يتزامن هذا الاهتمام مع عمل وزارة الثقافة على إعداد ملف “مسارات أوغسطين” تمهيدًا لتقديمه إلى اليونسكو، بهدف تسجيل المواقع المرتبطة بحياته ضمن قائمة التراث العالمي، وتثمينها سياحيًا وثقافيًا.
ولكن من هو القديس أوغسطين الذي عاد اسمه إلى الواجهة العالمية مع هذه الزيارة، وتسعى الجزائر لتصنيف مساراته كتراثٍ عالمي؟
رمز السلم والحوار والتعايش
يُعدّ القديس أوغسطين (354 – 430م) من أبرز أعلام الفكر الديني والفلسفي في التاريخ الإنساني، كما يُنظر إليه باعتباره أحد الرموز المرتبطة بتاريخ الجزائر القديم، حيث يجمع مساره بين البعد الروحي والفكري والسياسي، وبين الانتماء المحلي والانفتاح على العالم. ويُقدَّم أوغسطين في العديد من الدراسات باعتباره صوتًا مدافعًا عن قيم السلم والحوار والتعايش، وعن فكرة وحدة الإنسان باعتباره “كتلةً واحدة”.
وُلد بمدينة سوق أهراس شرق الجزائر (طاغست القديمة)، داخل أسرة تنتمي إلى الطبقة البرجوازية المحلية، حيث كان والده “باتريسيوس” ضابطًا في الجيش الروماني، يحلم أن يراه في موقع إداري مهم داخل الإمبراطورية، بينما كانت والدته “مونيكا” شخصيةً دينيةً محافظة، حرصت على تربيته وفق قيمٍ روحيةٍ صارمة. وقد نشأ في بيئة ثقافية متنوعة، مما ساهم في تكوين شخصيته الفكرية المبكرة.
تلقّى أوغسطين تعليمه في طاغست ثم قرطاج وروما وميلانو، حيث برز كأستاذٍ في البلاغة، واستفاد من تكوينٍ واسعٍ شمل اللغات والفلسفة والعلوم. وقد تأثر بالفلسفة اليونانية، كما استلهم الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، قبل أن يُعلن اعتناقه المسيحيةَ سنة 386م، وهو التحوّل الذي أعاد توجيه مساره بالكامل. وبعد عودته إلى الجزائر سنة 388م، أسّس ديرًا في مسقط رأسه، قبل أن يُعيَّن أسقفًا لهيبون (مدينة عنابة شرق الجزائر حاليًا) سنة 395م، وهو المنصب الذي شغله لأكثر من ثلاثة عقود.
على المستوى الفكري، دافع أوغسطين عن قيم نكران الذات، والمحبة، والاستقرار، ووحدة المجتمع، كما قدّم رؤيةً فلسفيةً تعتبر “الجنس البشري كتلةً واحدة”، وهو ما جعله مرجعًا في التفكير الإنساني حول طبيعة العلاقات بين البشر. ويرى عدد من الباحثين أن خطابه حول المحبة يمثّل نقطة تقاطع بين القيم الدينية المشتركة، بما في ذلك ما يرتبط بالتقاليد المسيحية والإسلامية.
كما أولى أوغسطين أهميةً كبيرة للحوار والتسامح، واعتبر أن الحقيقة لا تُبنى إلا عبر التأمل والمساءلة الداخلية. ويتجلّى ذلك بوضوح في كتابه الشهير “الاعترافات”، حيث فتح الباب أمام أدب الاعتراف وتحليل الذات، وربط بين الفلسفة وعلم الأديان والتجربة الإنسانية.
وإلى جانب ذلك، خلّف أوغسطين أكثر من مائتَي مؤلَّفٍ باللاتينية، تناول فيها قضايا الدولة والدين والمجتمع، ودافع من خلالها عن المسيحية، وانتقد التيارات الفكرية المعارضة له في عصره، إضافةً إلى العديد من النصوص التي ما تزال مرجعًا في الدراسات الفلسفية واللاهوتية.
