خليل حسين محرر بموقع السفينة
لم يعد فشل المفاوضات في السياقات الإقليمية المعقدة يعني الوصول إلى طريق مسدود، ولا يفضي بالضرورة إلى فراغ سياسي كما كان يُفترض في الأدبيات التقليدية. بل على العكس، كثيرًا ما يُنتج هذا الفشل نمطًا جديدًا من التفاعلات يمكن وصفه بـ”الغموض الاستراتيجي”—حالة بينية لا هي حرب مفتوحة ولا سلام مستقر، وإنما نظام قائم بذاته، يتسم بعدم اليقين، ويُدار بدل أن يُحسم.
هذا التحول يعكس تغيرًا عميقًا في طبيعة السياسة الإقليمية، حيث لم تعد الأطراف تسعى دائمًا إلى حلول نهائية بقدر ما تسعى إلى إدارة التوازنات وتأجيل الانفجارات. في هذا السياق، يصبح الغموض أداة، وليس مجرد نتيجة عرضية؛ أداة تتيح للدول الحفاظ على هوامش الحركة، وتجنب الالتزامات الصلبة، وإعادة تموضعها وفقًا لتغيرات البيئة الاستراتيجية.
غير أن هذا الغموض ليس خاليًا من المخاطر. فهو، وإن وفر مرونة تكتيكية، يفتح الباب في الوقت ذاته أمام سوء التقدير وتضارب القراءات، ما قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تجنب الغموض، بل في القدرة على إدارته وتحويله من مصدر تهديد إلى إطار قابل للاستقرار النسبي.
ضمن هذا المشهد، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها فاعلًا إقليميًا يسعى إلى إعادة تعريف دوره. فبدلًا من التموقع كطرف مباشر في الأزمات، تتجه نحو لعب دور “مدير التوازنات”—قوة تحاول احتواء التوترات، وتخفيف حدة الاستقطاب، وبناء مسارات تواصل حتى بين الأطراف المتعارضة.
هذا التحول لا يعكس فقط قراءة سعودية جديدة لمصالحها، بل أيضًا إدراكًا لطبيعة الإقليم الذي لم يعد يحتمل صراعات مفتوحة طويلة الأمد. ومن هنا، تتبنى الرياض مقاربة تقوم على خفض التصعيد، والانخراط في وساطات متعددة، وتنويع علاقاتها الإقليمية والدولية، بما يمنحها قدرة أكبر على المناورة داخل بيئة غير مستقرة.
ومع ذلك، فإن تحويل الغموض إلى استقرار ممكن لا يعتمد على طرف واحد، مهما بلغت قدرته. بل يتطلب توافر حد أدنى من تقاطع المصالح بين القوى الإقليمية، واستمرار قنوات التواصل بين الخصوم—إضافة إلى الحفاظ على مصداقية الوسيط وقدرته على التوازن دون الانزلاق إلى الاصطفاف.
في النهاية، لا يقوم الاستقرار في مثل هذا النظام على الحسم أو التسويات النهائية، بل على إدارة مستمرة للهشاشة. إنه استقرار مؤقت، ديناميكي، وقابل للاهتزاز، لكنه—رغم ذلك—أفضل من الفوضى الشاملة. وفي هذا الإطار، يصبح نجاح أي فاعل إقليمي، بما في ذلك السعودية، مرهونًا بقدرته ليس على إنهاء الأزمات، بل على تأجيل انفجارها، وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها.