى الاستسلام.

«العمل. أن تعمل، وأن تستمر، وألا تستسلم للأفكار التي تدفعك إلى العجز».

يرى أن جزءاً كبيراً من الأمل مرتبط بجيل الشباب السوري الذي سافر، وتعلم، وتعب، لكنه لم يفقد قدرته على المحاولة، ولا ينبغي النظر إلى أبناء هذا الجيل بوصفهم مهاجرين فحسب، بل بوصفهم حملة خبرات وأسئلة ورغبة في المشاركة في بناء المستقبل.

ولا يتعلق بناء سوريا، في نظره، بإعادة إعمار الحجر فقط، رغم أهميته لمن فقدوا بيوتهم. إنما هناك ما هو أعمق: بناء الإنسان، واستعادة الثقة، وعقد اجتماعي جديد. وهذا لا يتحقق من دون عدالة ومحاسبة للمذنبين، لأن تجاهل الألم لا يسمح ببدء حياة جديدة.

«متى ما دارت العجلة وتحقق الأمان، سيعود السوريون إلى حياتهم الطبيعية. كأي مجتمع آخر يبحث عن مستقبله على هذا الكوكب… المأفون».
ربما لا ينتظر السوريون غودو واحداً. لكل واحد غودوه الخاص؛ عدالة، بيت، ابن، أو حياة عادية. وكما أخفى ورد حيدر فيلماً في درجٍ لسنوات طويلة حتى وجد زمنه، يدفع السوريون صخورهم الصغيرة كل يوم، لا لأنهم يثقون بأن الطريق سينتهي، بل لأن التوقف نفسه نوع آخر من الهزيمة. ولعل هذا ما تقترحه تجربة ورد في النهاية: أن نستمر في الدفع، حتى حين يبدو الانتظار أكثر منطقية من الحركة. ويبقى السؤال: متى نتوقف عن الانتظار، ونواصل السير؟