ويجمع الدارسون على أن أوغسطين لم يكن مجرد رجل دين، بل كان مفكرًا موسوعيًا جمع بين الفلسفة والبلاغة والفكر الديني، وتأثر بالحضارات اليونانية والرومانية والأفريقية. وقد ساهمت أفكاره في تشكيل جزءٍ مهمٍ من الفكر الغربي، حيث لا تزال تُدرَّس في جامعات أوروبا وأميركا، مع تخصيص مقاعد أكاديمية لدراسة تراثه.
وفي هذا السياق، يبرز أوغسطين باعتباره شخصيةً ساهمت في ترسيخ قيم التعايش، والتسامح، والعدالة، والبحث عن الحقيقة، كما ارتبط اسمه بمدينة هيبون وسوق أهراس، مما يجعله جزءًا من الذاكرة التاريخية والثقافية للمنطقة. ويستمر إرثه اليوم كمرجعٍ فكريٍّ وروحيٍّ يعكس قدرة الفلسفة على فهم الإنسان، ويؤكد أن الحوار بين الثقافات والأديان يظل أساسًا لبناء المشترك الإنساني.
دافع أوغسطين عن قيم العدالة باعتبارها أساس ازدهار الدول، واعتبر أن “إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه” هو جوهر الحكم الرشيد، محذِّرًا من أن انهيار الأخلاق أخطر من الهزائم العسكرية. كما دعا إلى الحوار والتعايش بين الأديان، وطرح مبادئ مبكرة لأخلاقيات الحوار والعيش المشترك، مؤكِّدًا أن السلام لا يتحقق إلا بالعدل والاعتراف بالآخر. وبهذا، يُقدَّم أوغسطين كرمزٍ عالميٍّ يجمع بين الفكر الروحي والفلسفي، وبين الدعوة إلى العدالة والسلام والحوار بين الحضارات.
“مسارات أوغسطين”: مشروع ثقافيّ عابر للحدود
ترتبط سيرة أوغسطين ارتباطًا وثيقًا بعدد من المواقع في الجزائر، خاصةً في سوق أهراس وعنابة، حيث توجد آثار مدينة هيبون، إضافةً إلى معالم تاريخية ودينية تحمل اسمه، مثل كنيسة القديس أوغسطين. هذه المواقع لا تعكس فقط مسار حياته، بل تمثّل جزءًا من الذاكرة التاريخية للمنطقة، وتشكّل اليوم عنصرًا مهمًا في التراث الثقافي الجزائري.
| تعمل السلطات الجزائرية على إعداد ملف “مسارات أوغسطين” لعرضه على اليونسكو (Getty) |
في هذا الإطار، تعمل السلطات الجزائرية على إعداد ملف “مسارات أوغسطين” لعرضه على اليونسكو، بهدف إدراج المواقع المرتبطة بحياته ضمن قائمة التراث العالمي، وتحويلها إلى مشروعٍ ثقافيٍّ عابرٍ للحدود، يجمع بين أفريقيا وأوروبا، ويعكس التفاعل التاريخي بين الفكر الفلسفي واللاهوتي في سياقات حضارية متنوعة. ويهدف إلى الحفاظ على النسيج العمراني والأثري للمواقع النوميدية والرومانية، وضمان استدامة قيمتها التاريخية والعلمية، مع تحويلها إلى فضاءاتٍ ثقافيةٍ مفتوحة تُسهم في تنشيط السياحة الثقافية وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.
ويهدف هذا المشروع إلى حماية هذه المواقع الأثرية، وتعزيز قيمتها التاريخية، وتحويلها إلى وجهةٍ للسياحة الثقافية ذات بعدٍ دولي، بما يساهم في التعريف بالإرث الحضاري للجزائر، والرهان على إعادة قراءة التراث المحلي ضمن مقاربات ثقافية حديثة تربط بين التاريخ والهوية والمجال الجغرافي.
وتسهر على إعداد الملف لجنةٌ وطنيةٌ متعددة الاختصاصات، تضمّ خبراء في علم الآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا، إلى جانب مختصين في تثمين التراث الثقافي، وتتمثّل مهامها في ضمان التنسيق بين مختلف الفاعلين الوطنيين والدوليين، ومرافقة إعداد الملف وفق المعايير العلمية والتقنية المعتمدة من قِبَل اليونسكو. كما تتولى اقتراح استراتيجيات لتثمين هذه المواقع وإدماجها ضمن مسارات ثقافية عالمية، إلى جانب الإشراف على برامج الحماية، ودعم البحث الأكاديمي المتعلق بالموروث الأثري والتاريخي.
وتشمل “المسارات الأوغسطينية” مجموعةً من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية الممتدة عبر شرق ووسط الجزائر، على مسافةٍ تقارب 1500 كيلومتر. ويهدف هذا المشروع إلى إعادة بناء قراءةٍ تراثيةٍ متكاملة للفضاء الجزائري القديم، من خلال الربط بين الحواضر النوميدية والرومانية والمسيحية، مما يسمح بإبراز التداخل الحضاري الذي ميّز المنطقة. كما يُنظر إلى هذا المسار بوصفه امتدادًا جغرافيًا لمسار أوغسطين نفسه، الذي وُلد- كما ذكرنا- في مدينة طاغست (سوق أهراس حاليًا) وعاش في فضاءٍ حضاريٍّ متعدد المرجعيات الثقافية والدينية.
إن الاهتمام بأوغسطين اليوم يتجاوز كونه شخصيةً دينيةً أو تاريخية، ليصبح رمزًا لتقاطع الحضارات التي عرفتها الجزائر عبر العصور. فهو مفكرٌ وُلد في شمال أفريقيا، وكتب باللاتينية، وتأثر بثقافات متعددة، وترك أثرًا عالميًا ما يزال حاضرًا في النقاشات الفكرية والفلسفية. ومن هذا المنظور، يكتسب مشروع “مسارات أوغسطين” أهميةً خاصة، كونه لا يقتصر على حفظ الذاكرة، بل يسعى إلى إعادة إدماج هذا الإرث ضمن رؤيةٍ معاصرةٍ تعزز مكانة الجزائر في الخريطة الثقافية العالمية.
مكانة أوغسطين في العالم
برزت مكانة أوغسطين في العالم من خلال تفاعل شخصياتٍ دينيةٍ وسياسيةٍ بارزةٍ عالميًا مع زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة إلى الجزائر وربطها بهذا القديس، إذ صرّح رئيس كولومبيا غوستافو بيترو قائلًا: “زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إلى الجزائر تحمل رسالةً رمزيةً لتعزيز الحوار بين الثقافات (…) إحلال السلام بين الحضارات المختلفة. هذا هو طريق الإنسانية”. كما قالت رئيسة جمعية فرنسا- الجزائر سيغولان روايال إن الزيارة “رسالةٌ عالميةٌ مفادها أن الحوار والإصغاء والمصالحة تظل دومًا ممكنةً في سبيل رفاهية الشعوب”.
وفي السياق ذاته، شدّد رئيس أساقفة الجزائر، الكاردينال جون بول فيسكو، على أن الزيارة التاريخية لقداسة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر تشكّل “إشارةً قويةً وشهادةً حيةً على التعايش، بما يجعل من الجزائر منطلقًا لرسالة سلام، يُضفي عليها رمزيةً خاصةً ويعيد تسليط الضوء على الامتداد التاريخي للجزائر، أرض القديس أوغسطين”. وأوضح أمين سر دولة الفاتيكان، رئيس الحكومة الكاردينال بيترو بارولين: “إن زيارة البابا إلى مدينة عنابة، ولكونه من أبناء القديس أوغسطين، ليست مجرد فعلٍ تذكاري، بل إنها استمراريةٌ روحية (…) وزيارة جامع الجزائر هي استمرارية للحوار بين الأديان”.
وأكد رئيس مجلس أساقفة أفريقيا الشمالية ورئيس أساقفة تونس، المطران نيكولا لورنود، أن: “هذه الزيارة تاريخية، كونها أول زيارة بابوية إلى الجزائر، وقد قام البابا برحلةٍ إلى هناك، سائرًا على خطى القديس أوغسطين، أسقف هيبون، وهذا يؤكد على التعايش والسلام”.